Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اللقاء الأول الذي لم يتم مع الرئيس حافظ الأسد: 19 شباط 1966

كتب الدكتور جورج جبور- فينكس- خاص:

 في 23 شباط 1966 قامت في سورية حركة تغير سياسي أطاحت بقيادة الفريق أمين الحافظ ورئيس الوزراء الاستاذ صلاح الدين البيطار ، رحمهما الله.. كان موقف الجيش أساسيا في نجاح الحركة. ومباشرة اثر النجاح، أعلنت القيادة الفعلية الجديدة ترفيع الضابط حافظ الأسد الى رتبة لواء، وتسميته وزيرا للدفاع.

كان من الواضح أن وزير الدفاع الجديد هو الصانع الفعلي للحركة.
قبل أربعة أيام من 23 شباط كان الضابط حافظ الأسد منشغلا، لا ريب، بأمور دقيقة تختص بالكيفية التي ستقوم بها الحركة. لكن ذلك الانشغال الخطير لم يشغله عن أمر آخر هو مطالعة العدد الاسبوعي الثاني من جريدة البعث الذي صدر صباح 19 شباط 1966.
كانت جريدة البعث قد قررت دعم مسيرتها باصدار عدد اسبوعي ذي صفحات أكثر، ومحتوى أغنى. كان يعمل في الجريدة آنذاك شخصان اعتبرهما من الأصدقاء. أوثقهما صلة بي هو المحامي الاستاذ مروان الحصري --- أين هو الآن؟ لا أدري. منذ مدة طويلة لم التق به أو تردني أخبار منه أو عنه، وارجو أن يكون ما يزال معنا في هذه الفانية، وادعو له بطول العمر. أما الثاني فهو الأستاذ اميل شويري، رحمه الله، الذي كان كاتبا شهيرا في تلك الأيام، وقد سمي في وقت لاحق مندوبا دائما لسورية لدى اليونسكو . أما المسؤول الأول في الجريدة آنذاك فكان الاستاذ طارق عزيز، رحمه الله، من العراق، ولم أكن اعرفه، بل لم اتعرف عليه الا في مؤتمر القمة العربية في تونس عام 1979، وكان ذلك التعارف بفضل إشكال في مصعد فندق كان مشغولاً بوفود الدول العربية المشاركة في القمة.
من تقاليد البعث الجميلة التي حرص عليها ألا يفرق، بمعيار الجنسية، بين بعثي وآخر في تولي المسؤولية الاولى عن الجريدة الناطقة باسمه. بعد طارق عزيز كان للجريدة عدة رؤساء تحرير من غير السوريين، أذكر منهم الاستاذ عبد المحسن أبو ميزر، رحمه الله، وهو من فلسطين، والدكتور فواز صياغ، اطال الله عمره، من الأردن. وبالطبع فإن رئيس التحرير الحالي، الاستاذ محمد كنايسي، تونسي الجنسية.
سألني الاستاذ الحصري إمداد الجريدة بمقال. هو يعرف شغفي بالكتابة، إذ تزاملنا في كلية الحقوق أيام كنت رئيساً لتحرير مجلة "العروبة" الناطقة بلسان اتحاد طلاب جامعة دمشق في العام الدراسي 1959 –1960. استجبت لدعوة الزميل الكريم.. فعلت، بعد ان أعجبني العدد الأول. سلمته دراسة عن منظمة الوحدة الأفريقية. وفي ختام الدراسة قارنت بين المنظمة وبين جامعة الدول العربية. امتدحت المنظمة لأنها جعلت الوحدة في صميم اسمها وميثاقها.
و أظن أيضا أنني امتدحت أسلوب اتخاذ القرارت في المنظمة لأنه يعتمد الأغلبية لا الاجماع. أقول "أظن"، لانني لا أملك نسخة من العدد الثاني من البعث الاسبوعي. وقد يكون أحد حوافز كتابة هذه الكلمات حث من لديه نسخة من ذلك العدد لكي يطلعني على الدراسة المنشورة فيه.
اطمأننت صبيحة 19 شباط الى أن دراستي منشورة. ربما أنني تجولت حاملا نسخة من العدد، فرحا أطلع عليه الأصدقاء. لكن الفرحة الأكبر كانت بعد وقت قصير من عودتي الى المنزل. هتف لي من عرف نفسه بأنه طارق عزيز رئيس التحرير. قال: إن الضابط حافظ الأسد اتصل به وأعلمه اعجابه بالدراسة، وطلب منه تزويده برقم هاتفي ليتصل بي مهنئا. سررت بالطبع. كان اسم حافظ الأسد متداولا بكثافة في تلك الأيام، فبموقفه يتحدد المستقبل السياسي للحكم. قال رئيس التحرير ان الأسد يود مهاتفتي، لكنه لم يفعل. من المرجح انه شغل عني بما سيقوم به بعد أربعة ايام!.
كان ذلك لقائي الأول مع من غدا رئيساً للجمهورية. لقاء أول رغم أنه لم يتم. قيض لي في أوقات لاحقة االتأكد من أن حافظ الأسد كان قارئاً جيداً ليس للمقالات والدراسات والكتب فحسب، بل للأحداث أيضا. وعلى أساس من جودة قراءته للأحداث، كان له في التحكم بكثير منها نصيب وافر.
دمشق في 9 حزيران 2017
عشية الذكرى 17 لانتقال الرئيس حافظ الأسد الى رحمة الله.