Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن "الدستورية".. معنى ومبنى

أحمد حسن- خاص فينكس:

قبل أكثر من عام وقبيل انطلاق أعمال الجلسة الثالثة لاجتماعات "اللجنة الدستورية السورية" دعا المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون، إلى عدم توقّع "معجزة" أو "نقطة تحوّل" ما من الاجتماع حينها.

وكما نعرف جميعاً المعجزة لم تحصل. "غيبتها" طالت وامتدت إلى الجلستين الرابعة والخامسة، والسبب بسيط للغاية فـ"اللجنة"، التي تتكوّن من ثلاثة أطراف متساوية العدد، كانت، ولازالت، مصابة بلعنة "الخطيئة المؤسّسة". طرف كامل منها - وجزء معتبر من طرف ثان- جرى تشكيله، تسمية وتمويل، في أروقة مكاتب مخابرات دول خارجية محدّدة، وبالطبع ليس لدواع خيرية، بل بهدف مساعدة هذه الدول في استكمال احتلالها الجغرافي لأرض سورية، أو استبداله في حال الاضطرار، باحتلال سياسي للدستور السوري العتيد يضمن تحقيق أطماعها كاملة.

تضافر هذه "الخطيئة مع قيام البعض بإثقال "اللجنة" بالإشارات التهويلية -وهي إشارات نافية لأس وجودها- ما لم تحقق أهدافهم وشروطهم المسبقة، أدى إلى هذا الغياب.

اليوم تتطلع الأعين المحبة لسورية إلى شفاء "اللجنة"، أو تحرّرها، من لعنة "الخطيئة المؤسّسة" في الجلسة "السادسة" التي تحتضنها "جنيف"، ليس على يد أهل "الغيب والزار" بل على يد التغيّرات الميدانية والسياسية و"الجغرافية" التي فصلت ما بين تاريخ التأسيس ويومنا هذا، وهي تغيّرات كان لها الدور الأكبر في إسباغ بعض الواقعية السياسية على رعاة "اللجنة"، وكانت نتيجتها الأولى إبعاد أشخاص والإتيان بآخرين، ونتيجتها الثانية ما نسمعه في هذه الجولة من تردّد مصطلح "الإصلاح الدستوري" سواء على لسان "بيدرسون" أو على لسان رئيس وفد "المعارضة"، وتلك، للحقيقة مسافة طويلة، في دلالات الكلمات، بين رفض كامل للواقع السياسي القائم وبالتالي طلب تغيير كامل للدستور وبين العمل على إصلاحه، وشتان ما بينهما.

والحق فإن الكلمات والتعابير مهمة جداً جداً في المجال الدستوري، فـ"اللجنة" التي هي ابنة القرار "2254" بزمنه الدولي وظروفه السياسية والميدانية -وحتى جغرافية الدولة السورية المعروفة حينها-بدأت وللمرة الأولى بإدراك متطلّبات الزمن الدولي الجديد، وبهذا الإدراك نفهم بدء النقاش هذه المرة بالمبدأ الأول: السيادة في الجمهورية العربية السورية، وذلك أمر هام لأن للمضامين الدستورية قصدها وغايتها المحددة، فهنا، في اللجنة -إن تكلّل عملها بالنجاح- سيرسم شكل الدولة السورية القادم، وهنا بالتحديد تنعقد آمال وطروحات وأوهام وأهداف، لذلك هنا لكلّ كلمة معنى ولكلّ عبارة مغزى ولكلّ جملة حمولة سياسية واقتصادية محدّدة.

وكي لا نستبق الأحداث يمكن تقديم بعض الأمثلة باختصار شديد، شكل "العلم" ودلالاته يعني الكثير، كلمة "مكوّنات" مثلاً تعني -في حال اعتمادها أو استبعادها- توجّه سياسي واجتماعي واقتصادي محدّد، خاصة وأن النموذج اللبناني -وحتى العراقي- يسكن ذهن البعض، دون النظر إلى ما يقدمه هذين النموذجين اليوم من تبعيّة كاملة للخارج، فالنموذج اللبناني مثلاً أثبت، عبر تاريخه، أنه لا يعيش إلا بالتدويل وعليه. طبقة سياسية واقتصادية كاملة لا تعرّف نفسها إلا بدلالة ارتباطها بالخارج، جلّ همها الاستقواء به على "الأشقاء" في الداخل حتى في خلاف بلدي، وتلك وصفة ممتازة لدول تابعة مجردة من السيادة إلا الخطابية والتلفزيونيّة منها. تلك الحالة كانت في ذهن "ديميستورا" سابقاً!!.

بيد أنه من المهم هنا إعادة التأكيد على أهمية استمرار الحوار السوري - السوري الشامل، في الدستور أو في غيره، فالحوار هو الحلُّ الأمثل لحلِّ الأزمة، لكن ذلك يفترض بالجميع وعي حقيقة بدهيّة للغاية، ومفادها أن السوريين، وبعد عشر سنوات من مأساتهم المستمرة لا يريدون دستوراً توقّع عليه أيد سورية في الظاهر لكنه مكتوب في دهاليز مباني مخابرات دوليّة معروفة، فهذا سيكون دستوراً مفخخاً بكل عوامل الحرب المستدامة والمتكرّرة بصورة دورية لا يمكن الفكاك منها أبداً.

"النموذج اللبناني"، مرة جديدة، فصيح جداً في هذا المجال. وتلك معركة جديدة على السوريين الفوز فيها وإلا..

كن انت صاحب المقال!