حكاية "كسر الفراغ" و العين البصاصة..

مفيد عيسى أحمد - خاص فينكس:
المدير الذي تم تعيينه مديراً عاماً لإحدى شركات التوليد منذ أكثر من عقدين، لم ينتظر طويلاً حتى وجد (العين البصاصة)، فهذه الفئة التي تقوم بهذه المهمة للمديرين و المتنفذين؛ يقدمون أنفسهم و يطرحون خدماتهم فوراً.
هذه (العين البصاصة) سريعاً ما صارت تنقل للسيد المدير دقائق الأمور، حتى تلك التي لا علاقة لها بالعمل، و وصل الأمر إلى حد أن المدير صار بمقدوره القيام بجولة على مفاصل العمل و هو في بيته، أو مستلق على سريره في (سابع نومة).
كانت تلك العين تستمد هيبتها من هيبة المدير، فغدت صاحبة خشية و امتيازات تخولها الدحول إلى أي مكان في الشركة.
و حدث أن فصلت إحدى مجموعات التوليد في الشركة، قرر الفنيون المشهود بكفاءتهم؛ اللجوء إلى إجراء فني يسمى (كسر الفراغ) و هي حالة قد تحدث نتيجة خلل فني، أو يُلجأ غليها لحماية المجموعة التي توقفت عن العمل لحمايتها لحين البدء بإجراءات الاقلاع، رغم أن العبارة شاعرية، و يظن من يسمعها بأنها شطرة من قصيدة نثر،  إلاّ أنها مؤداها فني بحت.
انهمك الفنيون في العمل لكسر الفراغ، و قد أخذ منهم الأمر جهداً مضنياً، و حين تم ذلك، صاح أحدهم: "كسرنا الفراغ.. ولعنّا سلافه" و ردد آخرون بارتياح: انكسرالفراغ..
(العين البصاصة) كانت حاضرة كعادتها، فهي تملك تلك الميزة التي تجعلها تتنسّم مكان الحدث الأهم، و عندما سمعت ذلك هرعت إلى المدير، و دون إذن و لا دستور، و بلهفة من اكتشف سراً خطيراً قال صاحبها: معلم... كسروا الفراغ... الله وكيلك صار مئة شقفة و شقفة... متل لوح الزجاج..
نظر إليه المدير بسخرية و قال: هل رأيتهم يفعلون ذلك؟
أجاب: بعيني اللي بدو ياكلها الدود، طق طقيق و نثراته وصلت لباب الشركة.. معلم و الله صار متل الملح..
ابتسم المدير و قال: كتير منيح.. الله يعطيك العافية.. لا تخلي شي يفوتك.. برابو .برابو 
المفارقة في الأمر أن العيون البصاصة لها حظوة في أغلب شركاتنا العامة و ميزات تفوق الفنيين و الماليين و الإداريين و من يقوم بعمل حقيقي، و يصل الأمر في أحيان كثيرة إلى التأثير في القرارات المتخذة.
و هذه الفئة تلتصق بالشركات و لا تفكر بمغادرتها حتى بالموت، بينما يلجأ الفنيون و غيرهم من العاملين المجدين إلى التفكير بالنقل أو الاستقالة، أو قد تصيبهم تلك الحالة من التراخي الناجمة عن عدم تقدير عملهم.
و هذا يحيلنا إلى ما يحدث الآن في مؤسسات و إدارات القطاع العام، حيث خسرت و تخسر هذه الشركات فنييها و عامليها الجدد؛ خاصة أؤلئك المؤهلون أكاديمياً، إما بالإستقالة أو الاستيداع، أو الترك.. فالكثير من هؤلاء الشباب تركوا العمل للسفر إلى الخارج، و من لم يتيسر له ذلك؛ للعمل في القطاع الخاص بما لا يتوافق مع مؤهله في أغلب الأحيان، بتأثير عقلية العمل السائدة و العامل الاقتصادي المتمثل بتدن الرواتب و التعويضات. 
في الجانب الآخر، عمد الكثير من الفنيين و العاملين من أصحاب الخبرة الممتازة، و ممن قضوا سنوات طويلة في العمل، إلى تقديم استقالاتهم و الإصرار على ذلك، لعدم تناسب أجرهم مع قدمهم و جهدهم، و لعدم تقدير قدمهم و احترامه.
إذا بقي الأمر هكذا؛ فثمة فراغ قادم... فراغ  سيحرم البلد من الخبرات و الكوادر.. يجب العمل على عدم الوقوع فيه، باتخاذ إجراءات سريعة، و كسره في حال حدوثه.. و لتقل العين البصاصة ما تقول.