Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جرائم الفكر الصلب

حسن م. يوسف- فينكس:

صحيح أنني متمسك بتفاؤل إرادتي ولن أتخلى عنه ما حييت، لكن عقلي لا يكف لحظة واحدة عن تذكيري بالمعطيات المتشائمة التي تقلقه. فإذا ما نحينا القشرة القانونية البراقة الهشة التي تغلف سلوك البشر في هذا العالم اكتشفنا ببساطة أن طبيعة العلاقات القهرية القائمة بين الدول الكبرى والدول الصغرى، موجودة، مع تعديلات طفيفة، في العلاقات بين الأطفال والبالغين!

فالطفل عندما يكسر كأساً أو صحناً، دون قصد منه، قد يتعرض لتأنيب شديد من أبيه وأمه، وقد يوصف بالرعونة وانعدام الوعي... الخ. لكن عندما يحطم الأب سيارته في حادث مرور، تجده يتحدث عما جرى بشيء من الفخر كما لو أنه قد أنجز لتوه مأثرة كبرى! والغريب أن بقية الكبار يأتون إليه ويهنئونه بالسلامة، رغم أن ثمن السيارة يعادل ثمن ملايين الصحون والكؤوس!

ولهذا يبدو عالم الكبار بالنسبة للأطفال، مخيفاً وخالياً من المنطق والإنصاف، كما هو الحال الآن في العلاقات بين الدول الكبرى والدول الصغرى.

فالدول الكبرى الآن تملك من الأسلحة الفتاكة القادرة على تدمير الكرة الأرضية مئات آلاف المرات، لكنها لا تبرر هذا لنفسها وحسب، بل تتهم أية دولة صغيرة تحاول التزود ولو بسلاح بدائي لحماية أمنها، بأنها خطر على السلام العالمي! وهم يعتبرون مجرد شروع أية دولة صغيرة بمحاولة اقتناء سلاح للدفاع عن أمنها، مبرراً كافياً لتدمير تلك الدولة واستباحة ثرواتها واستعباد شعبها وتحويلها الى عبرة لمن يعتبر.

والأعجب من ذلك أن هذا الحال اللاأخلاقي وجد ويجد بين (المثقفين) لا من يبرره وحسب، بل من يدعو إليه كما لو أنه مأثرة تدعو للفخر والاعتزاز! فالفيلسوف الألماني ليو شتراوس، الذي يعتبر الملهم لأيديولوجيا المحافظين الجدد التي تسود حالياً داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، والذي هاجر إلى الولايات المتحدة في نهاية ثلاثينات القرن الماضي دعا قبل موته الإدارة الأمريكية بشكل صريح إلى رفض النسبية الأخلاقية، والانتقال إلى الغطرسة الدوغمائية والإمبريالية المتحررة من كل قيد: "لقد آن الأوان للتخلي عن الفكر الرخو والتمسك بالفكر الصلب. لقد صدرت لنا فرنسا، موجة أثر موجة، الخلل والميوعة الفكرية والأخلاقية، ولقد آن الأوان لدفن هذه النفايات في مقابر جماعية".

ولمناسبة الحديث عن "الفكر الصلب" الذي بدأ يحكم أمريكا بالتدريج منذ أن فرضت هيمنتها على العالم عقب الحرب العالمية الثانية، اسمحوا لي أن ألخص لكم حكاية واقعية جرت في الولايات المتحدة الأمريكية وكتبت عنها الصحف هناك.

اشترى رجل كاوبوي من الجنوب الأمريكي شاحنة قوية جديدة بدلاً من شاحنته القديمة التي كان يمضي معظم الوقت في إصلاح محركها وتجليس واقيات دواليبها. وقد احتاج الرجل بعض الوقت كي يوفر ثمن الشاحنة الجديدة. لذا أمضى بضعة أيام وهو يستعرضها بفخر متنقلاً فيها من مكان إلى آخر، وبعد أن قام بجولة شملت معظم المدن والقرى المجاورة عاد إلى البيت وكله إعجاب بشاحنته الجديدة!

أثناء وجوده في البيت كان الرجل يطل من شرفة منزله بين وقت وآخر كي يتأمل الشاحنة، وعندما يراها تلمع في الضوء كما لو أنها تبتسم له، كان يرد لها الابتسامة بأحسن منها، وينكفئ إلى الداخل وقلبه ممتلئ بالغبطة!

أثناء قيلولة ما بعد الغداء، أفاق الرجل على صوت ضربات مطرقة يأتي من باحة المنزل، فأطل مسرعاً ليرى حقيقة ما يجري. ذهل الرجل عندما رأى ابنه الصغير الوحيد، البالغ من العمر ستة أعوام، وهو يهوي بالمطرقة، التي اعتاد هو أن يستخدمها في تجليس شاحنته القديمة، على رفراف الشاحنة الجديدة اللامع ليحدث فيه خدوشاً بشعة!

أصيب الرجل بحالة من الغضب الهستيري، فهجم على ابنه الصغير وأطبق بيده اليسرى على كلا يديه، ثم أمسك المطرقة بيده اليمنى وأهوى بها على أصابع الولد في عدة ضربات قوية متتالية.

عندما استعاد الأب رشده، حمل ابنه ومضى به إلى المشفى مسرعاً. بذل الطبيب أقصى جهده لإنقاذ أصابع الطفل لكن العظام كانت مهروسة تماماً، مما اضطر الطبيب في النهاية لأن يستأصل أصابع كلتا اليدين.

عندما استيقظ الطفل من تأثير المخدر عقب العملية ورأى الضماد على يديه قال لوالده وهو ينشج ببراءة: "بابا أنا آسف لأنني كنت "أصلح "لك شاحنتك. لكن متى ستنمو أصابعي من جديد؟"

فما كان من الأب إلا أن ذهب الى البيت وشنق نفسه!

لقد حطمت أمريكا أصابع العديد من المجتمعات عبر حروبها القذرة المتدحرجة في كل أنحاء العالم، من فيتنام الى أفغانستان، مروراً بالعراق وليبيا وسورية واليمن، وكل المؤشرات تؤكد أنها لم ولن تندم، فالندم يحتاج لوجود الضمير، والوحش الإمبريالي الأمريكي لا ضمير له، لذا سيتابع اقتراف جرائمه مالم تساعده الصين وروسيا على شنق نفسه.