Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الحب الخالد

حسن م. يوسف - فينكس

لست أعني بهذا العنوان فيلم "الحب الخالد" الذي أخرجه زهير بكير عام 1965 بطولة هند رستم وعماد حمدي، ولا أعني به حب المجنون لليلى، ولا كثير لعزة، ولا جميل لبثينة، ولا حب عنترة لعبلة ولا حب توبة لليلى الأخيلية، ولا حب أبو نواس لجنان، ولا حب أبو العتاهية لعتبة، ولا حب ابن زيدون لولادة بنت المستكفي، ولا حب ابن رهيمة لزينب بنت عكرمة، بل أعني به قصة حب معاصرة جمع خيوطها ووثقها سيادة اللواء محمد مفضي سيفو ونشرها مؤخراً في كتاب بعنوان (الحب الخالد: رسائل ميرنا إلى ألبرتو).

دعوني أعترف لكم أنني ماكنت لأصدق أن كتاب "الحب الخالد، رسائل ميرنا الى ألبرتو" من تجميع وتوثيق اللواء سيفو، لو لم يقم بإهدائي نسخة من ذلك الكتاب. وما كانت شكوكي لتزول تماماً لو لم ألتق بسيادة اللواء وجهاً لوجه، في مقهى الهافانا بدمشق، حيث قدم لي الكتاب بنفسه، فلولا ذلك لظننت أن الكتاب مدسوس عليه. إذ أنه ليس من المألوف أن يقوم رجل عسكري برتبة لواء بكتابة القصص الرومانسية، فما بالك بأن يكون هو بطل قصة رومانسية واقعية يرويها ويوثقها من خلال نصوص الرسائل التي وجهتها بطلتها إليه!

يقول اللواء سيفو في مقدمة كتابه "الحب الخالد" إن بطلة كتابه فتاة كانت في السابعة عشرة من عمرها عام 1963 تعلقت ببطل فيلم سينمائي اسمه ألبرتو، وفي اليوم التالي شاهدت عبر نافذة أحد الصفوف مدرساً يشبه بطل الفيلم يلقي درسه للطالبات، فتعلق قلبها به لأنه يشبه بطل الفيلم ألبرتو. ومن هنا أطلقت عليه هذا الاسم. وذات يوم طلبت مجموعة من الطالبات من ذلك المدرس أن يراجع معهن كتاب الرياضيات، و "أثناء لقاء المراجعة لاحظ المدرس أن فتاة من الثمانية الحاضرات تخصه بنظرة مميزة، وأعطته كتابها كي يحضر الدرس في المرة التالية، أخذ المدرس الكتاب ورأى ما كتبت في أول صفحاته: (هل علي أن أبدأ ألبرتو)، عندها عرف أنها من أطلقت التسمية عليه، وهو يعرف أهل الفتاة وأخوتها معرفة تامة، ووالدها شخصية مرموقة في المنطقة لذلك كتب (أهلاً وسهلا) وكانت البداية..."

تقول الصبية ميرنا للمعلم الشاب ألبرتو: "أنا أعرفك باسم ألبرتو فاعرفني باسم ميرنا، وإذا قرأت هذا الاسم أو سمعت به فاعلم أنني صاحبته، فأنا ميرنا وأنت ألبرتو."

في رسائل ميرنا الأولى ثمة بساطة تقترب من السذاجة إذ تمزج الصبية عبارات رسائلها بكلمات الأغاني التي كانت شائعة آنذاك، إلا أن لغة ميرنا تصبح أكثر فصاحة وعمقاً ونضجاً من رسالة إلى أخرى حتى تغدو أقرب الى الأدب الرفيع في رسائلها الأخيرة.  

أسر لي اللواء سيفو أنه قد قام بترتيب رسائل ميرنا البالغ عددها مئة رسالة ورسالتين، دون تدخل يذكر من قبله، لكنه لم يتمكن من نشر رسائل ألبرتو لميرنا، لأنها كانت تتلفها خوفاً من أن يعثر أهلها عليها، لذلك كتب اللواء سيفو بعض الخواطر، و نشرها بين رسائل ميرنا لكي توحي بجو رسائل ألبرتو. وقد كان خياره هذا موفقاً لأنه أوحى بجو الرسائل دون أن يدعي أنها من ألبرتو.

المفاجأة المذهلة التي أسر لي بها اللواء سيفو هي أن هذه الرسائل الرومانسية، تعبر عن قصة حب حقيقية بكل تفاصيلها. فميرنا هو مجرد اسم مستعار لفتاة حقيقية أحبها اللواء سيفو لحوالي خمس سنوات، ثم تزوجها، وأمضى عمره معها. وألبرتو ما هو في واقع الحال إلا اللواء سيفو نفسه! وقد أراد من خلال نشر هذه الرسائل التي تروي قصة حب عفيف نقي عميق، أن يوجه تحية حب وعرفان لشريكة عمره وأم أبنائه التي اختارت أن يكون اسمها المستعار (ميرنا). وهذه البادرة تستحق احتراماً مزدوجاً لأنها بمثابة اعتراف علني بالحب، بعد سنوات من رحيل المرأة المحبوبة. والحق أن معظم هذه الرسائل تمس القلب لأنها تعبر بنقاء وعذوبة عن أعمق المشاعر الإنسانية وأنبلها في زمن الاستهلاك والعلاقات العابرة.