Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جبروت الإشاعة

حسن م. يوسف – خاص فينكس:

عجيب أمرنا نحن العرب! جميعنا متفقون على إن الشائعات آفة ضارة تنخر المجتمع، كونها تعمي عن الحق وتثير الفتنة والوقيعة بين الناس، وجميعنا نردد قول أجدادنا: "الفتنة أشد من القتل" لأن القتل غالباً ما يقع على نفس واحدة، أما الفتنة التي تسببها الشائعة، فقد تهدم مجتمعاً برمته وتقلب سافله عالية. لكننا رغم هذه القناعات الإيجابية، نشارك جميعاً، إلى هذا الحد أو ذاك، في نشر الشائعات السلبية وتجميلها وتطويرها خاصة عندما تكون طريفة ومحبوكة بذكاء، وغالباً ما تكون الشائعات المصنوعة من قبل الأعداء كذلك، لأنهم يفبركون الإشاعات بناء على دراسات نفسية ووفق أسس علمية، يتم وضعها في مراكز البحوث. بحيث تضرب على الأوتار الحساسة في نفوسنا، وتغرينا بنقلها، ويؤسفني أنني لست استثناء في هذا الأمر. فالنزاهة تقتضي أن أعترف لكم أنني صدمت عندما اكتشفت مؤخراً أنني قد شاركت بحماس في تدوير إحدى الشائعات التي بدت لي طريفة بشكل يثير الضحك، وأنا أحترم الضحكة الطيبة وأعتبرها من أجمل أزهار الروح البشرية.

أحسب أنه ما من متعلم في سورية، وربما في الوطن العربي لم يسهم بشكل ما، إما عن معرفة أو عن جهل- وغالباً عن جهل- في حملة التهكم على مجمع اللغة العربية بدمشق الذي نسبت الإشاعات إليه تعريب كلمة "ساندويتش" بـ "الشاطر والمشطور والكامخ بينهما".

لست أعرف عمر هذه الشائعة على وجه الدقة، لكنني سمعتها لأول مرة قبل أكثر من نصف قرن، وهي ترتبط بمجمع اللغة العربية الذي أسس في 8 حزيران 1919 أي بعد حوالي سنة من اندحار الاحتلال العثماني عن سورية وإعلان الدولة العربية في بلاد الشام، وقد كان المجمع برئاسة الأستاذ العلامة محمد كرد علي وعضوية عدد من خيرة علماء سورية. أما سبب حملة الشائعات على مجمع اللغة العربية بدمشق فهو أنه أخذ على نفسه مهمة: "النظر في إصلاح اللغة، ووضْع ألفاظ للمستحدثات العصرية، وتنقيح الكتب، وإحياء المهم مما خلفه الأسلاف منها، والتنشيط على التأليف والتعريب."

وبما أن مجمع اللغة العربية بدمشق قد احتفل قبل عامين بمرور مئة عام على تأسيسه، فهذا يعني أن عمر هذه الشائعة - الحملة يقارب القرن! لكنها رغم ذلك لم تفتر ولم تتوقف عن الدحرجة في أحاديث المتعلمين المتهكمين! فما أن يفتح موضوع تعريب الأسماء الأجنبية حتى يقوم أحد المتظارفين بتذكير الحضور بالشاطر والمشطور والكامخ بينهما!

لو كان الموتى يضحكون لكنا سمعنا قهقهة المقامر جون مونتاغو، المعروف باسم (إيرل ساندويتش الرابع) (1718 –  1792) وهو يضحك علينا عبر القرون. فقد كان ذلك النبيل للبريطاني متعلقاً بلعب القمار لدرجة أنه لم يكن يرغب بمغادرة الطاولة الخضراء حتى بغرض تناول الطعام، لذا كان يأمر خدمه أن يحضروا له قطع لحم مطبوخة ممدودة بين شريحتين من الخبز كي يقوم بتناولها وهو يلعب القمار. وقد ارتبطت هذه الطريقة في تناول الطعام باسم ذلك المقامر إيرل ساندويتش وحملت اسمه الى كل أنحاء العالم.

مناسبة هذا الكلام هو أنني قرأت مؤخراً مقالاً للسيد خالد محمد جزماتي يبين فيه، بالأدلة أن مجمع اللغة العربية بدمشق لا علاقة له بتعريب كلمة (ساندويتش) الشهيرة هذه، وأن الهدف من إشاعة عبارة (الشاطر والمشطور والكامخ بينهما) هو التهكم على مجمع اللغة الغربية والتشكيك بسوية أعضائه وتبيان عجزهم عن تعريب أبسط الكلمات.

والعجيب أن هذا التعريف- النكتة ما يزال قيد التداول في الأوساط الثقافية رغم أن رئيس المجمع العلامة محمد كرد على نفى مراراً قبل وفاته وجود أي صلة لمجمع اللغة العربية بدمشق بذلك التعريب المريب، وأشار بوضوح الى أنه "من دسائس أعداء التعريب الذين يدعون الى جعل الدراسات العليا بل والمتوسطة باللغات الأجنبية، بزعم أن اللغة العربية هي لغة متخلفة".

ليس هدفي من طرح هذه المسألة المؤسفة جلد الذات، ولا توجيه اللوم لأحد بل تنبيه أخوتي السوريين الى خطورة الدور الذي تلعبه الإشاعات الكاذبة المغلفة بالصدق، في هذا الظرف الحساس الذي تمر به البلاد،

  "فالأكذوبة تستطيع أن تقطع نصف المسافة حول العالم، قبل أن تتمكن الحقيقة من لبس حذائها" على حد قول استاذي الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين.