Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من تلك الخسارات

ذكرتُ في مقالة سابقة العقوق الذي أصاب مدينة حمص على يد أبنائها، فيما يتعلّق بالتلوّث، وفصّلتُ بعض الشيء، وأنا هنا سأتابع ما أعتبره خسارة فعليّة، وإذا كان التقصير الذي أصابها ما زال من الممكن تدارك بعض آثاره، فهذه قُضي الأمر فيها وانتهى.

أستميحكم عذراً بالمرور بداية على"رابطة الخريجين الجامعيين" بحمص، وهي رابطة أهليّة كما يقولون، تأسّست في ستّينات القرن الماضي، وكان هدفها آنذاك العمل بما هو ممكن، للردّ على جريمة الانفصال، وغلب على مؤسسيها أنّهم من ذوي الاتّجاه العروبي التقدّمي، وكان اسمها"رابطة الخريجين (و)الجامعيّين"، فقد كانت تقبل في البداية انتساب الطلاّب الجامعيّين إليها لتستفيد من حماس شبابهم، وبعد أن صار الإقبال كبيرا على الانتساب إليها من قبل حمَلة الشهادات الجامعيّة، حُذفت تلك الواو، وما أدري ما إذا كان قد عُدِّل نظامها الداخلي، لينسجم مع التسمية الجديدة، ولقد لعبت دوراً ثقافيّا، وتوعويّاً وفكريّا، في رحلتها المديدة، وكان مهرجانها الشعري في سنوات تألّقه، من أرقى المهرجانات في الوطن العربي، قالها غيري من ضيوف عرب دُعوا لهذا المهرجان، وأقولها وقد حضرتُ العديد من المهرجانات على مستوى الوطن الكبير.

في تسعينات القرن الماضي-على الأرجح- أرادت هذه الرابطة أن تدعو لمحاضرة نوعيّة تتعرّض لمسألة الأمن المائي، وكانت قد ارتفعت أصوات خبيرة عالية على المستوى العالمي تحذّر من أنّ مستقبل هذا الكوكب، في مساحات شاسعة منه سوف يعاني مع مرور الزمن من شحّ في المياه، وتنبّأ البعض أنّ ليتر الماء سيكون أغلى سعراً من ليتر البترول، وأنّ الحروب القادمة ستكون من أجل منابع المياه، فالماء كما هو معروف لا يمكن استمرار الحياة إلاّ بوجوده، وكنّا، وما زلنا، في هذا القطر، وفي القطر العراقي الشقيق نُعاني من التحكّم الظالم للسلطات التركيّة فيما يتعلّق بحصّة هذين القطرين من مياه نهر الفرات، بحسب نصوص المعاهدات الدوليّة، ولكنْ .. متى كان للنصّ قوّة أن يتجسّد إذا لم تكن ثمّة قوّة قادرة على حمايته، وها نحن نتابع الأخبار عن تكرار قطع المياه من قبل النظام التركي، ولسنا ندري ما تُخبّئه قادمات الأيام في هذا المجال،

في تلك الفترة تمّ التركيز في مدينة حمص على وجود بحيرة ذات مياه صافية، شروبة، تقع حيث أقيمت المدينة الصناعيّة، وأنّها يمكن أن تشكّل البديل الآمن لشرب سكّان هذه المدينة، وارتفعت بعض الأصوات تطالب بجديّة الاهتمام بهذه الهبة الطبيعية، لاسيّما بعد التلوّث الذي أصيب به تهر العاصي، وجرى الحديث عن ضرورة إقامة محاضرة تُعنى بهذا المورد وتبيّن أهميته وضرورة الحفاظ عليه بعيداً عن التلوّث، وبعد حماس شديد لهذه الخطوة  خيّم صمت مريب، فلم يعد أحد يذكر ذلك الموضوع، فسألتُ العضو المسؤول عن النشاط الثقافي في الرابطة عن ذلك آنذاك، فقال لي بلهجة فيها الكثير من الأسف والخجل، لقد طويْنا الموضوع، لأنّ ( أبو فلان) -وكان يعني محافظ المدينة يومها-، سيزعجه ذلك، وهو متحمّس جدّاً لإقامة المدينة الصناعيّة، وارتفعت بعض الأصوات تطالب أن تُنشأ المدينة الصناعيّة بعيدا عن هذا الحوض، ولكنّها ظلّت مجرّد أصوات فرديّة مُنبِّهة.

 وهكذا يا سادة أقيمت المدينة الصناعيّة، ولستُ أنكر أهميّتها ودورها الاقتصادي، والتي كان يمكن أن تكون في مكان لا يُلوّث تلك البحيرة فنكسب الاثنتين، ولكنّ ذلك لم يحدث لأنّ ( أبو فلان) يزعجه ذلك، وذهب ( أبو فلان) كما ذهب غيره من المحافظين، ووجدت حمص نفسها وقد خسرت تلك البحيرة العذبة الصافية، هكذا تكون النتائج حين يكون رضى بعض المسؤولين أهمّ من مستقبل مدينة فيها أكثر من مليون نسمة، وتزيد.

 وها نحن، كما يعرف الجميع نشتري مياه شربنا من الذين يبيعوننا الماء بالبدونات، على أساس أنّها مياه نظيفة، فهل ينفع الأسف؟!!

أسفي عليك يا حمص المنكوبة بتلوّث خطير قاتل.

عبد الكريم الناعم

العروبة