تركيا في قلب حركة «المصالحات»: حنين إلى سياسة «صفر مشاكل»

أحدث وصول جو بايدن إلى الرئاسة قلقاً وهلعاً لدى معظم الأنظمة في الشرق الأوسط، إذ تبدو استراتيجية الولايات المتحدة مائلة نحو الانزياح شرقاً لمواجهة الصين. ومن هنا تجيء رغبة الإدارة الأميركية في العودة المنظَّمة إلى الاتفاق النووي مع إيران، للتخلُّص، ولو نسبيّاً، من الإزعاج الذي يمثّله «الخطر الإيراني» على مصالحها في المنطقة. وعلى رغم مقاومة الجمهورية الإسلامية بصلابة وصبر الاستهدافات الأميركية لمحوَر المقاومة في عهد الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترامب، غير أن الدخول في ما يشبه المهادنة، من شأنه أن يوفّر لطهران الكثير من المال الذي تحتاج إليه هي وحلفاؤها في المنطقة.

كذلك، بدا لافتاً أنه بمجرّد وصول بايدن إلى البيت الأبيض، انقلبت سياسات عدد كبير من الدول التي كانت على علاقات جيّدة مع الولايات المتحدة، والتي عملت على تكييف سياساتها بما يتناسب مع «الفراغ» المستجدّ؛ إذ هرعت هذه الدول إلى تشكيل تفاهمات ومقاربات تحول دون إضعافها أكثر، إلى درجة أن ما كان يبدو مستحيلاً قبل أشهر، بات «عادياً» في هذه المرحلة. وعلى رغم المبادرة إلى المصالحة، فإن الملفّات الخلافية بين تلك الدول لا يمكن تخطّيها بشحطة قلم، وبمجرّد التخوّف من سياسة التقارب الأميركي - الإيراني، والانزياح لمواجهة التنين الصيني.

وما هو لافت أيضاً أن اتجاه المصالحات حالياً يأخذ مساراً مختلفاً عن مسار التحالفات الإقليمية التي حصلت في الأشهر الأخيرة من حكم دونالد ترامب، حين تكثّفت الجهود وصولاً إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكلّ من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، مع تلميحات إلى اتصالات مع دول أخرى، وعلى رأسها السعودية. وربّما كان الهدف من وراء استعجال عمليات التطبيع، تسريع إنشاء «حلف ناتو شرق أوسطي». إلّا أن الصورة تبدّلت في ظلّ إدارة بايدن؛ إذ واكبت المحادثات لإحياء الاتفاق النووي حملتان بارزتان للمصالحة بين السعودية وإيران، وبينها وبين سوريا. فَمِن غير الممكن التوصّل إلى تفاهم مع طهران، من دون التفاهم مع دمشق. وجاء كلام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وموقف الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصر الله، «المعقول جداً» من السعودية، فضلاً عن ترحيب إيران بالمفاوضات، كمؤشرات إلى إمكان الوصول إلى تفاهمات حول العلاقات بين السعودية ومحور المقاومة.

وتَبرز تركيا، في هذا السياق، عنصراً محورياً في سياسة المصالحات والتفاهمات، ولا سيما بعدما كانت جزءاً من محاولات الانفتاح والتطبيع مع ثلاث دول، هي: السعودية والإمارات ومصر. فمع الرياض، كانت الخطوة الأقلّ أهمية، وهي الاكتفاء باتصال هاتفي لمناسبة شهر رمضان بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والملك سلمان بن عبد العزيز. ومع أبو ظبي، كان تصريح وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بضرورة تطبيع العلاقات مع تركيا، لكن في إطار الاحترام الكامل لسيادة الدول. وتبقى القاهرة هي بيت القصيد في جميع المصالحات القائمة حالياً باعتبارها قابلة للتحقُّق، على رغم تراكم الملفات الخلافية بين الجانبين، حتّى إن بعضها شائك ويتّصل بمصالح استراتيجية لكلا الطرفين. لذلك، فإن بدء المحادثات بين أنقرة والقاهرة لا يعني حلّ المشكلات كلّها، لكن مجرّد البدء بحلّها يعتبر إنجازاً. وبحسب صحيفة «جمهورييت»، فإن أمام البلدَين ثلاثة ملفّات خلافية رئيسة، هي:

- ملفّ «الإخوان المسلمين» وطلب مصر قطع المساعدة عنهم، ومنهم الموجودون في تركيا. وقد اتّخذت هذه الأخيرة بعض الخطوات التي تصبّ في خانة تخفيف الإخوان في تركيا لهجتهم المعادية لمصر.

- وقف تدخُّل سلطة «حزب العدالة والتنمية» في الشؤون الداخلية للدول العربية.

- سحب تركيا لقواتها من ليبيا وسوريا والعراق.

تعتقد تركيا أن مصر ترفع سقفاً عالياً في المفاوضات لزوم بدئها، حتى إذا تقدَّمت كان الموضوع الرئيس بين البلدَين هو الوجود العسكري التركي في ليبيا، باعتباره الملفّ الأكثر تهديداً للأمن القومي المصري، خصوصاً في ظلّ وجود أكثر من 18 ألف مرتزق لتركيا هناك، من ضمنهم 13 ألفاً من منطقة عفرين وأعزاز، وفقاً لصحيفة «يني أوزغور بوليتيكا» الكردية. كما أن الملفّ الأكثر إلحاحاً لدى الجانب الأوروبي، إذ إن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، حليفة إردوغان، طالبت بسحب القوات الأجنبية من ليبيا. وهذه النقطة ربّما تكون الأصعب في المباحثات، على اعتبار أن أنقرة حقّقت مكسباً استراتيجياً من طريق توقيعها الاتفاقيتَين البحرية والعسكرية مع طرابلس الغرب، وستسعى إلى الحفاظ عليهما بكل قوّتها.

في المقابل، يرى الكاتب باريش دوستر، في صحيفة «جمهورييت»، أن مصر تريد حلّ المشكلة مع تركيا في ليبيا كونها مسألة مصيرية. فحلّها يؤثّر على تقاسم الحدود البحرية في شرق المتوسط، وعلى فلسطين حيث حركة «حماس» المدعومة من تركيا، وعلى الصومال والسودان وإثيوبيا ومجمل الوضع في أفريقيا. وفي مثل هذا الوضع، فإن دولاً متعدّدة قد لا ترى ذلك مفيداً لها، ومنها السعودية وإسرائيل واليونان وقبرص كما الولايات المتحدة وأوروبا. وعلى رغم معارضة الكاتب لسياسات إردوغان ودعوته له إلى المصالحة اليوم قبل الغد مع سوريا، فإن المصالحة مع مصر، برأيه، ستقوّي يدَ تركيا في شرق المتوسط وفي سوريا وضدّ اليونان. ويقول دوستر إن أنقرة، ولضمان تقوية دورها، عليها أن تبتعد عن السياسات المذهبية من جهة، وأن تنال دعم القوى الكبرى في المنطقة وفي أوراسيا من جهة أخرى. من جهته، يرى الكاتب المعروف طه آقيول، في صحيفة «قرار» المعارِضة، إن تركيا، وعلى رغم أنها اتّخذت قراراً جريئاً في محاولة المصالحة مع مصر، لكنّها تأخّرت فيه كثيراً. فتركيا، التي نجحت على مدى عشر سنوات في سياسة «صفر مشاكل»، بدأت مع «الربيع العربي» بتخريب سياستها التقليدية عندما قال إردوغان إنه سيلغي الحدود المصطنعة ويهدم الجدران الزائفة بين تركيا وشعوب الشرق الأوسط. وكانت البداية مع مصر، حيث اعتبر الرئيس التركي فوز محمد مرسي بالرئاسة إنهاء لعصور من التفرقة. وأعقبها بتصريح عن سوريا في 9 أيلول/ سبتمبر 2012 بقوله «سنقرأ الفاتحة على قبر صلاح الدين ونصلّي في الجامع الأموي ونجول وندعو بحرية لإخوتنا في مقبرة بلال الحبشي وابن عربي ومجمع السليمانية ومحطة سكة حديد الحجاز».

لكن هذه الأحلام انهارت مع سقوط مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، حيث انتقد إردوغان في 25 حزيران/ يونيو 2014، حين كان رئيساً للحكومة، عبد الله غول (رئيس الجمهورية)، لأنه أبرق إلى السيسي مهنّئاً بانتخابه رئيساً، لكونه «لا تجوز تهنئة مَن جاء بانقلاب». وما كان يراه غول حينها هو ما يبدو على وشك التحقّق اليوم. وينهي الكاتب مقالته قائلاً إن تركيا تعود اليوم إلى نقطة البداية، بعدما أضاعت سبع سنوات كاملة. وإذا كان لها ألّا تعاندها الرياح والظروف، فعليها ألّا ترتدّ عن السياسة التقليدية للجمهورية التركية.

محمد نور الدين

الأخبار اللبنانية