Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ورقة علمية: السيناريوهات الإسرائيلية في مواجهة البرنامج النووي الإيراني

مقدمة:

تقوم استراتيجية “إسرائيل” في مجال التسلح النووي على ركيزتين مهمتين هما: التفرد بامتلاك السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، والعمل على تسليم العالم بهذا الاحتكار، وعليه فإنها ستعمل كل ما تستطيعه لتكريس هذا المبدأ، وهو ما اتضح تاريخياً في بدايات مشروعها النووي في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، من مطاردة العلماء المصريين وقتل بعضهم، ثم ضرب المفاعل النووي العراقي سنة 1981، والضغوط المباشرة وغير المباشرة على ليبيا، ثم ضرب المفاعل النووي السوري سنة 2007 بل وإثارة بعض الادعاءات ضدّ الجزائر في فترة سابقة.

أما الركيزة الثانية فهي انتهاج استراتيجية ما يسمى الغموض الاستراتيجي،[1] أي أنها لا تعترف بامتلاكها للسلاح النووي، ولكنها تجعل الآخرين في المجتمع الدولي يتعاملون معها على أنها دولة نووية، ودون أي التزامات منها تجاه الوكالة الدولية للطاقة النووية، ودون القبول بفكرة إخلاء المنطقة من السلاح النووي، أو الموافقة على ادماجها ضمن موضوع منع انتشار السلاح النووي.

وقد شكلت إيران بمشروعها النووي تحدياً جدياً لهذه الاستراتيجية الإسرائيلية، فـ”إسرائيل” ترى أن المشروع النووي الإيراني هو مشروع عسكري في توجهه الاستراتيجي، وعليه فإن امتلاك هذا السلاح يعني زعزعة الاستراتيجية الإسرائيلية من جذورها؛ سواء في مجال إنهاء الاحتكار النووي في الشرق الأوسط أم في مدى قابلية استراتيجية الغموض الاستراتيجي للاستمرار كاستراتيجية فعالة.

أولاً: الخيارات الإسرائيلية للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني:

يمكن تحديد الخيارات الإسرائيلية في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني في ثلاثة خيارات استراتيجية هي:

1. استراتيجية الاستنزاف لإيران:

تقوم استراتيجية الاستنزاف على التعطيل المستمر للقدرات النووية الإيرانية، وهي استراتيجية اتبعتها “إسرائيل” خلال الفترة 2000-2013 عند بدء المفاوضات مع مجموعة 5+1. وتتمثل هذه الاستراتيجية في العمل على تعطيل القدرات الإيرانية من خلال:[2]

أ. التخريب للبنية التحتية سواء بضربات مباشرة، أم بعمليات تفجير، أم من خلال الهجمات السيبرانية، كما جرى في مفاعل نطنز Natanz في أواسط سنة 2020، وفي نيسان/ أبريل 2021، أم من خلال العمل على تعطيل أجهزة كومبيوتر إيرانية ذات صلة بالبرنامج، كما حدث سنة 2010 عندما قام جهاز المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي أي CIA) والموساد Mossad بعمل مشترك في هذا المجال. لكن تصاعد الحرب السيبرانية والتوجه نحو تطوير هذا النمط من الأسلحة يجب أن يضع في الاعتبار أن تقارير مختلفة من مصادر مختلفة أكدت أن إيران تمتلك قدرات لا يستهان بها في هذا المجال، وهو ما اتضح في بعض هجماتها خلال الفترة 2012-2020، سواء على أهداف خليجية (أرامكو، شركات غربية) أم مؤسسات أمريكية (شركات، جامعات، هيئات حكومية)، وتقدر بعض التقارير هذه الهجمات بأنها تقارب ثلاثة آلاف هجوم خلال الفترة 2010-2020.[3]

كذلك فإن مثل هذه الاستراتيجية الإسرائيلية ستواجه صعوبات متزايدة، نظراً لأن الإجراءات الأمنية الإيرانية ستتزايد دقة واتساعاً مع تكرار عمليات التخريب الإسرائيلي، مما يجعل التطبيق للاستراتيجية الإسرائيلية في هذا المجال أمراً أكثر صعوبة، ويجعل نتائجها ذات طابع محدود.

ب. قتل العلماء النوويين الإيرانيين، وقد عرفت الفترة 2010-2012 نشاطاً إسرائيلياً في هذا الجانب باغتيال أربعة علماء إيرانيين، ثم اغتيال محسن فخري زاده، أحد أبرز العلماء، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.[4] لكن استمرار “إسرائيل” في هذه العمليات، قد يقود إلى أن تقوم إيران بدورها باتباع الاستراتيجية نفسها من خلال أجهزتها أو أذرعها الإقليمية ومطاردة العلماء الإسرائيليين.

ج. كشف الأسرار لتعزيز الضغوط الدولية، كما جرى حين تمكنت خلايا الموساد الإسرائيلي في سنة 2018 من سرقة وتهريب وثائق من أرشيف إيران النووي. ويتم ذلك بواسطة الأجهزة الإسرائيلية، أو بالتعاون مع بعض شرائح المعارضة الإيرانية أو المخابرات الأمريكية أو بعض الأوروبية أو مع أجهزة مخابرات إقليمية خصوصاً العربية منها.[5]

د. التركيز الإعلامي على مخاطر البرنامج على الإقليم والأمن والسلم العالمي، بهدف تعزيز عدم الثقة الدولية في إيران.

هـ. مساندة القوى المعارضة الإيرانية على أمل تغيير النظام السياسي في إيران، وهي سياسة متبعة منذ 1979. وعلى الرغم من التقارير المتضاربة حول التواصل بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وقوى المعارضة الإيرانية خصوصاً مجاهدي خلق من جهة ثانية، إلا أن تأثير هذه العلاقات، حتى في ظلّ تأكيدها، لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة خصوصاً على الاستقرار السياسي في إيران.

و. العمل المكثف للإبقاء على أكبر قدر من العقوبات الاقتصادية على إيران، على أمل أن تؤدي الضائقة الاقتصادية لدفع النظام السياسي الإيراني إما للرضوخ أو مواجهة مشكلات داخلية. لكن تاريخ العقوبات الاقتصادية بهدف تغيير الأنظمة السياسية لا يسجل نجاحاً واضحاً في هذا المجال، وهو ما توضحه التجربة التاريخية للحصار الأمريكي المنفرد على دول أخرى، إذ تدل مراجعة سياسات الحصار التي طبقتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي في المرحلة الأولى، ومنذ تلك الفترة وحتى 2018، تاريخ إلغاء الاتفاق النووي مع إيران من قبل الولايات المتحدة، على النتائج التالية:[6]

• تدل دراسة موثقة لمعهد بيترسون للاقتصاديات الدولية Peterson Institute for International Economics (PIIE) إلى أن نسبة نجاح الحصار المنفرد الذي طبقته الولايات المتحدة كان 13% فقط، أي أن نسبة استجابة الدولة المحاصَرة للشروط الأمريكية كانت متدنية بشكل كبير خلال نحو 73 عاماً.

• خسرت الولايات المتحدة خلال عمليات الحصار الفردي منذ 1970-1990 ما يقارب 17 مليار دولار سنوياً وفقدت 200 ألف فرصة عمل.

• من بين 115 حالة في الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت نسبة نجاح الحصار بشكل عام (من الولايات المتحدة وغيرها) في تقليص النمو الاقتصادي للبلد المحاصَر هو 2.4% فقط.

• فرضت الولايات المتحدة منفردة الحصار خلال الفترة 1945-1990 ما مجموعه 16 مرة، مع ملاحظة أن الفترة 1945-1970 كان عدد مرات الحصار 11 مرة، أي أن سياسات الحصار تراجعت خلال العشرين عاماً التالية إلى 5 مرات فقط، أي أن نسبتها انخفضت بأكثر من 50%.

ولعل المؤشرات السابقة تعني أن “تاريخ” ظاهرة سياسات الحصار الاقتصادي لدوافع سياسية لا يشير لمستوى نجاح عالٍ يغري على الاستمرار فيها، دون أن يعني نفي أي أثر له.

كذلك فإن استمرار سياسات الضغط على إيران، بالعقوبات، أو الضربات العسكرية التكتيكية، أو التهرب من الالتزامات الأوروبية في الاتفاق النووي، قد يدفع إيران كما فعلت في الربع الأول من سنة 2021 إلى انتهاج سياسات التخلي التدريجي عن التزاماتها في الاتفاق، خصوصاً زيادة عدد أجهزة الطرد وتطويرها، ثم الرفع التدريجي لنسب تخصيب اليورانيوم إلى حدّ 60%.[7]

وتكشف أغلب التقديرات الدولية أن مثل هذه التكتيكات الاستنزافية للبرنامج النووي لا يمكنها أن تنجز أكثر من تعطيل التطور في البرنامج الإيراني من 2-4 أعوام فقط، بل إن هذه التصرفات الإسرائيلية أصبحت أقل قابلية من بعض الدول خصوصاً بعض الدول الأوروبية وروسيا والصين، لأنها تدرك أن الهدف الإسرائيلي هو تعطيل العودة للاتفاق النووي الموقَّع سنة 2015.[8]

لكن هناك من يعتقد أن استمرار الضربات للمرافق والعلماء الإيرانيين، مضافاً لها استمرار العقوبات الاقتصادية، قد يدفع لاضطرابات داخلية تقود إلى تغيير النظام، وهو أمر لا تسنده مؤشرات كافية، لا سيّما أن معدل الاستقرار السياسي في إيران طبقاً لنماذج قياس الاستقرار “الغربية”، يشير إلى أن معدل الاستقرار السياسي في إيران تحسّن خلال الفترة 2010-2017 من –1.7 سنة 2010 إلى -0.9 سنة 2017، لكنه عاد للارتفاع بعد إعلان دونالد ترامب Donald Trump انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي سنة 2018 وبلغ تقريبا معدله نفسه سنة 2010.[9]

لكن ذلك لا ينفي وجود مؤشرات لبعض التذمر الداخلي كما جرى في سنة 2017 خلال مظاهرات شملت أكثر من ثلاثين محافظة إيرانية، أو بعض الاحتجاجات على إسقاط الحرس الثوري لطائرة أوكرانية في مطلع سنة 2020، أو تدني نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية سنة 2020. لكن هذه المظاهر تكررت سابقاً واحياناً بحدة أكبر دون أن تصل إلى حدّ تجاوز نسب الاستقرار السياسي التي أشرنا لها. ويبدو أن التفاوض الحالي مع الإدارة الأمريكية، ولو بشكل غير مباشر، وإبداء الطرف الأمريكي بعض المرونة تجاه العقوبات، يعزز من احتمالات العودة بعد ذلك إلى مستويات الاستقرار التي كانت خلال سنة 2017.

2. دفع قوى إقليمية أو دولية لتحمل عبء المواجهة مع إيران، على غرار ما جرى مع العراق وليبيا وسورية:[10]

ويبدو أن هذا الخيار هو الخيار الأفضل لـ”إسرائيل” لأنه الأقل تكلفة بشرية ومادية، كما أن هذا الخيار هو الأكثر قبولاً من الرأي العام الإسرائيلي. ففي دراسة استطلاعية لتوجهات الرأي العام الإسرائيلي في العام 2018/2019 لكيفية التعامل مع إيران، أشارت النتائج إلى ما يلي:[11]

أ. 49% من الإسرائيليين يرون حزب الله وإيران هما التهديد الأكثر خطورة لـ”إسرائيل”.

ب. 49% من الإسرائيليين يرون أن الخيار الأنسب لـ”إسرائيل” في التعامل مع المشروع النووي الإيراني، هو الهجوم العسكري بالتعاون مع الولايات المتحدة.

ج. 20% من الإسرائيليين يرون أن الخيار الأنسب هو أن تعمل الولايات المتحدة على تحسين شروط الاتفاق النووي مع إيران، وجعلها أكثر تفضيلاً للمصالح الإسرائيلية.

د. 10% من الإسرائيليين يؤيدون الهجوم الإسرائيلي على إيران دون تنسيق مع الولايات المتحدة.

ولعل العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج العربية خصوصاً فتح الأجواء الخليجية للطيران الإسرائيلي والتطبيع المتسارع مع “إسرائيل” يجعل من احتمالات هذه الاستراتيجية أكبر من المنظور الإسرائيلي على الرغم من أنها ليست أمراً متاحاً بالقدر الكافي حتى مع توفر هذه الظروف. لكن البديل لذلك هو تشكيل تحالف دولي تشارك فيه الولايات المتحدة لتدمير البرنامج النووي الإيراني، وهو ما كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند Francois Hollande قد عبَّر عنه سنة 2013 بشكل صريح في حديث له مع الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز Shimon Peres.[12]

لا شكّ أن هذا البديل هو الأقل تكلفة لـ”إسرائيل”، لكن الظروف الدولية لتشكيل تحالف دولي للقيام بحرب ضدّ إيران ليس بديلاً مقنعاً لكثير من الدول بما فيها الولايات المتحدة، ففي الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة عن التخطيط للانسحاب من أفغانستان في أيلول/ سبتمبر 2021، وتخفض من تواجدها العسكري في العراق، فإنها تواجه مشكلات كبرى مع الصين؛ تجارية وجيو-استراتيجية (في حوض الباسيفيكي)، ومع روسيا في أوكرانيا، إلى جانب المشكلات الداخلية من وباء كورونا، أو تنامي النزعة العنصرية…وغيرها من جوانب التراجع الأمريكي[13] التي تصبُّ في إضعاف نزعة التدخل الخارجي، خصوصاً في الحالات التي تكون أكثر تعقيداً كاحتمال التدخل في إيران.

3. المواجهة المباشرة الإسرائيلية مع إيران:

تنطوي هذه الفرضية من وجهة نظر بعض الخبراء الإسرائيليين أو المسؤولين في أجهزتها الأمنية على بعض الصعوبات والتداعيات التي قد تكون لها الآثار العميقة على “إسرائيل”،[14] فمثل هذه الاستراتيجية بحاجة لضمان قبول الولايات المتحدة بهذا التوجه، وهو أمر يبدو صعباً في ظلّ الإدارة الأمريكية الديموقراطية المنشغلة بأولويات ترميم التراجع الأمريكي في قطاعات عديدة، وتراجع المكانة الاستراتيجية للشرق الاوسط في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، إلى جانب أعباء جائحة كوفيد 19 أو 19-COVID.

من جانب آخر، فقد تذهب إيران إلى ردود فعل تزيد الوضع تعقيداً لـ”إسرائيل” مثل:

أ. رد الفعل الإيراني قد يقود إلى ضربات قوية للتجمعات السكانية في “إسرائيل”، فقد تجد إيران مساندة من حزب الله في لبنان، أو حتى من قوى أخرى في سورية أو اليمن (بالتأثير على الملاحة الدولية في البحر الأحمر) أو حتى في غزة. وعلى الرغم من تشكيك بعض الخبراء الإسرائيليين في قدرة إيران على تهديد المرافق النووية الإسرائيلية، إلا أن عنصر المفاجأة قد يكون أحد أبعاد المواجهة بين الطرفين، فالقدرات الإيرانية ليست مكشوفة بالمطلق.[15]

ب. ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير في الوقت الذي تعاني فيه أغلب دول العالم من الآثار الاقتصادية لجائحة كوفيد 19، فإذا علمنا أن العالم يستهلك نحو 97 مليون برميل يومياً، فإن ذلك يعني أن ارتفاع سعر البترول 10 دولار سيكلف العالم نحو مليار دولار يومياً، وهو أمر غير محتمل في ظلّ الظروف التي أشرنا لها. وفي ظلّ القدرة الإيرانية على تعطيل نقل النفط عبر مضيق هرمز في الخليج العربي فإن ذلك يشكل نقطة قوة للاستراتيجية الإيرانية في الرد على مثل هذا الهجوم الإسرائيلي المباشر، لا سيّما مع تعاظم القدرات العسكرية الإيرانية، وتَزوُّدها بمنظومات دفاع جوية روسية متقدمة.[16]

ج. إن الضربات الإسرائيلية في حرب شاملة مع “إسرائيل” قد تنطوي على مخاطرة أن هذه الاستراتيجية قد لا تنهي البرنامج النووي الإيراني، وبالتالي الفشل في تحقيق النتيجة المرجوة خصوصاً أن بعض التقارير تتحدث عن مواقع سرية أو مواقع محصنة في مناطق يصعب الوصول لها، خصوصاً المواقع النووية في أقصى الحدود الشرقية الإيرانية، إلى جانب عنصرين مهمين آخرين يزيدان من ضعف هذا الخيار الإسرائيلي:[17]

• أولهما: أن البرنامج النووي الإيراني قائم على “اللا مركزية”، أي أنه ليس على غرار البرنامج العراقي يمكن شلّه بضربة واحدة، فهو برنامج توزعت مرافقه في أماكن عديدة ومتباعدة، مما يجعل ضرب كافة مرافقه أمراً في غاية الصعوبة. فإذا أخذنا في الاعتبار مراكز الأبحاث النووية والمجمعات العسكرية ومراكز التخصيب ومناجم اليورانيوم، فإن عدد هذه المرافق “المعروفة” يصل إلى تسعة، وتقع في مدن متباعدة تمتد من بندر عباس في جنوب إيران إلى مدينة بوناب في أقصى الشمال الغربي، وبمسافة فاصلة بين المدينتين تصل إلى نحو 1,500 كم، وبين بوناب وبوشهر نحو 1,035 كم. كما أن بعض هذه المرافق مقام في أماكن جبلية، ويتم الوصول إليها من خلال أنفاق تمتد داخل هذه الجبال إلى نحو 80 متراً داخل الجبل.[18]

• وثانيهما: أن مقومات البرنامج النووي الإيراني أصبحت “وطنية” محلية، أي أنها لا تعتمد في إنتاج البنية التحتية أو في الخبراء على جهات أجنبية، مما يعني القدرة على العودة لتشغيل البرنامج ثانية حتى مع افتراض إصابته بضرر كبير.[19]

د. قد تقود هذه الاستراتيجية الإسرائيلية إلى انسحاب إيران من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، أو إنهاء إيران لكل أشكال التعاون مع وكالة الطاقة النووية الدولية، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج، وهو أمر طرح عدة مرات في البرلمان الإيراني.

هـ. إن الهجوم المباشر على بعض المرافق النووية الإيرانية قد ينطوي على مخاطر تلوث نووي محتمل قد يصيب المنطقة كلها (على غرار التسرب الذي جرى في مفاعل تشرنوبل Chernobyl Nuclear Power Plant السوفييتي في ثمانينيات القرن العشرين)، وهو أمر قد يدفع دولاً كبرى أو إقليمية للضغط على “إسرائيل” لتجنب مثل هذا التوجه.

ثانياً: النظرة المستقبلية:

يبدو أن المغامرة الإسرائيلية بهجوم منفرد على إيران تمثل الاحتمال الأضعف نظراً لأن القوى الدولية الفاعلة الأكثر معارضة لهذا التوجه لن تقبل به بما فيها الولايات المتحدة، وهذه القوى تعتقد أن الديبلوماسية والضغوط الاقتصادية مع بعض، “اللسعات العسكرية” لإيران أو لمرافقها خصوصاً من خلال الهجمات السيبرانية، التي يبدو أنها ستتزايد بين أطراف هذه المشكلة، ستعطي نتائج أفضل من الهجوم الإسرائيلي المباشر.

أما تشكيل تحالف دولي للهجوم على إيران، على غرار التحالفات الدولية التي تدخلت مباشرة في العراق وليبيا بل وإلى حدّ ما في سورية، فإن إمكانيات تشكيلها تراجعت بفعل البيئة الدولية الحالية، والتي من أبرز ملامحها هي إدراك الولايات المتحدة لصحة نظرية بول كينيدي Paul Kennedy عن أعباء التمدد الزائد Overstretch، وتداعيات الجائحة كوفيد 19 على الاقتصاديات العالمية خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب مخاوف الدول الخليجية من أن حدوث مواجهة دولية مع إيران سيجعل منها الميدان الرئيسي لساحة المعركة، بكل ما ينطوي عليه هذا الأمر من مخاطر بشرية واقتصادية وبيئية وعسكرية.

ذلك يعني أن استراتيجية “النهش المتبادل” بين “إسرائيل” وإيران قد تتواصل بكل الوسائل المتوفرة للطرفين، غير أننا نعتقد أن جبهات المواجهة ستتركز على الأبعاد التالية:

1. تنامي الهجمات السيبرانية من الطرفين على المرافق المختلفة للطرف الآخر.

2. تصاعد الضربات على الطرق التجارية البحرية لكلا طرفي الصراع.

3. ربما تميل إيران إلى مطاردة العلماء الإسرائيليين النوويين أو ممن لهم مكانة علمية مهمة في التطور العلمي الإسرائيلي في القطاع العسكري.

وقد يشكل أي اتفاق بين مجموعة 5+1 وإيران استرخاء للأزمة، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال تراجع إيران عن زيادة أجهزة الطرد وعدم رفع نسب التخصيب لليورانيوم إلى أعلى مما نص عليه الاتفاق، يقابله رفع للعقوبات الاقتصادية الأمريكية بقدر مقنع لإيران؛ وهذا هو أسوأ ما تتخيله “إسرائيل”، وسيجعل من خياراتها محدودة للغاية في هذا المجال، ولكنها ستبذل كل ما يمكنها من جهد لتعطيل الاتفاق أو عرقلته لتواصل “النهش” الذي تعتقد أنه الخيار الوحيد المتاح، والذي يمكن لها أن تحقق من خلاله أقل الخسائر لها أو أكبر المكاسب المتاحة، ذلك يعني أن الخيار المتاح أمام “إسرائيل” في ظلّ المعطيات السابقة هو العمل على أساس الاستراتيجية التالية:

1. منع الوصول لاتفاق يعيد الولايات المتحدة إلى اتفاق سنة 2015.

2. إذا فشلت في ذلك ستعمل على جعل أي اتفاق جديد يتضمن إضافات تزيد من القيود على إيران في مجال نشاط برنامجها النووي، خصوصاً القيود التي تعرقل تطور عمليات التخصيب أو توسيع نطاق التفتيش لوكالة الطاقة النووية الدولية، ليشمل أكبر قدر ممكن من منشآت البرنامج النووي الإيراني.

3. إذا فشلت في الخطوة السابقة، فإنها ستعمل على تطبيق استراتيجية حرب الظل Shadow War،ا[20] أي إبقاء الحالة مع إيران تراوح بين الحرب والسلم باستمرار النهش المتبادل بينهما وعبر أدواتهما المختلفة، وضمن قَدْرٍ من الضربات السرية والمعلنة، وفي أماكن مختلفة من منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص أو مناطق أخرى من العالم بشكل عام.

د. وليد عبد الحي

مركز زيتونة