Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في سؤال المصير و جدوى الحياة

يحيى زيدو- خاص فينكس:

حين تحدث "نيتشه" عن سقوط التراجيديا الإغريقية فإنه لم يكن يدين تلك التراجيديا بقدر ما كان يُمجِدُها باعتبارها الرحم الذي ولدت منه الفلسفة.

أولت التراجيديا الإغريقية المصير الإنساني أهمية كبرى من موقع صراع الآلهة لا من موقع الفعل الإنساني؛ فالمصائر في تلك التراجيديا تتحدد تبعاً لإرادات الآلهة المتصارعة. و ربما كان سبب سقوط تلك التراجيديا ليس فقط استنفادها للغايات التي وُجِدت لأجلها، بل لعله التطور الاقتصادي الاجتماعي الذي أفضى إلى خلق ممالك تقمَّص ملوكها و قادتها صفات الآلهة بعد انتشار الديانة المسيحية. و لم يكن لهؤلاء أن يسبغوا على أنفسهم تلك الصفات دون رضى الكنيسة التي زاوجت بين الزمني و الروحي في سلطاتها، و جعلت من أولئك الملوك بيادق بيدها لتحقيق مصالحها قبل أن ينقلب عليها أولئك الملوك ليتم الفصل بين الزمني و الروحي، فيختص الملوك بالزمني و تختص الكنيسة بالروحي، و ينشأ ذلك التواطؤ التاريخي الذي يتخادم فيه الطرفان للسيطرة على مصائر البشر. و بطبيعة الحال فإن انتشار الدين الإسلامي قد خلق قادة مسلمين لم يقلُّوا شأناً في تعظيم ذواتهم و تقمص صفات الإله في أفعالهم و أقوالهم.

الملوك، القادة، البشر الذين تقمصوا، أو سلبوا، صفات الإله بالتواطؤ مع المؤسسة الدينية، عملوا على تحديد مصائر البشر تبعاً لصراعاتهم البينية من جهة، و استناداً إلى السلطات التي يمتلكونها من جهة أخرى، ( لاحظ أن اليهود لم يكتفوا بتقمص صفات الإله بل اغتصبوها، فـ"يهوه" بقي طوال الليل يتصارع مع الرب حتى انتصر عليه وفق السرديات اليهودية).

المصير الإنساني، التراجيدي، أو قل الفجائعي، كان دائماً مسؤولية أولئك الذين خلعوا على أنفسهم صفات الإله، و كرسوا سلطاتهم لاحقاً بالاعتماد على فئات اجتماعية تم تصنيعها لهذه الغاية.

ربما كانت روايتا " السجينة" و "الغريبة" للمغربية "مليكة أوفقير" هما سبب الحديث هنا عن فكرة المصير الإنساني. حين صدرت "السجينة" لم أقرأها بسبب الدعاية الكثيفة لها، لاعتقادي-بسبب تلك الدعاية- بأنها رواية إيديولوجية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"أدب الكيد السياسي" الذي يستهدف نظاماً سياسياً ما لأسباب كيدية أو طموحات شخصية، لا لأسباب سياسية و اقتصادية- اجتماعية، أو بسبب ممارسات قمعية ضد حريات الأفراد.

لكن هذا الحكم المسبق كان خاطئاً على رواية يختلط فيها المتخيل الروائي بالواقعي التوثيقي إلى حد كبير، لأن هذه الرواية- إن صح اعتبارها رواية- تبقي سؤال المصير مشرعاً و مشروعاً.

فهناك ملك يتمتع بسلطات زمنية واقعية و روحية معنوية ذات مضمون ديني، يأخذ فتاة من حضن أمها ليتبناها كي تقوم بالترويح عن ابنته الأميرة الصغيرة، و في لحظة فارقة في عمل الأب يتغير مصير تلك الفتاة و عائلتها، لتنتقل  من العيش في أرقى حالات الرفاهية و الترف إلى أسوأ درجات الشقاء و الإهانة في سجن صحراوي، قبل أن تتمكن من الهرب مع أخوتها بعملية نوعية، إذا صح ما ورد في تلك الرواية.

ملكٌ يعيش ما يتجاوز حدود الخيال من الرفاهية و الترف؛ نساء و جوارٍ و جنس مقدس، و ثروة طائلة يبددها على قصوره المتعددة فيما يعيش الناس في أدنى درجات الإدقاع باستثناء فئات ارتبطت مصالحها بخدمة العرش، و سلطة مطلقة تمنع أي شخص من التجرؤ حتى على تقديم النصيحة. لعل هذا هو حال معظم حكام الشرق، و حال كل الديكتاتوريات في العالم.

جرّةُ من قلم الحاكم أو توقيع صغير منه يغير مصير إنسان؛ فقد يكون ذلك التوقيع هو البوابة التي يرتقي بها شخصٌ سلّم السلطة و المسؤولية التي تؤدي به إلى واجهة الهيئة الاجتماعية، و قد تكون جرَّة القلم تلك إيذاناً بانتهاء حياة إنسان. لكن الحاكم نفسه قد يعاني "المصير التراجيدي" ذاته الذي يعانيه البشر العاديون، و لعل "هتلر و موسوليني و ميلوسيفيتش و صدام حسين و معمر القذافي و زين العابدين بن علي و حسني مبارك" و غيرهم نماذج صارخة على المصائر التراجيدية؛ فقد أتى معظم هؤلاء من أسفل القاع الإجتماعي و تسلقوا سلم السلطة و المجد و الشهرة، و عرفوا كل الملذات التي تخطر و لا تخطر على بال، لكنهم في لحظة فارقة انتهوا منتحرين أو على حبل المشنقة أو قتلى أو سجناء، كأنهم يترجمون التراجيديا الإغريقية، مع فارق أن الآلهة لم تعد هي التي تتصارع و تحدد المصائر بل أصبح البشر أنفسهم هم الذين يتصارعون مع الآلهة و يقتلونها، أو بتعبير أدق يقتلون أولئك الذين حازوا صفات الإله بالسطوة و العنف المقدس و غير المقدس.

أولئك الذين كانوا يصنعون مصائر البشر صاروا أنفسهم ذوي مصائر تراجيدية أكثر مأساوية. و هنا يغدو سؤال المصير الإنساني مشرعاً و مشروعاً بالصيغة الإنكارية: ما جدوى الحياة؟

لماذا يجب أن يتخلَّق المصير الإنساني في قلب الصراعات؟ لماذا لا يتخلق في قلب الحب؟ أم أن الحب هو شكل من أشكال الصراع الذي يحيل إلى مصير تراجيدي آخر؟

ربما كانت قوانين الحياة القائمة على الصراع من أجل البقاء لم تترك مكاناً للحب، و ربما لهذا السبب يتم تمجيد الحب كقيمة انسانية كلما اشتد الصراع و ارتفعت عتبة الألم.

تمجيد الحب ربما يعكس، في جانب منه، قسوة الألم الذي يعانيه الإنسان و هو يتقلب في مصائره ينشد الخلاص في شروط اقتصادية- اجتماعية و سياسية أنتجت سلطات بصفات إلهية. كما أن تمجيد الحب يعكس، من جهة أخرى، رغبة إنسانية في تحدي الألم المتأتي من تلك السلطات التي تقمصت صفات الألوهة.

لكن السؤال عن جدوى الحياة ربما هو ما يدفع الإنسان للبحث عن الحب و معاناة الألم المتأتي من الحب و الحياة في آن.