Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سيمون دي بوفوار.. روائية في عالم مابعد الحقيقة

لن تنسى ذاكرتي الباريسية أبداً ذلك المشهد الدراماتيكي صيف عام 2008 عندما احتفلت مجلة النوفيل أوبزرفاتور – المعروفة برصانتها الثقافية – بالذكرى المئوية لميلاد الكاتبة / الفيلسوفة سيمون دي بوفوار التي كانت واحدة من كُتّاب المجلة. كان الإحتفال صادماً بكلّ المعايير؛ إذ وضعت المجلة صورة خادشة لسيمون دي بوفوار على غلافها، ثمّ أرفقت العدد بتحقيق موسّع عن بوفوار إختارت له عنوان ( سيمون دي بوفوار الفضائحية )!، ولازلتُ أذكر كيف قامت مظاهرات نسوية مندّدة بالمجلّة أمام مبناها الشهير في قلب باريس، وطالبت رئيس تحرير المجلة بسحب هذا التحقيق ومنعه من التداول أو نشر صورة رئيس تحرير المجلة على غلافها وهو في الوضعية ذاتها التي نُشرت بها صورة دي بوفوار.

في مقابل هذا المشهد الفضائحي الشعبوي تكفّلت جامعة باريس السابعة بعقد حلقات دراسية أشرفت عليها المختصّة بالألسنيات والثقافة النسوية جوليا كريستيفا وآخرون لإحياء الذكرى المئوية للمفكرة والكاتبة والروائية دي بوفوار، وخُصّصت منابر عدة في معهد رولان بارت وجامعات فرنسية أخرى لدراسة أعمالها ومناقشة طروحاتها الفلسفية تحت سؤال مشكّك : هل كانت دي بوفوار فيلسوفة؟
غير أنّ بلدية باريس كانت أشدّ وفاءً من الجميع لصاحبة كتاب (الجنس الآخر)؛ فأطلقت اسمها على جسر للمشاة في باريس، وأعيد طبع عدد من كتبها وظهرت عشرات الكتب عنها وعن حياتها الإشكالية مابين دراسات وروايات وحوارات، وتصدّرت صورها المحتشمة عدداً كبيراً من الأغلفة بعكس صورتها على النوفيل أوبزرفاتور.
تداعت هذه الصور في ذاكرتي وأنا أقرأ مراجعات عديدة منشورة في النيويورك تايمز والغارديان والنيويوركر للرواية الجديدة للكاتبة دي بوفوار، الرواية التي كتبتها عام 1954 واختارت لها عنوان القرين Inseparable ثمّ وضعتها في أدراج النسيان. القصة الكلاسيكية معروفة وتتكرر على الدوام: تعثر ابنتها المتبنّاة على مسوّدات هذه الرواية فتقرّر نشرها، وتتصلُ بكبريات دور النشر التي لن تتأخر في استثمار هذه الفرصة والتمهيد لها بمقدمات كتبها روائيات ذوات شهرة عالمية طاغية (على شاكلة مارغريت آتوود و ديبورا ليفي).
شاعت في حقبة الحرب الباردة ظاهرة تصنيع النجم الثقافي، وكانت هذه الظاهرة واحدة من متطلبات الصراع الآيديولوجي في جانبه الثقافي. هذا لايعني أنّ كلّ الأسماء الثقافية التي شاعت في تلك الحقبة هي أسماء ملفّقة أو لاتنطوي على ثراء ثقافي؛ لكن يحصل أحياناً وفي مفاصل زمنية محدّدة أن تعاضد القدرة الثقافية المميزة نمطاً من التوجّه الآيديولوجي السائد، وحينها يحصل نوع من (التخادم) بين المثقف – المفكّر والتيار الآيديولوجي، وأحسبُ أنّ هذا هو ماحصل مع جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار مع التيارات اليسارية السائدة آنذاك؛ لذا عندما تهاوت الجدران الآيديولوجية وانتفت الحاجة لها مع مطلع تسعينيات القرن العشرين حصل تحطيم متزامن لصورة المثقف الأيقوني.
أنا – على المستوى الشخصي – أكنُّ تقديراً عميقاً ومحبة لاحدود لها لسيمون دي بوفوار؛ إذ كم قضيتُ أوقاتاً رائعة في قراءة أعمالها غير الروائية. هل ثمّة منّا من يستطيع تناسي أعمالها المبهرة: ثلاثية سيرتها الشخصية، أو كتابها المذهل ( قوة الأشياء )، أو العمل الرائع (الجنس الآخر) الذي حقّق انتشاراً عالمياً يستحقّه بكلّ المعايير؟ لكنّ دي بوفوار ليست كاتبة روائية مميزة. لعلّ أحد الأسباب وراء هذا الأمر هو عقلها التحليلي / الفلسفي الذي إستفاد من تجربة معايشة سارتر وسعى لمنافسته، وهنا مكمن الخطر الأكبر: مَنْ يمتلك عقلاً ينزع نحو الرؤية الفلسفية المفرطة للأشياء قد لايكون مؤهلاً للتعامل الروائي مع العالم. هل هذه مقايس ؟ ربما، وقد تصحّ حتى مع سارتر ذاته.
بالعودة إلى رواية دي بوفوار الجديدة المشار إليها أعلاه فهي استمرارية لمذكراتها عن طفولتها المدرسية عندما تلتقي بصديقتها التي تسميها (آندرييه) في المدرسة وتشعر إزاءها بشغف عجيب مَلَكَ فؤادها. كانت آندرييه ضئيلة البنية الجسدية بالمقارنة مع عمرها؛ لكنها إعتادت المشي بثبات وثقة كما البالغين. عندما رأتها سيلفي (وهو اسم إختارته بوفوار لنفسها في هذه الرواية) لأوّل مرة تشعر على الفور أنّ هذه الفتاة الضئيلة عبقريةٌ تستحقُّ أن تُصنّف كتب كثيرة لأجلها في المستقبل.
تصبح الفتاتان قريبتين من بعضهما كما التوأم (ومن هنا جاء عنوان الرواية) ، وسرعان ماتتحدثان ساعات طوالاً عن موضوعات كثيرة ومتنوّعة: المساواة، العدالة، الحرب، الدين....  ثمّ لاتلبث الفتاتان تفقدان الاحترام الواجب آنذاك تجاه المعلّمات في المدرسة الكاثوليكية التي انضوتا فيها، وراحتا على مهل تنسجان عالماً تخييلياً هو صناعتهما الخاصة المشتركة؛ لكن بالطبع لم يكن في مقدورهما المضي في هذا العالم إلى أمد لانهائي.
تكتب بوفوار في مذكراتها المعروفة (قوة الأشياء) أنها عندما عرضت روايتها (القرين) على سارتر "حكّ سارتر أنفه"، ثم أردف قائلاً: ليس بمستطاعي مجاراتك في قبول هذه الرواية. أرى أن ليس من ضرورة لها، وبدت لي أنها تفشلُ في الإمساك باهتمام القارئ.
المسألة واضحة إذن؛ لاتقبل دي بوفوار نشر هذه الرواية في حياتها (بسبب طبيعتها الموغلة في الشخصانية والحميمية)، ثمّ تأتي إبنتها المتبنّاة فتجد في مسوّدات أمها التي تبنتها فرصة للحصول على مغنم مالي لم تشأ أمها الحصول عليه. هل يمكن قبول هذا الأمر من ناحية الأعراف الأخلاقية والقانونية السائدة؟
قرأتُ نحواً من عشرين صفحة من هذه الرواية فما وجدتُ فرقاً يذكرُ عن طبيعة كتابة بوفوار في مذكراتها المسهبة التي ماتركت فيها شيئاً إلا وقالته. الرواية سلسلة متصلة من عبارات استرجاعية منسابة من ذاكرة طفولية. ماالجديد بعد كلّ هذا؟
كتبتُ قبل سنتين تقريباً بشأن كتابٍ نشره أولاد (ستيفن هوكنغ) بعد وفاته، وهو لايعدو أن يكون تجميعاً لمقالات منتخبة لوالدهم ضمتها دفتا كتاب أضاف له بعض الكُتّاب بعضاً من التوابل لكي يكون مستساغاً طيباً وبطريقة إحتفائية مبهرجة. هل كان هوكنغ في حاجة لهذا الإحتفاء الاستعراضي؟ أم أنّ الكتاب كان الفرصة الأخيرة لوارثي هوكنغ لاهتبال مايمكن جمعه من مال؟
يبدو لي أنّ ماحصل مع هوكنغ هو ذاته الذي حصل مع دي بوفوار. رأت الإبنة المتبناة مع دور النشر أنّ هذه هي فرصة مناسبة للجميع في الحصول على نصيب من إرث بوفوار حتى لو جاء الأمر بصيغة مخالفة لرغبة بوفوار، وليس الأمر معضلة كبيرة: تنويهات لاتنفك تبشّرُ بقرب نشر رواية غير منشورة لبوفوار، مع مقدمات إحتفائية مسهبة ومطوّلة. كم كانت خيبتي كبيرة مع تقديم (مارغريت آتوود) للنسخة المترجمة للإنكليزية من هذه الرواية.
هل خلا عالمنا من موضوعات إشكالية حاسمة شديدة الأهمية والخطورة في تشكيل طبيعة نوعنا البشري، ومآلات وجوده في العقود القادمة حتى ننشغل برواية بسيطة لاأحسبها ستضيف شيئاً لإرث بوفوار؟ لكن يبدو أنّ هذه المشهدية هي جزء متأصل في عالم مابعد الحقيقة الذي يٌعلي مثابات ويخفض أخرى بحسب مرجعيات لاتأصيل ثقافياً مسوغاً لها.
أحبّ – بقدر مايختصُّ بي الأمر – الحفاظ على صورة سيمون دي بوفوار في كتاباتها الفلسفية التحليلية المبثوثة في كتبها التي قرأتها بشغف عظيم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولستُ في حاجة لقراءة أعمال لم تشأ نشرها وهي بعدُ حية، ورأت فيها وريثتها ودور النشر فرصة مجانية للتكسّب على حساب التراث الفكري الثري لصاحبة العمل.
نحنُ في عالم مابعد الحقيقة، والكتب المنشورة كثيرة، ويبقى لزاماً علينا أن نعرف كيف نقرأ بعقل نقدي واعٍ لايغيب أو يتصاغرُ أمام سطوة الأسماء الكبيرة التي صارت ضحايا مجانية لآخرين.
لطيفة الدليمي
المدى