Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بنت القمر رواية تتخطى الواقع الموروث... في سبيل الوصول إلى مجتع أرقى وحياة أنقى وأجمل 

رانية قادوس - خاص فينكس:

على غلاف روايتها الخلفي "بنت القمر"  الصادرة عن دار المرساة للنشر والطباعة والتوزيع في اللاذقية؛ عام 2021. كتبت عفراء علي مخلوف عن بطلة عملها الروائي «عليا»: تمتلك عليا روح محارب روضت شياطين ذاتها، فتخطت أوجاعها مبتعدة عن ذاك الماضي بثقبه الأسود الذي كاد يبتلعها، متمسكة بالحب والاهتمام المحاطة به ماحقق نجاحها رغم زلازل الأقدار وتتالي الفقد.

ثم عمدت الكاتبة إلى إهداء روايتها لكل أنثى نضجت على نار الحب، وأوجاع الفقد، حتى نبتت أجنحة أحلامها، وحلقت بذاتها.

 وليس هذا فقط بل ضمنت مقدمة روايتها وصف لبنات القمر كما تراهن الكاتبة، قويات على الظروف نقيات، أرواحهن من نار وقلوبهن تشع باحتراقها نوراً ليضيء من حولهن لهن ولأحبابهن درب المستقبل، في إشارة منها إلى أسطورة القمر (الإلهة إنانا) وفقدها لحبيبها، وبحثها عنه في كل شهر بالعالم السفلي حيث تفقد عند كل حارس من حراسه الخمسة شيئا تملكه بدءاً من تاجها إلى فستانها إلى حذائها..إلخ، وهكذا ينقص القمر خلال أيام الشهر، ثم تختفي الإلهة إنانا عند إله الضباب وقد غدت عارية، باحثة عن حبيبها في العالم السفلي فيختفي القمر في السماء وحين لاتجده تترك العالم السفلي وتعود أدراجها، مستعيدة بذلك مافقدته عند الحراس حتى تكتمل أنوثتها ويكتمل بذلك القمر في دورته التي تشبه حركة الطبيعة وجسد الأنثى في دورتها الشهرية، لتعاود كل شهر تجديد قواها وتستعيد زينتها عند خروجها من العالم المظلم، تقاوم أوجاع الفقد بشجاعة، وتضيء الكون بإبتسامة وجد، وترمم بالعطاء روحها، فتنشر الفرح والجمال.

 إنها دورة عطاء الأنثى وتجدد الحياة في روحها وجسدها رغم الفقد والألم، هذا ما آمنت به بطلة الرواية عليا، وهي إمرأة قوية ومحاربة شرسة، تحدت مرضها بعد إصابتها بسرطان الثدي وفقدها لأجمل مايمثلها كأنثى (ثديها)، عاشت قصة حب عميقة مع نزار لكنها لم تتزوجه لطيشه ومغامراته الكثيرة مع آخريات، ترتبط بفادي الذي أحبها واهتم بها فأنجبت منه طفلين، لتتابع أحداث الرواية ويبقى نزار يشكل فراغاً أسود في ذاكرة عليا، مما يدفع بزوجها فادي متحديا العادات والتقاليد لإحضار نزار حبيب زوجته، ليتحدثا بأسباب فراقهما وتطوى صفحتهما دون ندم متصالحة مع نفسها وماضيها، لتمضي أحداث الرواية في صراعات عدة حول الموروث والتقاليد الباليه، والحرب وما خلفته من أزمات لتترك الكاتبة نهايات روايتها مفتوحة أمام القارئ كما يحب ويشاء.

تقول الكاتبة عفراء عن بطلة روايتها عليا: كانت بطلة الرواية حين تفقد شيئا من نفسها وذاتها تعمل على إملاء جانب آخر فيها، فحين فقدت ثديها بسبب مرضها أعطت أولادها وزوجها أقصى ماعندها من حب واهتمام، وحين فقدت حبيبها اهتمت بأمه فكل حالة فقد عندها كانت تكملها وتعطي من ذاتها، إنه دور الأنثى التي تعطي وهي بأصعب حالات الألم والفقد إنها الحقيقة الأولى على الأرض والوحيدة للحياة، فالأنثى هي الأصل لأنها معطاءة ورمز الجمال والفرح والحب والعطاء بأسمى أشكاله.

 تتابع الكاتبة عفراء عن تورطها الجميل في الكتابة: "بدأت الكتابة بعفوية مطلقة وبمنتهى الصدق والشفافية، خلقت أبطال روايتي ببساطة تجاربي المستمدة من الحياة، تشربت بهم وتماهيت في تفاصيهم وتكوينهم النفسي، حتى كدت أتشبه بهم ويتشبهون بي شخصية عفراء مثلا سيطرت علي، فاعتقدت بنفسي أنني هي لدرجة تجسدت فيها وجعلت لديها ولدين مثلي ووصفتها بملامحي مع أنها لم تكن تشبهني في تفاصيل حياتها الأخرى فهي مريضة وأكثر أنانية مني".  

كانت الكاتبة عفراء تساعد نفسها حين تكتب فهي التي تعشق العزلة والكتاب وتتخذهما صديقيها المحببين، ورفيقي أفكارها وروحها الهائمة في فضاءات الخيال التي يأخذها لأماكن مسحورة بالحب والفرح والنور، هي بنت الكلمة حين تمتلئ بالحزن والضيق تلجأ لقلمها فتفيض بمشاعرها على الورق تقول في ذلك موضحة قرارها بإمتهان الكتابة:

وجدت نفسي أمتلك أدوات الكتابة والحس الروائي المرافق للخيال الخصب، والرأس الذي يعج بالأفكار وأنماط الشخصيات، وبدأت بجدية أخطها على الورق وأنفخ فيها من روحي فتجسدت أمامي كائنات من حبر وورق، وبدأت أبوح للغرباء اللذين سيقرأون سطوري بمختلف أمزجتهم وعقولهم، وقد يكونون من مختلف الثقافات والأصناف البشرية والإجتماعية والفكرية، فالكلمات في النهاية هي مشاعرنا الفائتة يبرد القلب وترتاح الروح متى هبطت منا وسقطت على الورق.

الكاتبة الأستاذة رجاء شاهين قالت في نقدها للرواية: « الكاتبة عفراء اقتحمت طريق الإبداع من إيمانها بثقافتها وتجاربها المستمدة من الحياة الشخصية ومن حياة الآخرين، بإصغائها لهم بحرية محاولة عيش تجاربهم لخلق الفضاء الروائي، ونقله عبر اللغة الروائية لتبدو كأنها تجربتها الخاصة، وفي بنت القمر استوفت الرواية عناصرها لكننا نرى هيمنة صوت الكاتبة على شخصيات روايتها، وليتها تركت للدلالة الروائية.

أن تعبر عن نفسها وليس من خلال الأفكار والتدخل في شؤون الشخصيات، حتى لا تبدو مهمشة وحتى لاتعاني الكاتبة من تضخم الأنا وتنزيهها عن أي خطأ، ومع ذلك استطاعت أن ترسم شخصيات الرواية بعناية، بالرغم من الظروف المحيطة والقاسية التي تحيط بهم، وشكلت معهم حلما كانت تطمح إليه روائيا».

تقول الكاتبة عن ذلك: دائما العمل الروائي الأول يحمل جزءا كبيرا من نفس الكاتب من أفكاره وتجاربه وطريقة تفكيره وأسلوبه في الحياة من كل النواحي، أردت أن أقول في روايتي أنه علينا أن نتمرد على الموروث البالي، وعلى الواقع البائس والمر المرسخ لدينا من قبل الآباء والأجداد، علينا أن نمزق شرنقة الماضي والعرف الموروث بكل مافيه بحلوه ومره، وأن نصنع لنا حياة جديدة نحن خلقنا لها وعلينا عيشها كما نشتهي ونحب ونريد، طالبت بالعلمانية ممارسة حقيقة وليس كلام فقط ، وأردت لشبابنا أن يدافع عن حقه بالحرية والسفر وبالزواج المدني، فكم من قصص حب ماتت لإختلاف الطرفين دينيا.

يؤخذ على شخصيات رواية بنت القمر أنها كلها شخصيات إيجابية، فلا نرى ولا شخصية سلبية في الرواية كما إنها مثقفة ثقافة تنويرية حقيقية، تحمل النضج والوعي والعمق ولا تسلم بالواقع إنما تحتكم للعقل.

في ردها على ذلك أجابت الكاتبة موضحة:

بطبيعة حياتي لا يوجد فيها أشخاص سلبيين وحين أجدهم أبتعد عنهم وأستطيع تمييزهم بدقة، واخترت الشخصيات الإيجابية لأبطالي لأن هؤلاء من أحب أن يكونوا محيطي، شخصيات عميقة بروحها وفكرها مثقفة وناجحة هذا ما استقيته من نفسي، حتى شخصية نبال التي قد اعتبرها بعض الشيء شخصية سلبية، أنا بررت تصرفها بأنها كانت تبحث عن الشخص الذي يكملها، فقاتلت من أجله لأنه حبيبها رغم أنها خسرته في النهاية، كما أردت أن أرسل رسالة للجميع مفادها «المحبة أساس أي حياة نحياها» بها نزيل العقبات ونآلف الصعاب ونتعايش معها حين يتجسد ذلك بالحب والاهتمام .

حول أماكن الرواية ومدى تشرب الكاتبة ىببئتها والسمات المكانية الموجودة فيها، وكيف صبغت تفاصيل الرواية وشخصياتها حدثتنا الكاتبة موضحة بقولها:

المكان هو أسوارة الزمان ونحن نقيد الزمان دائما بمكان ما، أنا لم أبحث عن أماكن لشخصيات روايتي بل هي فرضت نفسها بوجودها العفوي والبسيط في تفاصيل ذاكرتي وحياتي، كانت أماكني موجودة لوحدها وهي التي خلقت وفرضت باقي الحكاية، فالمكان في النهاية هو الذي يحقق ذاتنا وأنا لا أملك جواز سفر وسوريا لدي أكبر من كل الدنيا وحبي لها شديد وقوي.

حول قراءاتها المفضلة أجابت الكاتبة أنها تحب القراءة كثيرا فهي تشبعها روحيا ووحدها قادرة على إبعاث السكينة والهدوء في نفسها، وغالبا ماتبدو غير قادرة على استجماع نفسها من توتر ما أو قلق يسكنها إلا بالقراءة، فهي تراها أسفارا مذهلة تأخذها لمطارح بعيدة وغريبة، وأكثر ماتقرأ في أدب أمريكا الجنوبية، وترى أنه يشبهها كروايات باولو كويلو إيزابيل الليندي كارل زافون وكذلك داون براون بمعلوماته الفريدة، كما يدهشها الأدب الإفريقي ولم تحضرها أسماء معينة، لكنها أشارت مؤكدة إلى كمية التحولات الواقعية المدهشة بتقلباتها الذي يحويه هذا الأدب، مبينة أن الدول التي تمتلك ثروات جيدة وتم تفقيرها عمدا، وقع عليها ظلم هائل أثر في شعوبها وخلق فيها شتات طائفي واجتماعي مرعب تاركا رواسب كبيرة ومخيفة في أسلوب الحياة.