Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الهوية العرقيّة، أم الهويّة الروحيّة؟ (1)

هل يسكن الخلاص في تغيير ما بالواقع، أم أنه يقيم في حرم تغيير ما بالنفس؟ ما الذي يدعونا لأن نستبسل في تغيير ما بواقعنا، لنوهم أنفسنا، بأن تغيير ما بواقعنا، كفيلٌ بتغيير ما بأنفسنا، وننسى أن هذا الواقع، الذي ننكر حضورنا فيه، أو نستنكر حضوره فينا، ليس سوى انعكاس باهت للواقع الذي يسكننا؟

الواقع أن البلاء الذي نحاول أن نتحرّر منه، بمحاولاتنا اليائسة في التخلص من الواقع الذي نسكنه، إنّما يكمن في الواقع الأبعد منالاً، أي في الواقع الذي يسكننا.

والدليل؟

الدليل تهديه لنا الحكمة المقدّسة بالمجّان عندما تحثّنا على تغيير ما بأنفسنا، إذا شئنا أن نغيّر ما بواقعنا (إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ـ الآية)

وهو عملٌ بطولي يستدعي خوض تجربة فدائية كي يتحقّق، لأن غايته ليست عملاً سياسياً، كما نتوهّم، ولكنّه مغامرة وجوديّة.

فلماذا نهفو للتنصّل من الذخيرة التي تسكننا؟ لماذا نرفض أن نتصالح مع أنفسنا، أو نجد لغة مشتركة مع طبيعتنا، أو الاعتراف بفطرة هي فينا جبلّة بحكم الولادة؟

هل إنكارنا لما يسكننا هاجسٌ يترجم احتجاجاً مكبوتاً على طبيعتنا الإنسانية، المجبولة ببصمة الخطيئة الأولى، أم نتيجة عبء آثامٍ أخرى ورثناها في جيناتنا العرقيّة؟ ألن يكون توقنا الخالد إلى محو واقعنا من خارطة الوجود، واستبداله بواقع آخر، مشفوع بالمثال، هو جنس من حلم غيبيّ باسترداد ذلك الطُّهْر الروحيّ، الذي لا يتحقق بدون استحضار فردوسنا المفقود؟

هذا يعني أن الغنيمة تبقى رهينة معراجٍ هو أقرب لنا من حبل الوريد، لأنه في متناولنا، مادمنا نعترف لأنفسنا بأنه يسكننا، كما الحال مع الطّهر الروحيّ، ولكنه يبقى، في واقعنا، عنقاء محال، مادمنا نعترف لأنفسنا بأنه يعجزنا، بدليل ضآلة الملّة، التي استطاعت أن تتفوّق على نفسها، وتقهر طبيعتها، لتحقّق معجزة تغيير ما بنفسها، إذا ما قورنت بحشود السواد الأعظم، التي تنتظر أن يأتيها الخلاص من خارج النفس، هبةً مجّانيةً على طبق من ذهب!

هذا الجنس من العجز كثيراً ما يتحوّل، في نشاط بعض النّحل، إلى ضربٍ من مرض، أطلق عليه علم النفس اصطلاحاً «عقدة النّقص»، حيث لا يكتفي المريض، في حمّى التنصّل من الإحساس بوزر الخطيئة الأولى، بالاعتراف بهزيمته في النزال مع الهوية الروحيّة، التي خذلها بجبنه، ولكن الخواء المرير الناجم عن هذا الاغتراب الفاجع، هو ما يدفعه لأن يتنصّل من هويته العرقية أيضاً، يقيناً منه بمسئوليتها عن كل خيبات تجربته الدنيوية.

في هذا المنعطف يستعير المريض، بهذا الداء، هوية النموذج، النموذج المسخ، المنذور لأن يلعب دوراً ورميّاً، في تجربة مهزلتنا البشرية، كأنّ التضحية بالهوية العرقيّة هي الحُجّة للاغتسال من آثام المعصيّة الأولى، والبرهان على استعادة البراءة الأولى، الملقّبة في معجمنا الأرضيّ بالفردوس الضائع.

ولكن هيهات!

فإنكار الانتماء إلى هويّة عرقيّة مّا، ومحاولة انتحال هويّة أغرابٍ، طمعاً في التخلّص من أوزار الغيوب، أو توقاً لاكتساب أمجاد الهويّة المستعارة، هو تجديفٌ صريحٌ ليس فقط في حقّ الطبيعة، التي جلّلتنا بهذه الطينة دون أية طينة أخرى، ولكنه تجديفٌ صارخ في حقّ المعبود، الذي اصطفى لنا هذه الطينة، دون أية طينة أخرى، وليس لنا إلّا أن نعتنقها كقدس أقداس، ونسعى لأن نكون أهلاً لعطيّة هي وديعة في رقبتنا، وليس لنا إلّا أن نحملها وساماً سامياً، ونفعل المستحيل كي نكون جديرين بالانتماء إلى معدنها، بما في ذلك التضحية بالحياة في سبيل بقائها، لأن حكمة أمّنا الطبيعة هي التي قضت بأن تكون هي من يرثنا، لا نحن من يرثها؛ دون أن يعني هذا، بالمقابل، أن نتعصّب لها، على حساب الأعراق الأخرى، فنستنزل في حقها خصالاً منزّهةً عن خصال بقيّة الأنام، لنعتمدها ذريعة نحاجج بها الأمم، كي نعطي لنفسنا الحقّ في أن تكون، في يقيننا، الأحقّ بأن نستبعد بها الأمم، كما حدث منذ الأزل، وكما سيحدث إلى الأبد، سيّما في الأحوال التي شاءت لها الأقدار أن تكون في الواقع الحرفيّ أغلبيّةً، تستضيف في ربوعها أقليّة.

هذه العقليّة التغريبيّة حَقّ لها أن تنال في أدبيّات اليوم مصطلحاً حداثياً هو: الاستلاب! وهو ظاهرة هيمنت على واقع أمم كثيرة، لتلعب دور البطولة في قطع شرايين أعراق كثيرة، لتهدّد زوال ثقافات أمم سخيّة حملت أجنّتها هذه الأقوام الفانية، لأن المفاجأة أن احتقار الهوية، في بُعْدها العرقيّ، يؤدّي في الغالب إلى نفي ثقافة هذا الانتماء العرقيّ. ذلك أن الأعراق لم تكن يوماً مجرد وثيقة للبرهنة على النّسب الساري في نزيف الدمّ، ولكنها مستودعٌ عميق لثروة ثقافية تكوّنت عبر تجارب سخيّة أنتجها نشاط إنسان تلك الهوية على مرّ الدهور. وهي، لهذا السبب، ثروة لا تلبث أن تكتسب أهمّيتها في بُعدٍ روحيّ، لتنال بهذا شرف الانتماء إلى منزلة أعظم شأناً وهي: الهويّة الإنسانية!

وهو ما يغيب عن النموذج الاستلابي في حمّى حملاته ضدّ هويّته الأصليّة، العرقية، ليتبنّى، في مسيرة نشاطه التجريبي، هوية الآخر، هو الغالب، الذي غلبه يوماً على أمره، ليغرّبه بهذه الغلبة عن حقيقته، ليغرّبه عن تاريخه، يغرّبه عن ماضيه، يغرّبه عن وصايا أسلافه، يغرّبه عن رصيد هذه الوصايا، الذي لن يغدو أن يكون تغريباً عن علّة وجوده، كما هو الاغتراب عن روحه!

فأيّ نفع يمكن أن تجنيه هويّة الأغراب من اعتناق هويّتها في إقبال ضيف ثقيل، مثقل بحمولة خواء يسري في الوجدان الذي خلا من أنفس ما في الوجود وهو: الروح؟

الهويّة المعتزّة بنفسها، المكتفية بأدبيّات أبجديّتها، لن يشرّفها بالطبع حضور مثل هذه الأشباح في واقعها، لسببٍ بسيط وهو أنهم حواة! وهو أنهم أدعياء! وهو أنهم طفيليّون! ولن يعترفوا لهم بوجودٍ في أرباعهم مهما تغنّوا بآيات الولاء العرقيّ، الذي سيستعيد صيغة «الولاء القوميّ» منذ الآن لكي يكسبوه حجماً أكبر من مجرد انتماء عرقيّ، لكي ينالوا في رحابه حظوةً، لكي ينتزعوا، بالغلوّ، لأنفسهم فيه مكانةً، لكي ينالوا بفضل شطحات التشنّج اعترافاً، ليبرهنوا، بكل هذه المراسم السمجة، والمغامرات الطائشة، على مبرّر لاستخراج ترخيص للبرهنة على شهادة تحرّرهم من واقع انتمائهم الأصيل، لينالوا بموجبه هويّة مخلوق لا يستحي أن يتباهى بهويّة الدخيل!

والسبب دوماً في جهل هذا النموذج بحقيقة الهويّات، التي لا تقاس، مثلها مثل الأوطان، بالعراقة، أو بالأصالة، أو بالعظمة، أو بالسطوة، أو بالجاه، أو بالثراء، أو بالصيت، ولكن المقياس فيها يبقى في مدى اعتدادها بنفسها، في مدى اعتمادها على نفسها، في مدى اكتفائها بنفسها، في مدى وفائها لقيمها، في مدى التزامها بناموسها، في مدى إيمانها بأربابها، في مدى التصالح مع واقعها، ومع المحيط الطبيعي الذي تسكنه، كما يسكنها. والفرد الذي أعجزه أن يتحلّى بهذه الخصال، أو رفض الاعتراف بوجود هذه المبادئ في واقع انتمائه العرقيّ، ليرفض، بهذه العقليّة، وجود قيم أخلاقيّة، أو ثروات ثقافية، في ذاكرة أمّته، وحده النموذج المفلس، الذي فقد، بهذه الجهالة، غنيمةً أنفس، تسكن بُعداً أبعد، هي: الشفرة الروحيّة. ولهذا السبب يغدو النموذج الاستلابي مريداً طريداً. طريد بالفطرة قبل أن يكون طريداً بالقوّة؛ لأن الوعي بالانتماء مجازفة معرفيّة، ولم يكن يوماً هبةً مجانيّةً. الوعي بالانتماء خروجٌ شجاع في طلب فردوسٍ مفقود، بل في النيّة لاسترداد الفردوس المفقود، وهي، لهذا، أعظم شأناً بما لا يقاس من الخروج في غزوةٍ لاغتنام حطام دنيا، لأنها خروجٌ لاغتنام كنز أسطوري، أبت الأقدار إلّا أن تخفيه في مستودعٍ عصيّ اختارت له اسما غامضاً هو: الوطن!

ابراهيم الكوني

سكاي نيوز