Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كتابُ "ممدوح عدوان الفارس الخاسر".. هل يمكنُ الإفلاتُ من جاذبية الهاوية؟

جواد ديوب- خاص فينكس:

ما تكتبه الإعلامية "نهلة كامل" عن الراحل ممدوح عدوان (في كتابها الصادر عن دار التكوين 2021) ليس رثائيةً متأخرة، بل هو نوع من كتابة الصديق عن صديقه، صياغةٌ لأجوبةٍ فيها من حميمية القرب ومعرفة المُحبّ، وامتنان الطالب المتأثر بأستاذه المفعم بالحياة حتى آخر رشفة!فتح الصورة

إذ كيف يمكن اختصارُ سيرة مَنْ كان صحفياً ومترجماً وكاتبَ رواية وسيناريست ومسرحيّاً.. وقبل ذلك كلّه وبعده كان شاعراً يعتمدُ ما أسماه "الذاتَ الصافية للمبدع كي يرى" و"شجاعة البراءة كي يتمرّد" ويشتبكَ مع مرجعياتٍ تضليليّة مغلقة، وينتقدَ تاريخاً متراكماً مزوّراً، ويفكّكَ عقائد وتقاليد مكرَّسَة، ويصرخَ في وجه قمعٍ يتطاولُ على بديهيات الإنسانية.

تسأله الكاتبة كامل في فصل "كيف أتمرّد!": قلتَ مرّةً "أنا هاملت ودون كيشوت، ولم تقلْ أنا بوعلي شاهين مع أنك ابن بيئته! يجيبُها: بل هاجمتُ الاقطاعيين والبكوات ورجال الدين في قصائد مبكرة، وكتبت عنه أول مسرحياتي "المخاض"، كان تمرّداً مُنجَزاً، لكن هاملت ودون كيشوت هما التمرّدُ الأنطولوجيُّ الأزلي".

هكذا برأيها أن عدوان يلتقي مع الفلسفة "الوجودية" إنما في عبارة "أنا أتمرّد إذاً نحن موجودون" وليس مع عبثية "أنا أتمرّد إذاً أنا موجود" لأنه بالرغم من أن الإنسان هو حامل الثورة على واقعه لكنّ همَّ عدوان كان أيضاً في الارتقاء بالفعل الثقافي والممارسة الأدبية كي يستطيع ليس فقط قول "لا" في سياق التاريخ الوطني والعربي بل كانت قضيته المزمنة: كيف يقول "لا" في الأدب أيضاً.

نفحةُ الطيب وحبقُ الصداقة ينتشر على صفحات الكتاب رغم ألم الخسارة والحنين الموجع الذي تكتب به وعنه الكاتبة. تقول في فصل "غايات مستحيلة": "قلتُ لممدوح وأنا أكتب عن "أيام الجوع" عام 1995 تُشكّلُ الكتابة عنك للباحث مشكلة أو تحدياً، فهو سيجد المسافة بينك وبينه طويلة، وأنك أبعد منه في الحرية، وأشمل في التحرر، وأعلى في الجرأة، وأصلب في الشجاعة وتبدو عملية تقصير المسافات صعبة، فكيف إذا كان الباحث امرأة؟ وقد أجابني ضاحكاً: بل قولي إنّ المسافة بيننا، وأنا معكم، وبين هذه الغايات الحرّة، سباقٌ طويلٌ، وإذا كان امرأة فهذا يعطي قيمة مضافة لأهداف السباق".

لكنَّ سباق عدوان كان أولاً ودائماً مع نفسه، كان مغالبةً للحياة إلى أقصاها. يقول صاحبُ "دفاعاً عن الجنون": "كلُّ ما كتبتُه في حياتي، كتبتُه ولديّ إحساسٌ بالحرية رغم غيابها من حولي. مَنْ لا يمنح نفسَه الحريةَ، لا أحدَ يمنحه إيّاها".

تُكملُ الكاتبةُ الإضاءة على ما يعنيه عدوان بـ"الإحساس بالحرية" مستشهدةً بكلامه إذ "هو نوع من الجنون الذي يفضح حجمَ إذعاننا وقبولنا وتثلّمَ أحاسيسنا، إنه يشبه صرخة الطفل في أسطورة الملك العاري الذي أمر الناس أن يروه مرتدياً ثيابه، فرأوه، وحين خرجَ إلى الجماهير فاجأَهُ صراخُ طفلٍ لم يُدجّنْ بعد: لكنه عارٍ...الملكُ عارٍ تماماً"!

وتضيفُ كامل تفسيره لهذه الدعوة الرومانسية المستحيلة لتغيير العالم بعين طفل: "تصوروا هذا المستحيل الذي صرنا نحلم به، أن تسيرَ في الشارع فلا تخاف، أن ترى فتاةً جميلة فتحسَّ أنها جميلة، وأنْ تحسَّ هي بالسعادة لأن عابراً أعجب بجمالها فلا يضطهدها بعدائيته الذكورية، أن يعملَ الإنسان ويحسَّ بالسعادة لأنه أتقن عمله، أن يرى زهرة متفتحة فينعشه أريجها... هذا ما أدافع عنه إنه إنسانية الإنسان".

انطباع سائد!

تقول إنَّ الانطباع السائد عن ملامح تجربة عدوان الأدبية يقتبسها النقاد عادة من عنوان ديوانه "يألفونَكَ فَانفِر" محاولين تبيان مزاجه الثوري ومواقفه الخارجة عن التدجين، وجنوحه نحو العدالة الإنسانية التي تبدو واضحة في نفوره العميق من القولبة الأيديولوجية، والتكرار العقائدي، والتشنّج القومي، والاختلاس والفقر الفكري والتي أساءت جميعُها إلى فِكرتي "القومية" و"الاشتراكية" وجعلتهما "تبدوان موضتين قديمتين ثم جعلتهم (أي جعلت أصحابَ الشعارات) ينصرفون عنها إلى أزياء جديدة أمريكية بالتأكيد"!فتح الصورة

وتضيف كامل: إنّ ملامح هذا "النفور الأيديولوجي" يمكن أن نقرأه في مفاهيم عدوان الأدبية كلّها، لكنه كان أيضاً صاحبَ موقفٍ ساخرٍ مشاغبٍ وعبارةٍ هجائية لاذعة يطلقها ضاحكاً مرحاً وقد تتحول إلى معارك أدبية وإعلامية، كما تجدُ في كتابه "جنون آخر" مدخلاً إلى مزاجه الشخصي هذا حيث يقول: "لديّ معايير أخرى للناس الذين يشتغلون في الشؤون العامة، فأنا مثلاً لا أثق بمن لا يضحك، أو لا يحبّ الضحك، وأكثر ما يغيظني هو الذي لا يفهم النكتة، كما إنني لا أثق بأي سياسيّ لا يقرأ الأدب، وقد كان معظم أصدقائي من العراقيين لأنهم يُغنّون، فالغناء بوابة أخرى من بوابات الروح ومنها نستطيع التواصل بعمق مع الآخر، والذي تستطيع أن تضحكَ معه أو تغنّي معه هو الذي يمكن أن يكون صديقك في المستقبل".

هكذا عدوان بضحكته المجلجلة عزّز نفوره الأيديولوجي في حياته اليومية فاقتنى –تُكمِلُ الكاتبة لاحقاً- سيارةً فقيرة وقديمة موديل 1941 مضحكة المظهر سلحفاة فولكسفاكن حمراء فاقعة بنقط سوداء كان يسير بها في شوارع دمشق كأنه يَشْتِمُ سياراتِ المرسيدس وال بي أم و البورش التي اكتظت بها المدينة في النصف الثاني من القرن العشرين، ويقيم بذلك مقارنة بين بطر الفاسدين وحديثي النعمة، وبين تقشّف أبناء الشعب. ولا تزال هذه السيارة مركونة أمام بيته ماركة مسجلة تعلن الموقف ذاته!

عدوان خلية نحلٍ بذاته!

وكما تصعب الإحاطة بكامل نتاج عدوان الذي بلغ (90 كتاباً)؛ تصعبُ أيضاً الكتابة عن مجمل هذه الدراسة البحثية أو هذه "النوستالجيا" التحليليّة، إن جاز القول، والتي أبدعتها الكاتبة بجهد واضح للغوص في ومع التيارات الدافقة التي انبجست من بين يدي عدوان ماءً معرفياً وشعراً ممتعاً ومواقف شهمة رغم معرفتِه المسبقة بحجم التحديات بل إصراره على فعل التحدي في سياقٍ "أبطالُه يربحون وهم يخسرون منذ السيد المسيح وأبي ذر الغفاري والحسن بن علي مروراً بدون كيشوت وصولاً إلى يوسف العظمة... الذين تركوا المعركة لتحرير العالم مفتوحةً".

لكنْ أيُّ اكتشافٍ مخيفٍ وظريفٍ ما اكتشفَهُ عدوان نفسُه –بحسب كامل- بمعنى "إلى أيّ حدٍّ كنتُ أنا أيضاً دون كيشوتاً وأنا أنبري لمعالجة عطبٍ عصريٍّ بالكلمات"!

والمفارقة بين كلمتي "البطل" و"الخاسر" يحلّلها ويشرحها عدوان بأن "البطل الدون كيشوتيّ الخاسر هو الذي يستطيع إنقاذ القيم الإنسانية من الانهيار... إنّ التصدي جنونٌ بمعايير الآخرين لكن الانسحاب من التصدي، والرضوخ لهذا الفساد الذي يعشعش في العالم خيانة للنفس وللقيم التي يجب أن يظل البشر متمسكين بها لكي يظلّوا بشراً".

جنون آخر!

في القسم الثاني من الكتاب المعنون بـ"انطولوجيا حزب الجوع" تجترح الكاتبة كامل من وحي فهمها ومتابعاتها وقربها من الراحل أن تضعه -ممازِحةً ومشاكسةً له- في خانة "حزب الجوع" بسبب ما كرّسه في حياته من انتماء والتزام بالناس، وإنْ بدا ذلك نوعاً من انزياح عن النزوع الحرّ المتمرّد الداخلي لدى عدوان ورغبته المزمنة في ألّا ينضوي تحت أي حزب مهما بدا عظيماً إلا أن كامل تشرح ذلك بدرايةٍ ومعرفة. تسأله وهي تزوره في رحلته العلاجية من السرطان إلى بيروت عام 2004: ستُصدِرُ كتاباً جديداً تحت عنوان "جنون آخر" لماذا ليس "جوعٌ آخر"؟ يجيبها: بل جنون آخر لأقول إن انحرافَ السياسة عن إنسانية الإنسان وأولها التجويع والقهر والحيونة، هو ما يدفعنا إلى الجنون... شِي بيجنّن لأن سلطة التجويع لا تزال مهيمنة على البشرية".

سِحر البساطة!

الإعلامية كامل تنقلنا بين فقرات الكتاب بسِحر البساطة والتلقائية التي اشتغلت عليها مِراناً وبحثاً وشخصيّةً فتبدو للقارئ أنها تلقائية البوح وامتنانُ المحبّ، فهي أرجأت قراءتها لممدوح عدوان "الشاعرِ الدائمِ التجدّد" ربما لتجعلَ من ختام كتابها عبِقاً بوجدانية ما أو لتورّطنا بشراكة وجدانية وعاطفية مع قصائده التي لم تعد مِنبريّةً أو خطابيةً بل أصبحت هادئةً تأملية دون أن تتخلى عن "صرخة" الشاعر وعاطفيتها الدافقة وحسّيتها الشفافة في محاولة أخيرة منه لاستعادة طفولة مفقودة.

"الجدّة تشْكُلُ تحت عصابتها "الأوفا"

وتمدّ لبقرتها صوتاً مألوفا

تجلسُ ساهمة

تتفقد غُيّاباً أو أمواتا

تغفو في ظل الشجرة

والدمعةُ بين تجاعيد الخدِّ

كأنّ الجفن تألّم مطروفا

فتقومُ وتنفضَهم عن طرف البال

تُنهي النفس بتنهيدٍ من ألمِ الظهر

وتبدأ تقطيفَ الزّوفا"

----

وفي قصيدة ثانية:

"حسناءُ تهزُّ الخصرَ مجاكرة

فتُنشِّفُ في الأفواه الرّيقْ

قوسُ ربابٍ في الخصرٍ

وعرسٌ في الضحكة

والآه تمدّ أمامَ الخطو طريقْ

حتى السنّ إذا ابتسمتْ

والبسمةُ طافحةٌ كالنبع

فلّلسن بريقْ

يُشلّع قلبَ الصبِّ

يكادُ يلاحقها بزعيقْ

تبعقُ أعضاءُ الجسدِ الشّبِقٍ

إذا عبقتْ جدولها فوقَ الزّيقْ

والتَصقَ الثوبُ على عَرَقِ النهدِ

التمعتْ رجفتُه

يدعو للتطويقْ"