Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

رحيل نخلة الشعر العراقي.. الشاعرة لميعة عباس عمارة

“لا أعرف لي منشأ غير طين الرافدين في جنوب العراق ولا أعرف لي أصلا غير الجذور السومرية البابلية. أربع وعشرون سنة في أميركا لم تغيّر منّي شيئا ولم اشعر بانتماء حقيقي غير انتماء العراق”. هكذا قالت نخلة الشعر العراقي التي بقيت جذورها في أرض أجدادها وأهلها حتى بعد هجرتها العراق لأسباب قاهرة في العام 1978 صوب أميركا لأكثر من ربع قرن.

اسمها لميعة عباس عمارة، ولدت في بغداد في العام 1929، وكتبت الشعر وهي في ربيع الطفولة. وهي تصف تلك الموهبة المُبكرة بالقول:” أنا قلت الشعر قبل أن أعرفه، فقد كنت أكتب في درس الإنشاء في المرحلة الابتدائية شعراً ولم أعرف أنه كذلك. معلمتي قالت لعمتي التي كانت معلمة في المدرسة نفسها إن ابنة أخيك شاعرة”

الشاعرة الشابة التي تخرّجت من دار المعلمين في العام 1955 وكانت مرصودة للتعليم، سرعان ما كشفت عن عبقريتها الشعرية وهي في مقتبل العمر، فبدأت الكتابة الشعرية بالعامية المعروفة في منطقة أهلها، ثم بالفصحى وعاصرت كبار شعراء بلادها والعرب.

 تقول: ” كان أساتذتي عظماء، ومنهم الدكتور علي الوردي الذي درّسني لمدة سنة ثم رحل إلى أمريكا ليكمل دراسته. وشاعر ثورة العشرين محمد مهدي البصير، وكذلك مصطفى جواد وهو أكثر من أثر بي. فقد كان قاموساً متنقلاً ومع ذلك كان يحمل قاموسه في جيبه ويرجع له دائماً ليضبط عين الفعل. فتعلمنا منه أن لا استغناء عن المراجع وتعلمنا منه الدقة والتواضع.

 كان أهلها من أوائل من بنى عمارة من طوابق متعددة في منطقتهم، وامتهنوا صياغة الذهب والفضة، وقد طارت شهرةُ والدها في هذا المجال من العراق الى العالم حيث حصل على جوائز عالمية كثيرة

تنتمي لميعة عباس الى طائفة الصابئة المندائيين، وكان جدّها من رُؤساء الطائفة. وحين تشرح عن طائفتها تقول: ”أنا من سلالة نظيفة إن صح التعبير. يعود تاريخنا إلى الزمن العباسي، إلى ابو اسحاق الصابئي. هربوا من بغداد في زمن الفتوحات وسكنوا مدينة الطيب. مدينة صغيرة وجميلة على ضفاف دجلة، قال عنها مصطفى جواد: هي بُليدة اشتهر أهلها بالأدب واشتغلوا في الثقافة”

 تميّز شعرها بالجرأة الأنثوية اللافتة في مجتمع ذكوري، فتصدّرت مَن كتب عن الحب والغزل والمشاعر الأنثوية، وساهمت في تأسيس الحداثة الشعرية العراقية والعربية، أحبها بدر شاكر السياب وكتب لها: ”ذكرتُكِ يا لميعة والدُجى ثلجٌ وأمطارُ” أو: ”أحبيني لأن جميع من أحببتُ قبلك ما أحبوني“، وكان الشاعر اللبناني المهجري إيليا أبو ماضي صديقا لوالدها فصار في طليعة من يقرأ قصائد شبابها ويبدي ملاحظاته عليها أو اعجابه بها. وحين كتبت أولى قصائدها وكانت ما تزال في ربيعها الرابع عشر حتى علّق أبو ماضي عليها قائلا:” لو كان في العراق مثل هؤلاء الأطفال، نُدرك الى أي نهضة شعرية يتجه”.

من قصائدها الشهيرة: ”وحيدة على شواطئ الأطلسي” تقول فيها:

 وحدي على شواطئ الأطلسي

ليس سوى ذكرك كل مؤنسي

من غرفتي… عفوا ً فليست غرفتي، بل محبسي

أرقب من شباكها الأحياء ملئ الشاطئ المشمشِ

عيد لكل أثمين في مثل جموح الفرسِ

مجردين غير خيطين بقايا ملبسِ

من غرفتي أحكي عن الحب أنا..

وعن هوىً لم ألمسِ

كفيلسوفٍ يصفُ الخمر التي لم يحتسِ

من فوق دواوينها العديدة التي تركتها لنا تراثا كبيرا من الحداثة الشعرية العربية، ومن على سنواتها الاثنتين والتسعين، أغمضت لميعة عباس عمارة اليوم عينيها اللامعتين بالحب والجمال، وقلبها النابض بالحب والحرية، وعقلها الذي اتسع لحضارات وثقافات مختلفة، ورحلت.

 نعاها الرئيس العراقي برهم صالح قائلا في تغريدة له:

نودّع الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة، في منفاها، ونودّع معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال، فالراحلة زرعت ذاكرتنا قصائد وابداعا ادبيا ومواقف وطنية، حيث شكّلت عمارة علامة فارقة في الثقافة العراقية، في العاميّة والفصحى. نسألُ الله المغفرة لروحها والصبر لأسرتها الكريمة ومحبيها.

لعبة أمم

 

الهوية العرقيّة، أم الهويّة الروحيّة؟ (1)
كتاب العولمة الأسود
فيلم عن حياة سعيد صالح
تشظّي الكتابة بين الشعر وقصيدة النثر
بــيــيــر بــوردو.. آلـيـات الـتـلاعــب بـالـعــقــول
مفاهيم ومعايير من عالم الكتابة (2): الكِتابَة والتعبير
الفنانان الواعدان شادي و ربيع جان لفينكس: نحب ونفضّل المخرج الذي يضعنا في المكان المناسب ويظهرنا بشكل صحيح
حكاية طنجاوية: العسل والمرارة للطاهر بن جلون
"أفلاطون".. قتل أباه مجازياً وناهض المذاهب التي تأسر الإنسان في ماديته
أشــرف زكـــي.. دفـــاعا عـــن الـــفـــن
حوار مع أدونيس: صدور كتاب أدونيادة
كتابُ "ممدوح عدوان الفارس الخاسر".. هل يمكنُ الإفلاتُ من جاذبية الهاوية؟
الفنان التشكيلي "أحمد الباس" بنائية إيقاعية ومقامات موسيقية تعزفها رموز وألوان عمله الفني
عندما خسرت الثقافة السوريّة أحد أعمدتها… المفكر السوريّ جورج طرابيشي
حُجّةٌ في اللُّغات