في مُناكفة الموروث

علي الراعي- خاص فينكس:

تبدو صعوبة إنتاج النص المعاصر المفارق تماماً عن النص القديم، بما يشبه الاستحالة، فإضافة "ميليمتراً" واحداً يُشكل مبتغى الإبداع اليوم، ذلك أنه لا مجال– على مايبدو- من تعالق النصوص القديمة وتشابكها مع النص المعاصر، وإذا ما كان على شكل البناء، تكون الغاية الإبداعية قد تحقق منها الكثير، وعندما نقول النصوص القديمة لا نعني بذلك السرد القديم وحسب، بل مختلف الجماليات الموغلة في عمق هذه الجغرافيا، من نحت وتماثيل وتشكيل، وموسيقا، وأبجديات، وغير ذلك من إبداعات مختلفة، فلا تزال الجماليات القديمة ترخي بظلالها على ما يُنتج من جماليات حديثة، ومن مختلف أنواع الإبداع.

وبدوره لا مناص للنص المعاصر من أن يتضمن شيئاً مما قًيل في السابق، فليست الأفكار وحدها على قارعة الطريق، بل أيضاً الصياغات القديمة أيضاً والتي طالما أًعيد بناؤها من جديد بإضافاتٍ لاتذكر، وإذا ماأخذنا كتاب (ألف ليلة وليلة) على سبيل المثال؛ فأعتقد أن تأثيره الكوني توفر في آلاف الذين كتبوا، وحتى رسموا، ومثلوا، وغير ذلك، في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يُضاهيه كتاب آخر، سواء بتقنية الحكايا المتناسلة، والمتوالدة من بعضها، أو في حكم، ووعظ أحداثها، أي كان التأثير ليس في التقنية فقط، بل حتى في مقولات النص وشواغله وأغراضه..

ذلك كان في السرد، أما لجهة التشكيل؛ فلا مناص للوحة، والمنحوتة المعاصرتين، من الاشتغال لإنجاز أعمال فنية غير منقطعة الجذور، أي ثمة هوية سورية للوحة هذا الفنان أو ذاك، تبرزُ، إما باللون، أو بمفردات اللوحة، وفي مواضيعها أيضاً،  لوحة لها امتداداتها الشرقية العميقة، وذلك منذ أولى المعارض، التي أخذت مفرداتها من ملحمة جلجامش، ثمّ إلى الأبواب العتيقة، وبعدها تستلهم السير الشعبية لعنترة وعبلة وغيرهما، ومن فن الإيقونة، والزخرفة والخط والحروف العربية والعمارة التي لاتزال راسخة، سواء في أعالي الجبال، أو في الصحاري. ولو عددنا الفنانين التشكيليين الذي "بنوا" على هذا القديم، فقلما يتوفر فنان واحد لم تتضمن لوحته شيئاً من هذه جماليات، وفي سورية تكاد تكون ميزة فنية، في هذا الاتجاه صوب الأرض العتيقة.

 وفي كل هذه الإستطالات مع التاريخ بأنواعه الشعبي، التراثي، الملحمي، والديني، أظن أن ذلك ينشدُ أمرين: الأول تحريك الذاكرة التراثية، أو إعطاء حياة ما لهذا التراث، وبالمقابل، منح اللوحة شيئاً من السكون، أو العزلة في وجه حداثة لا تلوي على سكون، مع ذلك تأتي اللوحة – غالباً- بكامل مفردات الحداثة والمعاصرة، أي الشغل على موضوع الذاكرة ليس مبعثه الحنين، ولو كان الأمر كذلك لإشتغل الفنان هنا على مسألة التلوين بغنائية أكثر ثراءً. كما لا ينشدُ التسجيلية أو الوثائقية، ولا العودة لماضٍ ما، وإنما الإغواء في كل تلك المرجعية هي المفردات.

 أي كمن يحاول البناء من حجارة قديمة بناءً معاصراً، ولذلك هو يُناكف هذا التراث، وربما يُناوشه في بعض النتاجات الحديثة، وربما يُقدم موقفه تشكيلياً بالتخفف من حمولاته التي لاتخلو من وطأة أحياناً، رغم ذلك فإنّ اللوحة البائسة تلك التي تعيد وتنتج ما قدمه الأسلاف دون إضافة، أو مناوشة، وحتى بقلب المفاهيم، وإعادة البناء من جديد، حتى ولو كان من ذات الحجارة، بل أن الإبداع الحقيقي اليوم، يقوم على مراجعة الجماليات القديمة، وحتى تصحيحها، وإلا وقعنا في "وثنية وصنمية" وتحت وطأة "مقدسٍ" لا يرحم، وللأسف هذا يحصل كثيراً في مجالات الإبداع المختلفة.!