Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأزمة المسرحيّة: أبو الفنون إلى أين؟!

ندى دوارة- خاص فينكس: 

"أزمة المسرح لا تخفى على أحد "جملة قلّما يتحدّث عامل بمجال المسرح والفنون دون أن ينطق بها، ولكن ما من أحد يحدّد لنا ما هي هذه الأزمة بشكل دقيق؟ أهي أزمة نصوص أم أزمة إنتاج أو أزمة ممثّلين أو أزمة جمهور؟! وكيف نحلها؟، ومادام تحديد هذه المشكلة غوغائّياً لابدّ أن يبقى الحلّ هلاميّاً لدى الخاصّة من العاملين في المسرح، كما هو لدى العامّة الّذين يتساءلون: ألا يكفي ما في حياتنا من أزمات كي ننشغل بالأزمة المسرحيّة؟! أزمة اقتصاديّة، وسياسيّة، وعسكرية، واجتماعيّة، وأخلاقيّة، وإنسانيّة، وتربويّة، وتنمويّة، ونفسيّة وغيرها، تخنق الإنسان وترسم حدود حياته وأفكاره في إطار الرّغيف، والمواصلات، والمصلحة والنّأي بالذّات، والنّجاح التّعليمي أو الوظيفي على أبعد تقدير.

فأين منّا الأزمة المسرحيّة؟ وأين المسرح منّا؟! هل هو موجود كي نحمل همّه؟ وهل يحمل هو همنا؟ وهل يستطيع أيّاً كان أن يدّعي اليوم أنّ الأعمال المسرحيّة ترتقي لتمثّل حقيقة المسرح، وحقيقة ارتباطه بالمجتمع والنّاس؟ وهل المسرح هو فقط تلك المهرجانات التي تحضر خجولة كلّ عام بأعمالها، وحضورها من النّاس وبينهم؟ وهل يتجرّأ أحدٌ أيّاً كان أيضاً أن يمثّل المجتمع حقيقة في عمل مسرحيّ، وأن يواجه النّاس عامّة بأزماتهم وجهاً لوجه، أم أنه يكتفي بعرض ما يريده النّاس فيتحوّل إلى برنامج ما يطلبه الجمهور؟!

أمام هذه التساؤلات يجب علينا أن نعترف أنّ النصوص والممثلين والإنتاج والجمهور تشترك جميعها لتكون الأسباب العلنية، أو العلل المباشرة للأزمة المسرحية، إذ يعاني المسرح من شحّ النّصوص المسرحيّة وضعفها، واتّجاه الكتّاب والممثلين وشركات الإنتاج إلى الدّراما التّلفزيونيّة لضعف الإيراد المالي للأعمال المسرحيّة أمام الأعمال التّلفزيونيّة، وكذلك يعاني من ضعف الحضور الجماهيري لأسباب ماديّة، أو زمنيّة أو جغرافيّة أو غيرها، لكنّ ذلك كله ليس الّسبب الرّئيس في هذه الأزمة؛ فالمسرح لم يصبح ظاهرة اجتماعيّة ثقافيةّ فنيّة لديها حضورها الجماهيري الفاعل الّذي يفرض على النّصوص والفرق المسرحيّة وجوداً كميّاً ونوعيّاً يرتقي بها ليحلّ مشكلة الضّعف في الإمكانات الأدبيّة والفنيّة على مستوى النّص والفنانين، والإمكانات الماديّة على مستوى الأجور والعائدات الماليّة، إذ إنّ المسرح مسؤول عن استقطاب الجماهير، كما الجماهير مسؤولة عن استمرار الأعمال المسرحيّة وارتقاء مستواها، وهذا كلّه لن يحدث إن لم يصبح للمسرح بعد ثقافي اجتماعي يغذي مكانته الفنيّة، وافتقار المسرح لهذا البعد هو الذي يشكّل الحجر الأساس في أزمته، كما يشكل حجر الزاوية في حل هذه الأزمة.مسرح

وجعل المسرح ظاهرة اجتماعية ثقافية تحتم على العاملين فيه أمرين: أوّلاً أن يحددوا الجمهور الّذي يخاطبوه في أعمالهم، والرسالة التي يريدون توجيهها، وثانياً أن يعوا حقيقة امتلاك الجمهور لثقافة حضور المسرح والإفادة منه أو عدم وجودها، وكيفية خلقها فيه.

 فعلى الأعمال المسرحيّة أو المهرجانات أن تحدّد الفئة التي تستهدفها في أعمالها، لتمنع الانفصال بين من يشاهِد وما يشاهَد؛ إذ إن جمهور المهرجانات من صفوة الممثلين والمسرحيين والمثقفين وحتّى العامّة من روّاد المسرح يختلف عن جمهور الأعمال المسرحية التي تعرض خلال العام، وهذا الاختلاف تعبير حقيقي عن حضور الجمهور الفاعل في المسرح، والحضور المسرحي الفاعل في الحياة الثقافية والاجتماعية العامة للناس في البلاد، ويستدعي حكماً الانتباه إلى عناصر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بذلك التّحديد من نوعيّة النّصوص، وكثافة العرض إلى الزّمان والمكان المناسبين الذي يشكّل ثباتهما في المهرجانات سبباً في نجاح العروض، بينما تكون عائقاً لدى عامة الجماهير خلال العام إذا ما نظر إلى وجود المسارح في مراكز المدن بعيداً عن الضّواحي والأرياف التي تتسم بالكثافة السكانيّة الأكبر في كثير من البلدان كبلدنا على سبيل المثال.

وتحديد نوعيّة الجمهور تفرض الأمر الثّاني، وهو إدراك وجود ثقافة حضور المسرح وارتياده لدى هذا الجمهور أو عدم وجودها، إنّ هذا الأمر يجعلنا نواجه حقيقة الثقافة الاجتماعيّة الّتي تسبّب الحجر الأساس في تحوّل المسرح لظاهرة اجتماعيّة ثقافيّة أو تقصيه عن ذلك، كما تدقّق النّظر في تأثير الأزمات التي يعيشها الناس في تكوين ثقافته بشكل عام، وثقافته المسرحية بشكل خاص، فهل ينظر الناس للمسرح بأنه وسيلة ثقافية وفنيّة وتعليمية جمالية ترسّخ القيم وتحاكم الواقع بطريقة فنيّة حرّة تنمّي قدرتهم على المحاكمة والفعل، أم يرونه وسيلة ترفيهية لفئة من الناس وميزة للمثقفين وصفوة المجتمع؟ ومن هو المسؤول عن بناء هذه النظرة؟ وهل كثرة المسارح والمهرجانات تؤسس رؤية جديدة للمسرح وتخلق روّاداً حقيقيّين له؟

 إنّ الأزمات المجتمعية بأشكالها المختلفة لابدّ أن تؤثر في الفن المسرحي،  فيتأثر بالمشكلات السياسيّة والاقتصاديّة والدينيّة وغيرها في المجتمع بنسب متفاوتة، و يعكسها في أعماله، لكنّها جميعاً لم تكن يوماً السبب الرئيس و الوحيد في أزمته و تغييب دوره؛ إذ لم تكن الأزمة الاقتصادية أو الانغلاق الفكري لفئة في المجتمع، أو الاستبداد السياسي سبباً في ثني من يؤمن بقضيّة أو يحمل همّاً فكريّاً أو وطنياً عن طريقه، فمسرح القبّاني-على سبيل المثال- لم ينشأ في جوّ من الحريّة والديمقراطيّة والرّخاء المعيشي؛ بل على العكس نشأ في ظلّ السلطة العثمانيّة، وما كان يلازم حكمها من اضطهاد سياسيّ وحروب واستبداد وجوع وقهر، وبدأ من أحياء دمشق القديمة المحافظة دينياً، وعانى من تهم الزّندقة والتّكفير. ورغم ذلك استطاع القبّاني ورفاقه بمسرحهم أن يشكّلوا ظاهرة لدى جمهور كبير من أبناء دمشق آنذاك، متجاوزين الأحكام الدينية والاجتماعية والاستبداد السياسي الذي شكل كل منها عائقا كبيرا كما يشكل الآن.

البعد الثقافي للمسرح يبدأ من البعد الثقافي للإنسان الذي تلعب المنظومة التربوية والمدرسية في أي بلد كما الأسرية الدور الرئيس في تكوينها؛ فهي المسؤول الأوّل عن ترسيخ الثقافة العامة في المجتمع، سواء أكانت ثقافة مسرحيّة أم غيرها، والوسيط الأقوى في التواصل مع العدد الأكبر من النشء الجديد الذي يشكل دعامة المسرح والمجتمع قبله، ومن المؤكد أنّ تشييد المسارح في المدارس، وإن كان جيّداً، لا يؤدي الغاية المرجوة في خلق ثقافة المسرح، والإحساس بأهميته، والإقبال على العمل به أو مشاهدته، فبناء المسرح لا يعطي مسرحاً بل على العكس قد يحضر المسرح دون مكان مخصص له، ولكن بناء الإنسان وثقافته هو الذي يحتم وجود المسرح كما أن وجود المسرح الحقيقي يغذي ثقافة الشعب، ويحتم ولادة شعب مثقف فاعل وإنساني لا يخضع للأزمات وإنما يخضعها، يقبل الرأي الآخر لأنه ينشأ على محاكمة مشكلاته محاكمة علنية حرة بعيداً عن الشّتائم والتنمر والإقصاء والشعارات.

لذلك وجب الاهتمام بالبعد الثّقافي الذي يبني قيم الإنسان وآراءه وسلوكه، ومنها رؤيته للقيمة الثقافيّة والفنيّة والاجتماعيّة الّتي يحملها المسرح، فتبنى بذلك اللبنة الأساس لحلّ الأزمات عامّة، والأزمة المسرحيّة خاصة؛ إذ تحافظ ثقافة الشّعوب على المسرح ببعده الاجتماعيّ والثّقافيّ والفنيّ، ويبقى تأثيره في المجتمع والنّاس على أنّه الحاضنة الأرقى للإنسان بثقافته وقيمه وأخلاقه.

في البداهة والبحث عن الشكل الضّائع
رحيل نخلة الشعر العراقي.. الشاعرة لميعة عباس عمارة
جورج سيمنون وفيديريكو فيلليني: رسائل المسرّة
المعلومات لا تحمي المغفلين
معرض في باريس احتفاءاً بريادة الرسام السوري فاتح المدرّس
منطق العفوية قد يكون هو الأجدر بإعادة صياغة موقفنا من الواقع.. صياغة المساحات اللونية ضمن علاقة تعبيرية مع بعضها
جاك لانغ.. "اللغة العربية كنز فرنسا"
الترجمة العربية للفلسفة كيف تخفق وأين تنجح؟
الفنان التشكيلي "رياض الشعار": لدي هوس اللوحة وهي هاجسي الأكبر
«خمسة أيام لم يسمع بها أحد».. ودقائق فقط
معرض منوع للكتب وبأسعار رمزية في ثقافي الحسكة
في ذَمّ ذاكرة الضوء
حين يتجنى الفن على الدولة.. "مسلسل الندم" بين الشكل والمضمون
الفن التشكيلي بعيون الأدباء.. عندما يتحدث روائي عن رسّام
طوى أشرعته هاتفاً: «ترحّلتُ حتى ما عادَ من مُرتحلٍ»