Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المحراث القديم من فلاحة الأرض إلى الميتافيزيق

باسم سليمان- خاص فينكس:

كان للمحراث الزراعي دوراً مهماً في نشأة الحضارات الزراعية. واستطاع الإنسان من خلاله أن يروّض الأرض، ويزيد من إنتاجية محاصيلها. انتقل الإنسان مع المحراث خطوة أخرى في سلم حضاراته، تكاد تعادل اكتشاف للنار، إلّا أنّ الإنسان لم يكتف بالجانب المادي للمحراث، فقد حمّله الكثير من الدلالات التي تخدم تطلعاته الميتافيزيقية، كما فعل مع النار حين عبدها. يرى جان بيير فرنان المختصّ بالحضارة اليونانية أنّ المصطلحات النقدية التي تطوّرت عن عمليات التبادل؛ سلعة مقابل سلعة، لتصبح سلعة مقابل عملة نقدية، كانت تتقاطع تلك المصطلحات النقدية مع المصطلحات اللاهوتية، وخاصة فكرة التنزيه، فلقد لعب سكّ النقود دوراً في طور مفهوم الإله عند اليونان. وهذا ما يؤكّده إميل بنفينست بأنّ جذور كلّ الكلمات والمجازات والصفات والنعوت تعود إلى أساس حسيّ مادي.

بناءً على ما تقدم سنبحث في معنى كلمة: (الصّمد) التي وردت في سورة الإخلاص ونرى علاقتها بالمحراث القديم استناداً على علم الإيتمولوجيا/ الاشتقاق اللغوي والفيلولوجيا/ فقه اللغة، لنرى ما يمكننا أن نستخلص من دلالات كانت متوارية بأعماق الماضي الإنساني. 

بداية سنضع سورة الإخلاص بين أيدينا: "قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" مقدّمين بذلك لمعنى كلمة الصّمد من خلال ما تضمّنته اللغة العربية في القواميس، وما اجتهد المفسرون بقوله، فنجد أن كلمة الصّمد: الصّمْد بفتح فسكون: القَصْدُ، وفي حديث مُعاذٍ بنِ عمرِو بن الجَمُوحِ في قَتْلِ أَبي جهل : فَصَمَدْتُ له حتى أَمْكَنَتْنِي منه غِرَّةُ، أَي وَثبْتُ له وقَصَدْته وانتظرْت غَفْلَتُه . والصَّمْد الضَّرْبُ، يقال: صَمَدَه بالعَصا صَمْداً وَصَمَلَه إذا ضَرَبه بها عن أَبي زَيْدٍ- وقال أَبو خَيْرة: الصَّمْدُ والصِّمادُ: ما دَقَّ من غِلَظِ الجَبَلِ وتَواضَعَ واطْمَأَنَّ ونَبَتَ فيه الشَّجَرُ. والصَّمْدُ: تَأْثِير لَفْح الشَّمْسِ في الوَجْهِ. والصَّمَد بالتحريك: السٍّيِّد المُطَاع الذي لا يُقْضَى دُونَه أَمْرٌ؛ وهو من صِفاتِهِ تعالى وتَقَدَّس لأَنَّه أُصْمِدَتْ إِليه الأُمورُ، فلم يَقْضِ فيها غَيْرُه. وقيل: الذي يُصْمَد إليه في الحَوائجِ أَي يُقْصَدُ. والصِّمَادُ بالكسر: رَوْضَاتُ بَنِي عُقَيْلٍ والرَّبابُ. والمُصْمَدُ: لغة في المُصْمَتِ، وهو الذي لا جَوْفَ له. والصِمادُ: عِفاصُ القارورة. وصَمَدَهُ يَصْمُدُه صَمْداً، أي قَصَدَهُ. والصَمَدُ: السيِّدُ، لأنّه يُصْمَدُ إليه في الحوائجِ. قال: عَلَوْتُهُ بحُسام ثُـمَّ قـلـت لـه خُذْها حُذَيْفُ فَأَنْتَ السَيِّدُ الصَمَدُ. وبيتٌ مُصَمَّدٌ بالتشديد، أي مقصود. الصمد: ما يلفُّه الرجُل على رأسه ممّا هو دونَ العمامة، كالخِرقةِ والمندي.مشاهدة صورة المصدر

بعد تقديم هذه المعاني لكلمة الصّمد، لا بدّ من إيراد قول الطبري باختلاف المفسّرين في معنى الكلمة: واخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الصَّمَد، قَالَ بَعْضهمْ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِأَجْوَف، وَلَا يَأْكُل وَلَا يَشْرَب، أو الَّذِي لَا حَشْوَة لَهُ، وقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الّذي لَا يَخْرُج مِنْهُ شَيْء ونضيف من التفاسير الأخرى؛ أنّ الصّمد هو الدائم، بلْ هُوَ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى. وعن الطبري أيضًا قَالَ أَبُو جَعْفَر: “الصَّمَد عِنْد الْعَرَب: هُوَ السَّيّد الذي يُصمَد إليهِ، الذِي لا أَحد فوقه، وكذلكَ تُسَمي أشرافهَا.                     

 وبعد أن تعرّفنا على أكثر المعاني لكلمة الصّمد، ننتقل إلى سبب نزول الآية؛ نجد في التهذيب للأزهري أنّ المشركين سألوا الرسول أن ينسُب لهم الله، فنزلت الآية: "قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" والمعنى المقصود بالآية؛ نفي النّسب، فالنسب للمخلوقين وليس للخالق. كانت الآلهة الماقبل توحيدية لها آباء وأبناء، فهي تُنسب كما يُنسب البشر إلى عائلات وقبائل، ومع ظهور الفكر التوحيدي، فقد رفضت هذه الفكرة وأصبح الإله/ الله واجب الوجود، أحداً، فرداً، لا يقع عليه ما يقع على المخلوقات، لا آباء ولا أبناء.                                                       

 فيما سبق تم تقديم الأهم بين معاني كلمة الصّمد في اللغة العربية والذي يلي سيكون محاولة لتتبع وجود الكلمة في لغات المنطقة، فنجد أنّها وردت في الأوغاريتية:  (smd il)؛ وتعـــني العصا بالاستناد إلى قول دكتور اللغويات محمد بهجت قبيسي في كتابه؛ ملامح في فقه اللهجات العربيات من الأكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية، اعتماداً على (GORDON) عالم اللغة الأوغارتية – الصفحة – 656 – من كتاب د. محمد بهجت قبيسي. وفي الصفحة 485  من ذات الكتاب، نجد أن معنى كلمة صمد كمدلول تعني (فخذ) وهذه مأخوذة من كتاب د.أحمد حامدة – المدخل إلى اللغة العربية الكنعانية والفينيقية – صدر عن جامعة دمشق عام 1994 ونضيف أنّ اللغة العامية في الساحل السوري لديها كلمة مشـــابهة وهي (الصمْد) أي المحراث القديم، المصنوع من خشبة يابسة تُشق بها الأرض لكي تعدّ للزراعة ولربما ورثتها من الكلمةالأوغاريتية:(smd il).                                                                              

تقدّم لنا أساطير بلاد ما بين النهرين أنّ الإله إنكي خلق البشر عبر حفر ثلم بظفره في الأرض ووضع فيه بعض البذور، فبدأ الناس يخرجون منه كالعشب. وفي النص القرآني نجد الآية التالية التي تتقاطع مع الأسطورة: "وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً" ويفيد الإنبات الفعل القائم على الحراثة ومن ثم الزراعة وبعدها الإنبات، فالإنبات لكي يحصل لابدّ أن تكون هناك حراثة ونضيف ضمن مروحة الدلالات أن الآلهة إنانا الأم/ الأرض، تطلب من الإله إنليل/ دموذي أن يحرث لها فرجها لتكوّن المخلوقات من نبات وحيوان. والحرث في القرآن يعطينا نفس المعنى للفعل الجنسي: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ).

مما سبق نجد أنّ الحراثة أو معادلها الجنسي كفعل خلْق موجودة في لبّ وجوهر عقائد الخصب التي تشمل كلّ المنطقة وتؤكدها في عدّة أساطيرهي أشهر من أن     نذكرها هنا، وعليه بعد هذه العجالة سنبدأ بتجميع المعاني المنثورة في كلمة، صَمَدَ، ولكي نأخذ الأمور بشكل تسلسلي لابدّ أن نضع في المقدّمة دلالات كلمة (الصّمد) في اللغات السابقة على اللغة العربية والتي ترتبط معها اللغة العربية برابطة الرحم والدم.                                                                                  

  في الأوغاريتية: صمد = عصا وقد تعني عصا السلطة للإله إيل. لكن من معاني العصا نلحظ الأفعى، كما عصا موسى. والأفعى تربطنا بفعل الخطيئة الأساسية الجنسية وعلاقتها بآدم وحواء. والأفعى ذاتها عندما تدبّ على الأرض تترك أثراَ يشبه أثر المحراث في الأرض. والأفعى رمز عشتار، الأم الأولى وخالقة الكون عبر الفعل الجنسي.                                                                     

 في اللغة الفينيقية تعني الكلمة صمد: فَخَذَ؛ لكنّنا نجد من دلالات (فخذ) في اللغة العربية (المفاخذة) أي ممارسة الفعل الجنسي، حيث يفاخذ الذكر الأنثى، والمراقب لعملية الحراثة يلحظ أنّ الفلاح يضع قدمه على  سكّة المحراث- القطعة الخشبية التي تشبه السكين وقد استبدلت فيما بعد بالمعدن/ الحديد- عبر الضغط بفخذه لكي تلج السّكّةُ  أكثر في الأرض ويصبح الثلم أعمق وأخصب.

وبالانتقال إلى قواميس اللغة العربية، نجد أنّ من المعاني لكلمة الصّمد: الضرب بالعصا؛ أَوَليستِ الحراثة تعني أن يضرب المحراث الأرض، فيشقها أثلاماً؟ وأيضًا الصّمد: الأرض التي ينبت فيها الشّجر والنبات. ولا بدّ من ذكر أنّ الصّمد: هو أنْ تلوّح الشمس وجه الشخص بعد تعرضه لأشعتها، والفلاح إذ يحرث الأرض يتركها عرضة للشمس؛ لتصبح جاهزة للزراعة أمّا بقية المعاني، فنستطيع أنْ نجد فيها ما يخدم توجهنا بقليل من التأمّل.

بعد ما تقدّم نعود إلى سورة الإخلاص وسبب نزولها حيث كان جواب النبي محمد (ص) يصبُّ في منهجه التوحيدي في منطقة مليئة بالآلهة– إنْ صحّ التعبير– متأثرة بغيرها من العقائد في المنطقة مروراً بالديانتين اليهودية والمسيحية مع التأثير الحنفي. وبشكل أو بآخر، تدلّ في قسم منها على أنّ الخالق قد صنعَ الكون عبر الفعل الجنسي وخاصة العقائد غير السماوية – كما اُصطلح على تسميتها– سواء في بلاد ما بين النهرين وسوريا وحتى شبه الجزيرة العربية أمّا منهج العقائد السّماوية، فتلصق عملية الخلق بالإله / الله، بعيداً عن معاني الفعل الجنسي كما كان سائداً في عقائد المنطقة  لحظة نزول القرآن، وبين الاعتقادين نستطيع أن نفهم سورة الإخلاص، فالآية تنصّ على أحدية الخالق، لكن هو خالق الخلْق/ الكثرة، دون العملية الجنسية والدليل (لم يلد ولم يولد) التي أتت تفسيراً لآية (الله الصمد)  ثم تأتي الخاتمة: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، أي أنّ فعله لا يشبه أي من أفعال الخلق لدى المخلوقين وهذا ما تقولة الآية: "تبارك الله أحسن الخالقين"، فسورة الإخلاص تدعم آياتها بعضها البعض وتفسّر نفسها بنفسها وكلّ آية منها دليل وإثبات على الآية التي قبلها.

الآية تهدف إلى إنهاء الجدل عن أحدية الله، وبأنّه الخالق الأوحد المفصول عن كثرة الخلق، وهو لم يلد ولم يولد، أي البعيد كلّ البعد عن العملية الجنسية، فهو الحارث/ المحراث / الباذِر / المُنْبِت، دون أيّ دلالة على الفعل الجنسي. ولكي لا يُؤخذ علينا بالشطط فيما ذهبنا إليه، نذكر أنّ د. سعيد الغانمي ذكر في كتابه؛ ينابيع اللغة الأولى بأن ثمود قد عرفت نوعاً من التوحيد إذ كان لها إله يُسمى: (هائل هأبتر/ أيل الأبتر؛ الذي ليس له أولاد) أي الذي لم يلد ولم يولد.

وبناءً على ما تقدم نستطيع القول مع بعض التخييل بأنّ كلمة الصّمد تعني: الحارث/المحراث/ الخالق / الباذِر. فالمحراث هو العصا اليابسة المصمتة، المصمدة التي تُفلح بها الأرض كي تصبح صالحة للزراعة. أمّا ناتج الحراثة أي الخلق، فلا علاقة له بالمحراث، أكان بالنسب أم بالرحم أم بالدّم. إنّ التنزيه الذي نجده في كلمة الصّمد أو المصمت يهدف إلى التفريق المطلق بين الخالق والمخلوق. وما التعالق بين كلمة الصّمد كصفة لله والصمْد/ المحراث إلّا تنزيل الصفة الروحية الصّمد إلى الصورة الحسيّة الصمْد/ المحراث، أو الصعود بالمعنى الحسّي للكلمة إلى الروحي/ المعنوي. فهل تمّ تصعيد كلمة الصمْد/ المحراث الحسية إلى كلمة الصمد الروحية كصفة لله، هذا ما حاولنا الإجابة عليه في هذا المقال.