Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اكتمال القمر.. ليلة الحجاز

عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:

(خلفت ورائي مدناً تقبع في ليلٍ حالك السواد كأنه منجم فحم، مدناً يصبح فيها ضوء فانوس أشدَّ خطورةً من وباء الكوليرا في القرون الوسطى، نعم.. قدمت من أوروبا القرن العشرين "رواية ليلة لشبونة" للكاتب الألماني إريش ماريا ريمارك – ص 5).

بهذه العبارة يستهل ريمارك روايته على لسان بطلها شفارتس، أما أنا فإنني أتجول في عاصمة يعمُّها الظلام ليس بدرجة مدن أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، فهنا تجد بعض الأضواء المتناثرة التي تضيء الشوارع و المحلات التجارية، إما من مولدات كهربائية ضجيجها يصم الآذان، أو من خلال بطاريات انتشر بيعها خلال سنوات الحرب بشكل سريع كحلٍّ مؤقت لمحاربة الظلام، فالتغذية الكهربائية باتت قليلة و في تراجع، و ساعات التقنين في ازدياد تعيد المدينة إلى العصور الوسطى.

كنت أتجول تضييعاً للوقت لأن الجلوس في المنزل ممل جداً و طريقة الهروب المتاحة هي التسكع فيما تبقى من شوارع آمنة في عاصمةٍ كانت ذات يوم أكثر مدن العالم أمناً، تمشيت من جسر الرئيس حتى الصالحية، أطللت على مقهى الهافانا و الكمال ثم الروضة علَّني أجد صديقاً يجلس فيها، عبثاً.. روادها قلائل، إضاءتها خافتة، فقط "الروضة" وجدت فيها عدداً من الزبائن معقولاً، و لكن ليس كما كان أيام زمان، أكملت مسيري متوجهاً إلى البحصة ثم المرجة و مدخل الحميدية لأتجه غرباً في شارع النصر، وصلت إلى مواجهة مقهى الحجاز، نظرت إلى المقهى صار خراباً لا زبائن، لا أشجار فقد قطعت، و لا مظلات تقي الجالسين قيظ الصيف و مطر الشتاء، المكان يتسلل إليه الهدم ليحل مكانه بناء جديد.

مقهى الحجاز معلمٌ من معالم مدينة دمشق المشهورة، سيصبح ذكرى بكل ما ضم من ذكريات و أحداث، و بكل ما مرَّ عليه من رجال و نساء جلسوا على طاولاته، تناولوا قهوتَهُ و شايَهُ، و قرقروا بنراجيله، و ثرثروا بأحاديثهم، توقفت قليلاً أتأمل المكان الذي بدا مهجوراً رثّاً مكشوف العورة، جدرانه متهالكة، متهدمة، بعض الشوادر التي نُصبت في فنائه الخارجي معلقة من طرف على جذع شجرة يابس، و مرمية على الأرض من الطرف الآخر، و هي تعبِّر بشكل صارخ و بليغ عن حال المقهى.

حين جئت إلى هذه المدينة في أواسط ثمانينات القرن العشرين الماضي طالبا للدراسة في الجامعة، أول مقهى دخلت إليه هو مقهى الكمال في شارع المتنبي، كان الطقس ماطرا في شهر تشرين الثاني، مضى على ذلك الزمن حوالي أربعين عاماً و لكن مقهى الحجاز كان نقطة علام يستدل بها المرء من صديقه على مكان وجوده، أو مكان لقائهما، يقول: نلتقي مساء في مقهى الحجاز، أو أنا في مكان كذا الواقع غرب مقهى الحجاز أو شرقه أو... الخ، فالمقهى و مبنى المحطة من أهم معالم المدينة.  

وداعاً يا مقهى الحجاز، وداعاً يا ذكريات هذا المكان، وداعاً لكراسي الخيزران كم استرخى عليها مسافرٌ متعب، و كم نام عليها مشردٌ، و كم خسر على طاولاته لاعب، و الأهم وداعاً يا أربعين عاماً من عمري.

أكملت سيري في الظلام متوجهاً إلى جسر الرئيس لأنتظر مع جموع المنتظرين باص النقل الداخلي المتوجه إلى الضاحية، لأعود إلى بيتي و ظلامه و عتمته و دفئه "القارس" و الحزين فهو ملاذي الأخير، لأحلم بمقهى جديد ينهض مكان المقهى القديم و لكن بشكل عصري و بزبائن عصريين، و لن يستقبل أناساً بسطاء و عمالاً و موظفين و باعة يانصيب و ماسحي أحذية و مسافرين يستريحون منتظرين استكمالَ معاملةٍ لهم في جهةٍ رسميةٍ ما .

لقد انشغل ذهني بهذا الموضوع، و سهرت ليلتي أفكر به و أستحضر ذكرياتي القديمة في هذه المدينة، في اليوم التالي بحثت على شبكة الانترنت لأتعرف إلى حضور مقهى الحجاز في الثقافة السورية، و تساءلت: تُرى هل كان مكاناً مفضلاً للقاءات الأدباء و المفكرين السوريين؟ و هل هناك أعمال أدبية و شعرية كتبت على طاولاته؟ وجدت كماً كبيراً من المقالات التي كتبت عن المقهى و عن هدمه، و صوَّرته و كأنه متحفٌ عظيمٌ آيلٌ إلى السقوط، أو أنه معلمٌ عمرانيٌّ نادر، و يتضح أن هذه الكتابات تنبع من غايات غير نبيلة و غير ثقافية و غير أخلاقية، بل تنم بوضوح عن موقفٍ سياسيٍّ موتورٍ و مريضٍ، يساوي بين المقهى كبناء متواضعٍ جداً و بسيطٍ لمن يعرفه و جلس في أرجائه، و بناء محطة الحجاز للقطارات كمعلمٍ عمرانيٍّ متميز، انصرفتُ عن هذه المقالات و أعدت البحث علَّني أعثر على ما يشبع غليلي، فما وجدت، و الحقيقة أن المقاهي التي كانت مفضلة عند الأدباء و الشعراء و الكتاب هي بالدرجة الأولى مقهى البرازيل و كان يرتاده الشعراء والأدباء: (محمد الماغوط و أدونيس و شوقي بغدادي و مصطفى بدوي و أحمد الجندي و نديم محمد و سعيد الجزائري وعادل أبو شنب و نسيب الاختيار و إسكندر لوقا وشاكر مصطفى) وغيرهم. ثم مقهى الهافانا و قد أصبح الأدباءُ السابقُ ذكرُهم من رواد الهافانا بعد إغلاق البرازيل، ثم مقهى الروضة ثم النوفرة أقدم المقاهي، أما مقهى الحجاز فقد عرف ببساطته و شعبيته، و لم يُذكر اسمٌ لأديبٍ أو مثقفٍ معروفٍ كان يواظب على ارتياده الجلوس فيه، و هذا ليس تقليلاً من شأن المقهى و مكانته، بل هو اعترافٌ بالحقيقة.

مقهى الحجاز وداعاً بما لك، و ما عليك و علينا، على أمل أن يلحظ منفذو البناء الجديد "نيرفانا " فسحة لمقهى جديدٍ يليق بمدينةٍ جديدةٍ و عصريةٍ نتمناها و نحلم بها، تخرج كطائر العنقاء من قلب الرماد، و حين ستمر أجيالٌ لاحقة من أمام هذا المكان ستقول: (هنا كان يوجد مقهى شعبي اسمه "مقهى الحجاز"). 

"الرجل الفيل" و "أكاكي أكاكافيتش" أخواكم في الإنسانية..
أوغاريت.. لم تقل كلمتها بعد
سليم بركات يستثمر روائيا في الأسطورة الإغريقية.. ابتكار جدلية الكهف والمدينة في "ميدوسا لا تسرّح شعرها"
المحراث القديم من فلاحة الأرض إلى الميتافيزيق
فيلسوف ألماني بارز يعتذر عن عدم قبول جائزة الشيخ زايد للكتاب
التشكيلي محمد أسعد "سموقان".. مشهدية ديناميكية تفوح بعطر الشعر
النصّ الأدبيّ والأخطاء اللغويّة
المتن المنجز في حكمة العقل المُعجز.. متن الرقوق2
اســــمـــاعـــيــــل يــــس.. الــطــيــبـــة والــفـــن
"الشيباني" رواية من موريتانيا.. تداخل الشعر مع السرد
مفھوم التراث الثقافي العمراني والطرق المثلى لحفظه واستثماره
الثقافة سياستي
"إرهاب الحَمَدَين" كتاب يوثق فصولاً من صناعة الإرهاب من قبل حكام قطر
«المعلم ومرغريتا» لبولغاكوف.. فانتازيا صاخبة لأقنعة الخير والشر
في طرطوس.. ميادة بسيليس تُلهِم المحتفلين في افتتاح يوم الرقص العالمي