Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

غسان كنفاني: المناضل الذي حمل قضيته في وجدانه

سلوى عباس- خاص فينكس:

عاش الأديب غسان كنفاني الحياة بقلب كبير، رحب كما السماء، رقراق كجدول ربيع، يفجره الضوء ويلم عتمته، لا يقرأ ما في الأبجديات فقد كانت له حروفه وأبجدياته، أخذ من نفسه كل ملامحه، ومن قلبه جمّع لغته ونشر أوردته طريقاً، وفي كفه حمل روحه لا يلوي إلا على وطن.

قدم كنفاني إبداعاً متفرداً، فكانت مسيرته الأدبية حافلة بالعطاء، شغف بالحياة وأحبها، فهو المبدع المتميز والمؤثر في كل ما خطّه قلمه، كان صاحب مشروع أدبي وذا رؤية متكاملة ومنسجمة، وهذا دليل على صدق تجربته الإنسانية أولاً والأدبية ثانياً، رؤية حملت هموم وطن، وهموم الناس في وطنه، وهو وإن رحل باكراً، إلا أن آثاره لم ولن ترحل، بل ازدادت مع الأيام جلاء ووضوحاً وأهمية، وشكلت شهادة حقيقية على المرحلة التي عاشها.لا يتوفر وصف.

قضية شعب

رصد الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني حياته وأدبه ونضاله من أجل قضية شعبه وحرية وطنه، ففي روايته "رجال تحت الشمس" صور الفلسطيني تحت شموس العالم كله، سواء في المخيمات أو في المنافي، أو في جبهات التحرير، حيث اكتشف الحقيقة الماثلة أمام أعيننا جميعاً، وهي أن الفلسطيني هو مجموعة الصور تلك كلها، فكتب عن التشرد والثورة كما عاشها الفلسطينيون داخل فلسطين، وليس كما عايشها العرب وتفاعلوا معها.

وإذ يحضر السؤال عن الصورة الحقيقية للفلسطيني.. هل هو غسان كنفاني بكل ما يحمل من قيم وتضحيات دفعها ثمناً لإيمانه بعدالة قضيته، أم أنه ذلك اللاجئ السلبي الذي ينتظر الحل أن يهبط عليه من السماء؟.

 يبقى الجواب غائماً لأنه وللأسف أخفقت شموس غسان في أن تمنح للفلسطيني الدفء الذي سلبه إياه الصهاينة، هذا الفلسطيني الذي قد يصبح غجري الغد، وصورة الفلسطيني كما نراها في الرواية العربية هو ذلك البطل الأسطوري الذي يستطيع أن يحقق المعجزات، وأن يخترق صفوف العدو ويكبّده أكبر الخسائر دون أن يصاب بأذى، كما يبدو لنا ذلك المثقف الثوري الذي يحمل في ذهنه أفكار الشرق والغرب، فيظهر كائناً إنسانياً حقيقياً مثالياً في عالم مليء بالفوضى. والحقيقة قدم كنفاني الفلسطيني صورة حية بكل حالاته، فصوره اللاجئ والحزين والحالم بوطن وبأمة قادرة ومنافسة لأهداف الغرب وأطماعه.. غسان ذلك المثقف الثوري الذي يمثل أحد الرموز الإبداعية، وهب حياته كلها من أجل فلسطين، ورصد الدقائق التاريخية والنفسية والاجتماعية للإنسان الفلسطيني، فكان انتماؤه لبلده ووطنه.

ذاكرة فلسطين

من أشهر أعماله الأدبية: "برقوق نيسان، رجال في الشمس، عائد إلى حيفا، أم سعد، أرض البرتقال الحزين، موت سرير رقم 12. يقول في روايته "برقوق نيسان": "المدن مثل الرجال.. تشعر بالحزن، وتشعر بالوحدة.. تفرح وتنام.. وتعبّر عن نفسها بصورة فريدة تكاد لا تصدق.. وتتعاطف بغموض مع الغرباء أو تركلهم". أما مدن غسان كنفاني فتصبر على البلوى، تنحني في وجه الريح لكنها لا تنكسر، تحرق الغربة قلوب أشجارها وحجارتها وتكتوي لفراق الأحبة.

وتمثل مجموعته القصصية "أرض البرتقال الحزين" التي نشرها عام 1962 قراءة للواقع. وأكثر من ذلك هي احتفاء بالذاكرة الفلسطينية عبر مفردات تشبه عبق الجنة التي توقظ الموتى. غسان كنفاني يؤكد التصاقه بذاكرته، أي بأرضه، لأن هذه الذاكرة هي بوابته للعودة الحتمية إلى الوطن. "البرتقال الذي قال لنا فلاح كان يزرعه ثم خرج، إنه يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء". الأرض لا تقبل غير أهلها، ستلفظهم، بل ستبقى ذاكرة البرتقال شوكة في حلوق الصهاينة.

كما تشكل روايته "أم سعد" التي نشرها 1969 فوح الأرض فساعد أم سعد الأسمر يشبه لون الأرض. رواية عبقة بروح الأرض، تقدم ذاكرتنا، جاء على لسان أم سعد: "الزيتون لا يحتاج إلى ماء أيضاً، إنه يمتص ماءه عميقاً في باطن الأرض، من رطوبة التراب" وتقول أيضاً في دالية العنب: "سأزرعه، وسترى كيف يعطي عنباً، هل قلت لك إنه لا يحتاج إلى ماء، وإنه يعتصر حبات التراب في عمق الأرض ويشربها".. إنها حقائق لا يعرفها إلا ابن هذه الأرض.. حقائق من الصعب على الصهيوني أن يملك مفاتيحها. لقد وعى غسان أهمية الذاكرة التي حفلت بها مجموعته، وخاصة قصة "أرض البرتقال الحزين" لتأتي "أم سعد" امتدادا لهذا الوعي.لا يتوفر وصف.

الشاعر الحلم

أما غسان الشاعر فقد عرفناه من خلال قصائده التي شكلت حلم عمره، حيث شكلت قصيدته شجرة وارفة الحياة، وحالة عطاء لا تنضب، قصيدة خلّدته رمزاً للمقاومة، فشكّل شعره حالة ثقافية على التوازي مع تجربته النضالية والسياسية، ليمتشق القصيدة سلاحاً في مساحة كبيرة من الحرية، فنستقرىء الجرأة والرؤية الجديدة والمتجددة، ونقرأ فيها بعضاً من أجوبة لأسئلة تلّح علينا.. أسئلة عن الحياة، الوجود، الوطن، وقضايانا المتناثرة، كان دائماً يشحذ همم الجيل بأن القادم من الأيام أجمل وأكثر رحابة وحرية، كان متفائلاً بمستقبل الأمة وبجندها المستميتين في الدفاع عن وطنهم، هذا الوطن الذي كان يغمس قلمه في وجدانه ليكتب عن آلامه وآماله، أحلامه وتطلعاته وجماله المستباح..

كان الشاعر كنفاني شخصاً منتمياً لإنسانيته قبل انتمائه لأية قيمة أخرى، وكان مؤمناً أن الحوار والاختلاف مع الآخر هو الجوهر في فكره، وهو الطريق إلى التوافق، فكان يصوغ للآخر رأياً يفتح الباب لسجال ثقافي مديد الأبعاد متمسكاً بمبادئ هي الأولى في الحياة وبعدها يأتي أي شيء، تلك المبادئ كان ينسجها كل يوم بصيغة جديدة تبعد عنها مواتها ونمطيتها لتشع بروح جديدة في فضاء الشعر والمعرفة.

غسان القضية

أدب غسان ونتاجه الأدبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس، وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به. ففي روايته "عائد إلى حيفا" وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا، وقد وعى ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع، ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.

"موت سرير رقم 12" استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. و"رجال في الشمس" ترمز إلى ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة، وتحوّل قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق. وفي قصته "ما تبقي لكم" التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس" يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.

"أم سعد" وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين. في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 1936 في فلسطين، فأخذ يجتمع مع ناس المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر، أما القصة فلم يكتب لها أن تكتمل بل اكتملت منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه "عن الرجال والبنادق".

الرمز في القضية

كما كان لغسان وجه آخر غير وجه المناضل الذي أنهكته القضية، كان عاشقاً مرهف المشاعر والأحاسيس، وكان للمرأة في حياته دور كبير ومحوري، ظهرت جلية في أدبه ونضاله فكان يشجع النساء في الجبهة الشعبية على مواصلة النضال والقتال. وكانت كتبه مليئة بالنساء ذوات الشخصيات القوية والإرادة الصلبة. كما تجاوز الرؤية الرومانسية للمرأة وانطلق في عالم الكتابة عن الرجل والمرأة في إطار الكفاح الوطني، في قصة "العروس"، حيث تغدو المرأة، أحياناً، مصدر إيحاء بالبقاء في الوطن والتمسك بها، وأحيانا تصبح رمزاً للطريق إلى الوطن وأحيانا تكون ذاكرة الشعب الحية التي لا تموت ولا تُنسى ولا تغفر لأعداء الوطن.لا يتوفر وصف.

كذلك ارتقى بالمرأة رمزاً عندما ضمَّنها معنى السلاح ورمز الحرية، حتى معنى البشارة والولادة الجديدة، فتصبح العروس البندقية، أو البندقية العروس رمزاً متلاحماً لا انفصام فيه، ففي رواية "أم سعد" نجد أن البطلة هي رمز المرأة والأم الفلسطينية، التي تعطي ولديها للثورة، حيث يقول عنها "أبو سعد": "هذه المرأة تلد أولاداً فيصيرون فدائيين، هي تخلِّف وفلسطين تأخذ". فـ "أم سعد" هي أم الجميع، إنها الفلسطينية في داخل فلسطين، وهي أم الفدائي الذي شبّ على أرض المنفى، هي أيضاً الأم الروحية للمثقف الثوري الذي يريد أن يكون ابناً باراً لفلسطين الثورة وفلسطين الكادحين.

ثمانية عشر كتاباً

أصدر غسان كنفاني حتى تاريخ وفاته المبكّر ثمانية عشر كتاباً. وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني. في أعقاب اغتياله تمت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات. وتُرجمت معظم أعماله الأدبية إلى سبع عشرة لغة ونُشرت في أكثر من 20 بلداً، وتم إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية في بلدان عربية وأجنبية عدة. اثنتان من رواياته تحولتا إلى فيلمين سينمائيين. وما زالت أعماله الأدبية التي كتبها بين عامي 1956 و1972 تحظى حتى اليوم بأهمية متزايدة.

من كتابه "عائد إلى حيفا":

"سألت: ما هو الوطن؟ وكنت أسأل نفسي ذلك السؤال قبل لحظة. أجل ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة؟ الطاولة؟ ريش الطاووس؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي؟ شجرة البلوط؟ الشرفة؟ ما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن؟ بالنسبة لبدر اللبدة، ما هو الوطن؟ أهو صورة أية معلقة على الجدار؟ أنني أسأل فقط".

ماذا نحدّث عن غسان كنفاني وتألق إبداعاته التي ظل عبرها مشدوداً إلى فلسطين دون سواها مُغنياً تاريخها وحقولها، أرضها وسماءها، أطفالها وشهداءها دون أن يتخلّى عن إيقاع نتاجاته الأدبية على تنوعها التي حملت القضية الفلسطينية إلى العالم بأسره لتصبح جزءاً من ضمير هذا العالم كقضية شعب مكافح يحمل السلاح بيد والكلمة بيد أخرى.

لقد تميز غسان بتفكيره الثوري ونضاله في سبيل وطنه المغتصب، وتجسيد مأساة شعبه بأعمال إبداعية متنوعة، صور فيها محنته وتشرده وصموده. وهو مناضل ومفكر وإعلامي وفنان على درجة عالية من الوعي بوسائله الفنية. وقد كان في حياته ومماته شاهداً وشهيداً على أن "الكلمة الرصاصة".. "الكلمة المقاتلة" أمضى على الأعداء من السلاح.

أدباؤنا ورموزنا يرحلون بحكم قانون الحياة وصيرورتها، لكنه رحيل الجسد وبقاء الروح نبتة خضراء مورقة في أجيال تمثل الامتداد لرسالتهم وتجربتهم.

الليث حجو:"قيد مجهول" يقدم الدراما السورية بالصورة التي تليق بها
يا مـلـطـشـة الــقــلــوب
شركة فيديو أمريكية كبيرة تستثمر في إنتاج الأفلام الروسية
نذير نبعة.. سيرة إبداعية تترجم توقه الدائم إلى البحث و التجدبد.. أشخاصه دائماً في حالة ترقّب و انتظار
فوضى فيسبوكية في مؤسسات عامة تسرق الضوء من الإعلام الرسمي وتمارس دوره
الروائي الاسباني كارلوس زافون بين الأدب و الموسيقا
جاناريتا والصراع من الأسود للأبيض
فانتازيا السرد و التشويق في رواية ايتاليو كالفينو "لو أن مسافراً في ليلة شتاء"
الفيلم الأمريكي "نومادلاند" يفوز بجائزة أفضل فيلم ضمن جوائز "بافتا" البريطانية
وجهة نظر عن الترجمة
المغامرة الأولى في إنتاج نسيج الدولة
عن خيمة وسط المدينة.. وحكاية الشعراء في الهروب إلى عيون الغزلان
حقٌّ لن يمُوت..
شياطين مبدعون.. و ملائكة خاملون..
مصطفى المقداد ناعياً فؤاد بلاط