سبخة الجبول (الصامتة) بريف حلب تنطق بما تحتويه من تلوث بيئي

 أنطوان بصمه جي- فينكس- حلب:
 
بحيرة الجبول أو السبخة كما يُطلق عليها "الحلبيون" وملاحتها الواقعة قرب بلدة الجبول على بعد 40 كم جنوب شرقي مدينة حلب، بقيت تلك السبخة مصدراً للملح لكل بيت سوري باعتبارها المصدر الطبيعي الأول لمصدر الملح المنزلي، لكنها تعرضت في سنوات ما قبل الحرب للتلوث البيئي نتيجة انسكاب السوائل والمواد الكيميائية من نواتج مخلفات المعامل الصناعية المحيطة بها والتي تقارب أكثر من 10 معامل، الأمر الذي اقتصر لتحول ملح الطعام المعروف بـ "ملح المائدة" إلى ملح مستخدم في المجالات الصناعية بمختلف أنواعها بما يعرف بـ "الملح الصناعي".
تاريخياً، كان يجري نهر الذهب من ناحية باب بزاعة شرقي حلب حتى ينتهي في سبخة الجبول، فيجمد ويصير ملحاً ناصع البياض معتدلاً في الطعم، حيث تتجمع أنهار الأمطار من الأراضي المجاورة المتشبعة من مادة الملح لتصب ختاماً في المملحة، فيعد موسم الاستخراج منذ بداية شهر تموز بحيث تجف المياه نتيجة الحرارة العالية ويترسب الملح ويُجمّع على شكل أكوام متقاربة في أحواض التخزين.
وبعد مضي عام على توقيع العقد التشاركي بين المؤسسة العامة للجيولوجيا وشركة العمر لاستخراج الملح الصناعي من سبخة الجبول وملاحتها، توجه موقع "فينكس" إلى سبخة الجبول وجال حول محيط السبخة لرصد مجريات العمل والاطلاع على الواقع الميداني في ملاحتها ورصد عمليات تجميع الملح الصناعي ومعرفة الكميات المستخرجة خلال السنة الأولى من العقد التشاركي ومعرفة المعوقات التي تواجه آليات عمليات الاستخراج والمعوقات التي تقف في وجه العاملين القاطنين في القرى المحيطة بالسبخة.

وأكد مدير فرع المؤسسة العامة للجيولوجيا بحلب محمد ابراهيم لـ "فينكس" أن سبخة الجبول هي منخفض طبيعي تتجمع فيه كميات من المناطق المحيطة، إذ تبعد عن مدينة حلب ما يقارب 40 كم بمساحة إجمالية تقدر بـ 260 كم مربع، في حين تتواجد ملاحة الجبول قرب تلة الجبول وهي منشأة حيوية واقتصادية تتبع للمؤسسة العامة للجيولوجيا وتنحصر وظيفتها باستخراج الملح الصناعي والتي تعرضت للتخريب الممنهج عام 2012، مضيفاً أنه بعد عودة الاستقرار عادت الملاحة للعمل عن طريق عقد استثماري لمدة 15 عاماً وتشمل بنود العقد إعادة تأهيل الملاحة عموماً من أحواض الترسيب والمستودعات والمكاتب بالإضافة إلى عمليات استخراج الملح الصناعي الخام من الملاحة والسبخة في آن معاً.
وفيما يتعلق بالكميات المستخرجة، بيّن إبراهيم إن الكميات المطلوبة وفقاً لبند الاستثمار هو الحصول على 2500 طن خلال السنة الأولى، بالإضافة إلى الاستمرار في عمليات التأهيل للوصول إلى تنفيذ الغاية الأساسية من ملاحة الجبول المتمثلة بتغطية السوق المحلية من مادة الملح الصناعي بعد صدور القرار الحكومي بإيقاف استيراد الملح من الخارج، بالإضافة إلى توفير القطع الأجنبي مشيراً إلى سعي المؤسسة العامة مع باقي المواقع التابعة لها لتأمين حاجة القطر من الملح الصناعي.

وتابع مدير فرع حلب أن ملاحة الجبول تعمل على استخراج الملح بشكل بدائي بسبب الظروف المحيطة بالعمل والتي تفرض شكل العمل حيث لا يتم استخدام آليات أو طرق حديثة في عمليات استخراج الملح، مشيراً إلى وجود مرحلتين في عمليات الاستخراج، إذ تتمثل المرحلة الأولى بتركيز الملح الموجود في الأحواض الأولية في بداية الموسم والتي تبدأ بداية الشهر السادس، ليتم بعدها ضخ الملح للأحواض الصناعية (12 حوضاً للترسيب) حتى يترسب الملح بسماكة تتراوح بين 10-12 سم ويتم تجميع الملح فيها ووضعه في أكياس خاصة لتخزينها في المستودعات وضخها إلى الأسواق المحلية، حيث تبلغ المساحة الكلية لكل حوض 1000 متر مربع، بينما تصل مساحة حوض الترسيب الرئيسي إلى 10 هكتار، بالإضافة إلى الاستمرار في عمليات التجميع لمادة الملح الصناعي من السبخة من قبل شركة العمر التي تضم أهالي القرى المجاورة لسبخة الجبول.
ونوه مدير فرع حلب أن تصنيف الملح المستخرج من السبخة هو ملح خام صناعي لا يستخدم للطعام بسبب تركز المياه التي تصب في سبخة الجبول هي مياه ملوثة ناتجة عن المعامل المتواجدة بالقرب منها، متمنياً إيقاف هذه المصادر الملوثة للوصول إلى تصنيف الملح المنزلي النقي.

بدوره، قال صاحب شركة العمر المتخصصة باستخراج وتسويق ملح الجبول مصطفى العمر لـ"فينكس" إن مساحة سبخة الجبول تقدر بما يقارب 260كم مربع يحيط فيها أكثر من 15 قرية، إذ يبلغ امتداد السبخة بطول 40 كم ويوجد فيها مساحات واسعة تجف فيها المياه في فصول محددة تشكل الموسم السنوي للشركة ليشتكل بعدها الملح الصناعي وهنا تبدأ عمليات استخراجه، وأضاف العمر أن سبخة الجبول عبارة عن حفرة انهدامية تجميعية تتركز فيها الأمطار كانت تدعى بمجرى نهر الذهب سابقاً.
وبعد مضي عام كامل على توقيع العقد الاستثماري بين الشركة والمؤسسة العامة للجيولوجيا، أشار العمر إلى أن العقد الاستثماري ساهم بجذب أكثر من 1000 عاملاً من أهالي القرى المحيطة، بالإضافة إلى وجود أسر عملت بأكملها في استخراج الملح الصناعي على مدار الموسم الممتد على أربعة أشهر، عملت الشركة على استخراج 30 ألف طن تم تسويق 20 ألف طن في الأسواق المحلية، علماً أن الكمية المطلوبة في العقد متمثلة باستخراج 2500 طن، أي تم استخراج ما يعادل 800% من الكمية خلال العام الأول من العقد التشاركي مع الاستمرار في عمليات التأهيل.

وأضاف المستثمر مصطفى العمر أن العمل تزامن بين عمليات الاستخراج وعمليات تأهيل الملاحة وتجهيز الأحواض والسواقي وعزل المياه المالحة وتجهيز المستودعات وتم تجاوز أكثر من 60% من الخطة التأهيلية الموجودة في العقد التشاركي، مؤكداً أنه في العام القادم ستكون عمليات التصدير جاهزة ضمن خطة عمل تشمل محيط السبخة من خلال وضع حفر لجر المياه الداخلية بحيث تكون نقية، بالإضافة إلى تركيزها الملحي العالي ووضع مساكب وأحواض تخمير للوصول إلى إنتاج يتجاوز 100 الف طن الأمر الذي يسمح بتصديره.
وعن أهم المعيقات التي تواجه مشروع استخراج الملح الصناعي في سبخة الجبول، أكد العمر أن تسليط نواتج المعامل التي غيرت نوعية الأملاح وبسبب تسليط مجرى الصرف الصحي والزراعي إلى السبخة الملحية دخل الكثير من الملوثات والشوائب وتحول الملح النقي المعروف باسم "ملح الطعام" إلى ملح صناعي، حيث كان يستخرج من قبل أهالي القرى المحيطة ولم تستثمر السبخة بشكل سليم لصالح رفد خزينة الدولة قبل توقيع العقد التشاركي، لكن بعد توقيع العقد التشاركي توقفت عمليات الاستيراد لمادة الملح وتوفير حاجة السوق المحلية من المادة بالتعاون مع ملاحة تدمر التي ساهمت بشكل فعال في تغطية حاجات السوق وبالتالي إيقاف هدر القطع الأجنبي على عمليات استيراد الملح الصناعي، بالإضافة إلى أن السبخة عملت على توفير فرص عمل هائلة لجميع القرى المحيطة، مطالباً المساعدة في توفير البنية التحية للقرى المحيطة المُساهمة بعودة الأهالي إلى قراهم بعد رصد معاناة كبيرة عند أهالي تلك القرى من حيث عدم تأمين التيار الكهربائي وعدم توافر المياه الصالحة للشرب، حيث بلغ سعر صهريج المياه 30 ألف ليرة سورية ، منوهاً أن أدنى أجر يتقاضاه العامل في السبخة 5000 ليرة سورية أي بما يعادل 150 الف شهرياً.
من جانبه، قال المدير التنفيذي لشركة العمر لاستخراج وتسويق ملح الجبول المهندس رأفت العمر لـ "فينكس" إن السبخة كانت مشاعاً لجميع الأهالي قبل دخولها الاستثمار، وأن الاراضي المنتشرة حول السبخة غير خصبة للزراعة بسبب ازدياد ملوحتها وغياب الري عنها، اعتمدنا على استخراج اضعاف بنود العقد الأمر الذي يزيد من الإيرادات الحكومية، وتوقف استيراد ما يقارب 200 ألف طن من مادة الملح الصناعي ويكلف استنزاف كميات كبيرة من القطع الأجنبي، فحيرة الجبول تعد مورد طبيعي هام وعملنا على استثمارها بشكل صحيح، وعملنا خلال 4 أشهر على تغذية السوق المحلية بالملح الصناعي من معامل والجلود والألبسة والدباغات والمنظفات ومصافي النفط والحلاوة الغذائية أي أن المجالات الصناعية تعتمد على الملح الصناعي بكل أساسي، مضيفاً أن السبخة عملت على تشغيل أهالي القرى المجاورة خصوصاً من النساء، مشيراً إلى تعرض السبخة للتلوث نتيجة نواتج المعامل الصناعي المحيطة بالسبخة مثل معمل الجرارات والسكر والبطاريات ناهيك عن تسرب مجرى مياه الصرف الصناعي والزراعي والصحي في السبخة، مطالباً وضع خطة لعزل نواتج المعامل الصناعية عن السبخة والحفاظ على العنصر البشري من خلال إعادة تأهيل تلك القرى وتأمين الخدمات الأساسية التي تساهم على عودة الأهالي إلى قراهم.

وعن الخطط المستقبلية للمحافظة على عمليات استخراج الملح، أضاف المهندس العمر أن الشركة عملت على حفر بعض المساكب حول محيط السبخة لتخزين المياه الجوفية المنفصلة عن مياه البحيرة وهي بمثابة مياه مالحة نقية خالية من السموم، فقمنا بعمليات حفر بمسافة تراوحت بين 4-5 أمتار في المناطق المحيطة بالسبخة (جبارين-جبين- جب العلي- رسم النفل- أم عامود) والفكرة المستقبلية من تلك المساكب هي وضع أحواض وضخها بالمياه النقية لاستخراج ملح نقي محلل خالٍ من الشوائب وصالح للاستخدام البشري.

ونوه المهندس العمر أن الملح المستخرج من الأحواض من نوع (ضرس) يعتبر من النوع المرغوب لغالبية الصناعات وهو أنقى الأنواع المتواجدة في السبخة نتيجة وجود عمليات خاصة لاستخراج الملح الصناعي، مضيفاً أن الشركة تسعى لإدخال الآلات الصناعية لتكرير الملح على مراحل متعددة للحصول على ملح صناعي نقي ذات جودة عالية والوصول إلى تحاليل مناسبة تتواقف مع المطابقات القياسية السورية وذلك بعد أخذ الموافقات اللازمة من الجهات المعنية للوصول إلى ملح طعام نقي وصالح للاستخدام البشري.
عدد الزيارات
16177554

Please publish modules in offcanvas position.