الأخطاء الطبية في سورية قريبة من العالمية ونسبتها لا تتجاوز2%.. والشكاوى الأكثر على المشافي الخاصة

د. الحسيني: دراسة القصة السريرية الكاملة للمريض تجنبنا الكثير من الأخطاءأ الباسل مشفى طرطوس

نقيب الأطباء: تشكيل مجلس مسلكي لمحاسبة الطبيب في حال ثبت خطأه

المحامي الدايه: القانون يعاقب الطبيب حسب الأذية وقد تصل إلى الأعمال الشاقة المؤقتة

 

ميليا اسبر- خاص- فينكس:

تكررت في الفترات الماضية الكثير من حالات الأخطاء الطبية التي أدت بعضها إلى الوفاة، وما آثار الخوف والقلق أن بعض تلك العمليات تعتبر بسيطة كالولادة وعملية الجيوب الأنفية والناميات.. الخ.

يقول الأطباء إنّ الأخطاء الطبية في سورية واردة جداً لكنها قليلة، وقريبة من النسبة العالمية التي لا تتجاوز 2% ، مؤكدين ضرورة التمييز بين الخطأ الطبي الذي سببه اهمال الطبيب أو قلة خبرته، وبين الاختلاطات الطبية التي تكون خارج ارادة الطبيب ولا ذنب له فيها.

لا مكان محدد لوقوع الخطأ الطبي، قد يحدث في المشافي العامة والخاصة، إلا أن الشكاوى أكثر ما ترد على المشافي الخاصة حسب ما قاله نقيب الأطباء لـ"فينكس"

وتبقى الأسئلة المطروحة ماهي الأسباب التي زادت من الأخطاء الطبية، ومن المسؤول، وماهي الاجراءات والعقوبات المتخذة بحق الطبيب الذي يثبت خطأه.

 

صمت المشافي الخاصة

لمعرفة واقع الأخطاء الطبية في المشافي الخاصة قام "فينكس" بجولة على بعض المشافي الخاصة في دمشق، ومنها مشاف حدثت فيها مؤخراً أكثر من حالة وفاة لمرضى بطرق غامضة أو ربما أخطاء طبية لم يعترفوا بها، لكن لم نحصل على اجابة لاستفساراتنا رغم المحاولات المتكررة، حيث امتنعت ادارة المشافي وباقي المعنيين الفنيين للخوض في هذا الموضوع، واقتصر كلامهم على أنهم يقدمون خدمة جيدة للمرضى دون التطرق للحديث عما حدثت من أخطاء سابقة في المشفى، بينما كانت علامات الارباك والقلق واضحة على وجوه من التقيناهم، وكل ما قالوه أنه بإمكاننا التوجه بهذه الأسئلة للأطباء في العيادات الخاصة، وكان ردنا أنّ هذا الأمر يثير الدهشة والضحك معاً، كيف لطبيب خاص في عيادته أن يقوم بعمل جراحي دون غرفة عمليات مجهزة ودون كادر طبي متكامل، ليبقى صمتهم بعد ذلك هو سيد الموقف.

 

الفرق بين الخطأ والاختلاط الطبي

 

على العكس تماما كان التعامل مع المشافي العامة سهلاً ومريحاً حيث أكد مدير مشفى المواساة الجامعي الدكتور عصام الأمين لـ"فينكس" بأنّ الأخطاء الطبية موجودة، فالطبيب يخطئ مثل كل البشر، لكن المشكلة الكبيرة والتي تحدث دائماً هو عدم التفريق بين الاختلاطات الطبية التي تحدث خارج ارادة الطبيب و بين الخطأ الطبي والذي سببه إما الخبرة القليلة للطبيب أو الاجهاد بالعمل، علماً أنّ الخطأ قد يحدث مع أكثر الأطباء خبرة، لافتاً أنّ الاختلاط أو الخطأ الطبي هو جزء من العمل الطبي بشكل عام، ومن لا يعمل لا يخطئ. مشيراً إلى ضرورة وجود ضوابط ونظم جديدة لموضوع الخطأ الطبي وأن يعاد النظر فيها خاصة لما يتعلق بتوقيف الأطباء، فمن المفترض عدم توقيف أي طبيب حتى يثبت خطأه، ونعتبره متهماً، والمتهم بريء حتى تثبت ادانته.

 

متدنية جداً

وعن الأخطاء الطبية في مشفى المواساة، يقول د: الأمين إنّ نسبة الخطأ الطبي فيه متدنية جداً ومعدودة على الأصابع، والسبب أن كل من يعمل في المشفى أساتذة وقامات علمية، وتحت اشرافهم تتم كل العمليات الجراحية، فلا أحد يعمل بمفرده، علماً أنه تحدث بعض الاختلاطات، منوهاً بوجود 36 غرفة عمليات، وفي حال حدوث أي مشكلة فإنه تتم الاستعانة بجراحين آخرين حيث يوجد 20 جراحاً آخر وباختصاصات متعددة، ويمكن الاستعانة بهم عند الحاجة لذلك، وتدارك الخطأ مباشرة، موضحاً أنّ الأخطاء الطبية تكثر في المشافي الخاصة أكثر من العامة وذلك لأنّ الطبيب في الخاص يعمل لوحده، ولا يوجد أكثر من غرفة علميات واحدة أو غرفتين، كما أنه لا يوجد تخصصات طبية كبيرة لذلك نسبة الاختلاطات تكون أكبر، كاشفاً أنه في حال وجود حالة مرضية معقدة في المشافي الخاصة يتم تحويلها إلى المشفى العام لكي لا يبقى المريض بحالة خطر أو يتحملوا أي مسؤولية في حال حدوث اختلاط طبي أو غير ذلك.

 

عدم القيام بالدراسة الطبية الكاملة

بدوره رئيس الجمعية السورية لطب الجلد والمدير العام السابق للهيئة العامة لمشفى دمشق الدكتور هيثم الحسيني أشار إلى أنّ الأخطاء الطبية ليست على مستوى بلدنا وإنما هي على مستوى العالم وتحدث في أرقى المراكز الطبية، ولكن الأخطاء الطبية يمكن أن تحدث نتيجة بعض الحالات التي لها علاقة بعدم القيام بالدراسة الطبية الكاملة للمريض (القصة السريرية) أو بسبب الاختلاطات الطبية التي تحصل أثناء اجراء العمل الجراحي أو تقديم المعالجة الدوائية وتالياً يؤدي هذا إلى اضطرابات أخرى في الجسم، مثل توقف القلب أو نزوف أو مشاكل أخرى على مستوى الأعضاء النبيلة كالكلية أو الدماغ، وتالياً هذه المضاعفات تؤدي إلى الوفاة، منوهاً أن هذه الدراسة تجنب الأطباء الكثير من الأخطاء الطبية، إضافة الى أن بعض المرضى يأخذوا الدواء بغير الطريقة التي يكتبها الطبيب أو يكون هناك اهمال بتناول بعضها ما يؤدي الى خطأ طبي، ونتائج لا تحمد عقباها.

 

تختلف من مركز لآخر

نسبة الاخطاء الطبية في سورية تختلف من مركز لآخر، و نسبة الأخطاء الطبية عالمياً تتراوح بين 2- 5% ببعض المراكز، ويمكن اذا كانت في دول متخلفة والتي لا يوجد فيها العناية الطبية أو التعقيم الطبي المتكامل قد تصل إلى 8% حسب ما ذكره د: الحسيني، منوهاً أنه عندما كان مديراً عاماً سابقاً لمشفى دمشق كان يتم اجراء 30 عملاً جراحياً بالمشفى يوميا على مستوى 12 غرفة عمليات، و نسبة الوفيات كانت قليلة لا تتجاوز 2%، و عند حدوث أي وفاة يتم تشكيل لجنة لدراسة أسباب الوفيات عند المرضى وتقييم للفريق الطبي، وهذا الأمر ينطبق على باقي المشافي القطاع العام، ما يعني أن الخطأ الطبي في سورية قريبة من العالمية.

 

تشكيل مجلس مسلكي

نقابة الأطباء الجهة المعنية أولاً وأخيرا بمتابعة الشكاوى التي ترد إلى النقابة والمتعلقة بالأخطاء الطبية التي تحصل.

نقيب أطباء سورية الدكتور كمال عامر أوضح لـ"فينكس" أنّ الأخطاء الطبية تحدث في العمليات الكبيرة والصغيرة، لكن غالباً الوفيات التي تحدث تكون بسبب اختلاطات طبية خارجة عن ارادة الطبيب، لافتاً أن دور النقابة في حال ثبت على الطبيب وجود خطأ طبي محاسبته من خلال تشكيل مجلس مسلكي مؤلف من ثلاثة أطباء برئاسة قاضي برتبة مستشار، واتخاذ العقوبة المناسبة، وفي حال لم يقتنع الأهل باللجنة الثلاثية يمكن تشكيل لجنة خماسية فيها طبيبين يثق بهما الأهل، لافتاً أن طبيعة العقوبات تحددها اللجنة المسلكية تمتد من تنبيه - انذار – عقوبات مادية – وقد تصل إلى اغلاق العيادة حسب نوع الخطأ، علماً أن اللجنة تكون محلّفة ويرأسها قاض، مشيرا أنّ الاخطاء الطبية قليلة لكنها موجودة، حيث أن الخطأ الطبي ينجم عن اهمال الطبيب أو قلة احتراز أو عدم اتباع الطرق الطبية المتعارف عليها بمعالجة المريض، أما الاختلاط فهو خارج عن ارادة الطبيب وغير مسؤول عنه أبداً.

ولدى سؤاله أيهما تكثر فيها الأخطاء الطبية في المشافي العامة أو الخاصة أجاب أنّ الخطأ يمكن أن يحدث بأي مشفى سواء كان خاصاً أو عاماً، إلا أنه تكثر الشكاوى على المشافي الخاصة.

وختم بالقول: إنه لا يوجد طبيب يحب أن يؤذي مريضه، فهو يحرص على سمعته المهنية لأنها رأس ماله، فأي تقصير غالبا غير مقصود.  

 

رأي القانون

للقانونيين رأيهم أيضا في هذا الموضوع حيث بيّن المحامي عبد الفتاح الدايه أنّ القانون السوري يعتبر إن التزام الطبيب تجاه مريضه هو التزام ببذل العناية، أي أن يقدم الطبيب لمريضه الجهد اللازم وفقاً لعلمه وخبرته، ويمكن لتعريف محكمة النقض للخطأ الطبي أن يوضح الأمر أكثر، فقد عرفته بأنه انحراف في السلوك والتقصير ببذل العناية بصورة تؤدي إلى الإضرار بالغير، وتالياً فإنه يترتب على الطبيب في حال ارتكاب الخطأ مسؤوليات مدنية وأخرى جزائية أمام المحاكم السوريّة، و أما في القانون الجزائي فيعاقب الطبيب حسب النتيجة، هل تسبب بالإيذاء أم تسبب إهماله بالوفاة؟ أم ارتكب الجرم قاصدا؟ منوهاً أنّ وتحريك الدعوى تحتاج إلى صاحب العلاقة أو وكيله أو وليه.

 

بعد الرضا والموافقة

صحيح أن القانون أجاز بصريح المادة ١٨٥ في قانون العقوبات العمليات الجراحية، ولكنه اشترط القيام بها وفقاً للأصول وبعد الرضا والموافقة أو الضرورة الماسة، وأعطى للمتضرر من خطأ الطبيب حق الرجوع إلى القانون للمطالبة بحقه، فإذا كان الإيذاء لا ينجم عنه تعطيل عن العمل يزيد عن عشرة أيام عاقب المتسبب بالحبس لمدة لا تزيد عن ستة أشهر على الأكثر أو الحبس التكديري (الحبس الذي لا يتجاوز عشرة أيام) إضافة إلى الغرامة حسب ما قاله المحامي الدايه، وتصبح العقوبة حبس لمدة لا تزيد عن السنة وغرامة إذا تجاوز التعطيل عن عشرة أيام، وإذا تجاوز التعطيل العشرين يوما تصبح العقوبة حبس من ٣ أشهر إلى ٣ سنوات وغرامة، وفي حالة سبب الإيذاء قطع أو استئصال عضو أو بتر أحد الأطراف أو تعطيلها أو تعطيل إحدى الحواس أو عاهة أو تشويه يعاقب مسبب الضرر بالأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات على الأكثر. وحتى ما يسميه البعض "الموت الرحيم" تدخّل القانون لمنعه وعاقب الطبيب أو أي شخص آخر غيره يقتل إنساناً قصداً بعامل الاشفاق بناءً على الحاحه بالطلب بالاعتقال المؤقت من خمس إلى عشرة سنوات.

و أما ما بتعلق بالقانون المدني أوضح الدايه بأنّ المشرع السوري أخذ بالمسؤولية التقصيرية بما يتعلق بالطبيب والأخطاء الطبية، ومنع كل شرط أو اتفاق يقضي بالإعفاء من هذه المسؤولية، أي مسؤولية الطبيب عن عمله غير المشروع الذي ألحق الضرر بالمريض، فقد ورد في القانون المدني السوري المادة /١٦٤/ أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض.

 

وفق الأصول والاجراءات

وذكر الدايه أنه كما هو الحال بالمسؤولية الجزائية، فإن الطبيب يُسأل عن الخطأ أمام المحاكم المدنية أيضاً وفقاً للأصول والإجراءات المتبعة وبعد ادعاء من صاحب العلاقة أو وكيله أو وليه، ولا يشترط بقاء المريض على قيد الحياة، فلقد أعطى القانون حق المطالبة بالتعويض لذويه وورثته من بعده، وعملاً بقاعدة أن البينة على من ادعى، فإنه يقع على عاتق المريض أو وليه أو وكيله أو ورثته إثبات إهمال الطبيب أو تقصيره، وتقوم المحكمة من جانبها بالقيام بما يلزم للتحقق والتوسع كالاستعانة بالأطباء وخبرتهم لتكون الأمور أكثر وضوحاً لها قبل أن تقرر أخيراً صحة الادعاء وتالياً مقدار التعويض أو العقوبة.

وختم الداية بالقول: يجب التوضيح أن القانون بالقدر الذي أراد به حماية المريض وحقوقه، فإنه وبالوقت عينه التفت إلى الطبيب أيضاً وحقوقه، حيث أعفى الطبيب من المسؤولية إذا ثبت وقوع الخطأ بسبب قوة قاهرة أو خطأ المريض أو خطأ الغير، واعفاه أيضاً إن تمكن من إثبات أموراً وعوارض صحية أخرى كانت وراء حدوث الخطأ.

عدد الزيارات
16178089

Please publish modules in offcanvas position.