محطة معالجة القليعة - عين الدلبة وقوة الفساد

تحقيق كنان وقّاف- فينكس- خاص:

نادرا ما يكون الحصول على وثائق في التحقيقات الإستقصائية أمرا يسيراً، في الغالب يكون استحصال وثيقة موقعة ومختومة حسب تراتبية صدور القرار الرسمي أمراً في غاية العسر، فاالمسؤول عن صدور القرار يحاول وبشتى الوسائل منعه من الوقوع في أيدي الإعلام لسببين لا ثالث لهما، إما أن يكون القرار خاطئا ولا يريد تحمل النتيجة لخطأ يقع فيه كل بشري تبعاً لمسيرة الحياة الطبيعية، وهنا قد يوجد المبرر والدافع لتبرئة أو الصمت عن هذا المسؤول، أو أن هذا القرار يكتنف في طياته فسادا من نوع ما يريد المسؤول عن صدوره التكتم عن الأمر حتى تمام الأمر "وقبض نصيبه" وهنا يصبح الدافع والضمير ملزما لفضح هذا القرار والمسؤول عنه.
في تحقيقنا هذا كانت الصدمة شديدة الوقوع على رؤوسنا بسبب الكارثة "كارثة القرار"، ولكن الذهول الأشد كان على أعيننا بعد أن رأينا حجم الملفات والمراسلات والإعتراضات والشكاوى والأخذ و الرد بين إدارات الدولة كنتيجة لقرار كارثي جمع أحد المواطنين أوراقة حتى بلغت حدا لا يمكن لعقل بشري أن يستوعبه، (تخيلوا) أنه تم ملء أربعة أكياس من "الخيش".. فقط، أما ما هو القرار ولماذا حكمنا عليه بالكارثي؟ فالتفاصيل هي الآتي، ولكم الحكم.

- 2 -
تكاليف اسطورية
4.5 مليار ليرة سورية هي تكلفة إنشاء محطة معالجة القليعة - الدلبة للصرف الصحي، والتي حسب الحجج الوزارية المقدمة، فإنها ستقوم بمعالجة مياه الصرف الصحي لأكثر من 50 ألف نسمة في منطقة الدريكيش بدءاً من نيع الدلبة وانتهاءاً بجبال فجليت والتي يتراوح عددها بحدود 36 قرية، وبالتالي فإن عملها هو منع التلوث الجاري في مياه الأنهار المارة من هذه المناطق بسبب انتهاء الصرف الصحي إليها والتي تصب نهاية الأمر في سد الدريكيش، وهذا ما يعتبر أقوى الحجج المقدمة من وزارة الموارد المائية والتي ترتكز عليها كحجة دامغة، فهذه المحطة - الخارقة الحارقة - ستوقف التلوث الخطير في السد بمنع مياه الصرف الصحي غير المعالجة عنه كي لا يصبح أكبر "جورة فنية" في المنطقة، وموقعها هو الموقع الأنسب، محاسنها البيئية هي الأشد روعة، ميزاتها تكاد تضاهي أوروبا، و (ع شوي) يكاد يقال أنها ستحول المكان إلى جنات عدن.. ولكن: هل هذه هي الحقيقة فعلا؟ هل تستحق هذا الرقم الأسطوري المخصص لإنشائها؟ وهل هي بهذه الروعة القرمزية التي تم تصويرها بها؟ والأهم من ذلك كله (وعلى مسؤوليتنا) هل هي حقا محطة معالجة صرف صحي؟ أم مشروع فساد متكامل الأركان؟ ولأننا قلنا أن هذا التساؤل على مسؤوليتنا، فإننا وبكل بساطة سنثبت ذلك بعد عرض تلك الكمية المرعبة من الوثائق "الرسمية" التي ذكرناها لكم سابقا، وعلى غير العادة التي عهدناها في مثل هذه الملفات المشبوهة ذات الخطط الخرافية التبرير، فإن مقولة ما خفي كان أعظم لا تنطبق هنا، والفساد في هذا المشروع على عين الجميع، فمن مخالفة المراسيم الرئاسية إلى التراجع عن القرارات الصحيحة وليس انتهاءا بالاستعانة بقوات حفظ النظام لتنفيذ المشروع بالقوة (بسبب اعتراض أهالي المنطقة)، ومن هنا نبدأ القصة.

القصة.. هل هي مشروع فساد؟
نريد من أحد العباقرة الذين تبنوا هذا المشروع أن يقنعنا بأية طريقة، أنه يعتقد بـ"صوابية" مكان إنشاء المحطة، ونريد منهم مجتمعين على تراتبية مناصبهم تكذيب ما سيرد من الدراسات والتوصيات والمقترحات واللجان التي سنوردها مع أرقامها "كوثائق رسمية" والتي أقرت كم الأخطاء المهولة والمخالفات الجسيمة المرتكبة بهذا الخصوص.
1- كتاب مديرية البيئة في طرطوس رقم 353/ص تاريخ 13/3/2018 الذي يؤكد غياب دراسة الأثر البيئي لإنشاء المحطة، أي أن قرار إنشاء المحطة اتخذ دون تقييم الأضرار البيئية التي قد تحصل جراء إنشائها في هذه الموقع، وهذا ما يفسر بوضوح حجم الأخطاء التي ظهرت لاحقا .
2 - تقرير كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق رقم 769/ص تاريخ 25/4/2017 الذي يؤكد أن موقع المحطة غير مناسب، لأنه محاط بعدد كبير من الينابيع الجوفية وأي تسرب لمياه الصرف الصحي من المحطة سيلوث هذه الينابيع وستخسر مدينة الدريكيش وقراها أهم مصادر مياه الشرب فيها، ويكمل التقرير شرح سلسلة الأخطاء المضحكة في اختيار الموقع فيذكر أن موقع المحطة يقع فعليا ضمن المجرى القديم لنهر "قيس" أي ما يسمى هندسيا مجرى الموجة الفيضانية، وهذا يعني فعليا أن أي فيضان محتمل نتيجة لغزارة الأمطار سيغمر المحطة ويقوم بجرفها كلية، وخلاصة التقرير حرفيا توصي "لا بد من نقل المحطة من هذا المكان.... ويرجى اختيار مكان مناسب تختلف ظروفه عن ظروف الموقع الحالي".
3 - فرع المؤسسة العامة للجيولوجيا بطرطوس، كان تقرير الوصف الهيدرولوجي والجيوهندسي واضحا جدا حين قال: إن إقامة المحطة في سرير النهر من الناحية العلمية غير مبرر.
4 - المؤسسة العامة لمياه الشرب في طرطوس، بتقريرها رقم 7812/و.م تاريخ 18/9/2018 المعد من قبل وحدة مياه الدريكيش وتقول فيه: إن المحطة تقع شرق نبع الدلبة بمسافة 2 كم ومنسوبها أعلى من منسوب نبع الدلبة و الينابيع المجاورة.
5 - الموارد المائية / فرع طرطوس / في تقريرها الفني رقم 437/ص المقدم لمحافظة طرطوس ذكرت بشكل تفصيلي إن الضفة اليسرى للنهر بجانب المحطة تماما هو عبارة عن - جبل انهدامي بشكل جرف شديد الإنحدار - بما يعني إمكانية انهيار هذا الجرف الجبلي عند ارتفاع منسوب المياه و (طمر) المحطة تماما. ثم يكمل التقرير شرحه - يجب الأخذ بالحسبان أن الموجة الفيضانية ستتجه إلى موقع المنشأة "المحطة" مباشرة (وهذا يطابق تماما تقرير كلية الهندسة.. تذكروا هالكلام).
6 - محضر اجتماع مجلس محافظة طرطوس بحضور السيد وزير الموارد المائية (الوزير الأسبق) تاريخ 12/10/2017 والذي اقترح المحافظ في نهايته نقل المحطة إلى ما بعد سد الدريكيش لوجود أرض مستملكة تابعة لوزارة الموارد المائية وهذا هو الحل الأفضل باعتبار الموقع الحالي "خاطئ".
7 - كتاب وزير الإدارة المحلية رقم 1750 / خ و ا تاريخ 13/10/2018 ويطلب فيه من وزير الموارد المائية دراسة موقع بديل أقل ضرراً من الموقع الحالي للمحطة، خصوصاً بوجود أرض مستملكة بعد جسم السد.

- 3 -
  "فيلا "المتنفذ
لم تعد كلمة "من المعيب" تناسب ماحصل في هذا القضية، ولا نجد الكلمات التي تصف أو تعبر عن صفاقة الوضع الذي وصلت إليه الأمور، لأن كلمة واحدة من رجل متنفذ كانت أصوب من كل هذه المقررات والمقترحات والدراسات، وإطلالة "فيلته" أصبحت أهم من مناشدات 50 ألفاً من البشر المتضررين، ونفوذه أقوى من كل الجامعات والمؤسسات الحكومية.
في حديث الناس عند موقع هذه المحطة الميمونة تسمع الكلام المخزي بتدخل المتنفذ (د -.....) وإبقائها في مكانها الخاطئ، بعضهم يدعي أن موقعها الأصلي كان بعد جسم السد وهو ذات الموقع المقترح من المحافظة، ولكنه خشي من انبعاث روائح تكرير الفضلات باتجاه بنائه الفخم فوضع إمكاناته العظيمة في إبعادها عنه، ولا مانع أن يشم الناس في القرى الملاصقة تلك الروائح نفسها "بافتراض حدوث ذلك فعلا".
طبعا من المستحيل إثبات هذا الأمر، لكن الإصرار على الموقع الحالي ومخالفة التوصيات والدراسات من كل تلك الجهات العامة وبهذا الشكل الفاقع يشي تماما بوجود خطب ما بلا أدنى ريبة، وإلا فيلتفضل السادة المسؤولون عن القرار ويبرروا للناس هذا الإصرار الشديد، وخصوصا بعد التراجع المفاجئ من الإدارات نفسها عن دراساتها السابقة، حتى وصل الأمر من بعضهم إلى التنصل كليا من كتبه وتقاريره.

تراجع فجائي
نفهم تماماً أن تخطئ إدارة ما في دراسة أو تقرير معين، و الأمر الطبيعي للإدارات أو الأشخاص هو احتمالية حدوث الأخطاء، لكن الإقتناع بأن ثلاثة أو أربعة مؤسسات وإدارات بكل كوادرها ومعداتها وخبراتها قد أخطأت بالإجماع فهذا ما يصعب تصديقه، ثم أن يكون خطأها مجتمعاً في الموضوع نفسه، فهذا -تحديداً-  ضرباً من المحال.
لكن المحال نفسه حصل، فبعض هذه الإدارات كان انسحابها على خجل وبتكتيك الصمت، لكن بعضها غيّر كلامه بالمطلق وبما يناقض ما صدر عنه بداية.. خذوا مثلا:
1 - كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق.
من اللافت فعلاً قولها الحرفي في التقرير الثاني - إن موقع المحطة لا يتأثر بالموجة الفيضانية "تذكرتوا شو قالت بالأول" - لا بل إنها تراجعت أكثر من ذلك بخصوص منسوب الينابيع بالنسبة للمحطة قائلة: إن الموقع أخفض طبوغرافيا عن الينابيع المجاورة وبذلك فإن المحطة لن تتسبب بتلوث هذه الينابيع "وهنا أيضا خالف كلامه".
ولم ينس معد التقريرين (المتناقضين) ذكر أن سبب التراجع عن تقريره الأول هو الوثائق الجديدة المقدمة من قبل مديرية الصرف الصحي بطرطوس والتي تتضمن حسب قوله إنشاء تصوينة للمحطة مع عبارة قسطلية والتهذيب الجيد لمجرى النهر.
2 - إدارة المؤسسة العامة للجيولوجيا.
هي الأخرى انسحبت بدبلوماسية فطنة فلم تناقض التقرير الذي أعده فرعها في طرطوس والقائل بعدم وجود مبرر لإنشاء المحطة في سرير النهر، بل أقرت في تقريرها إمكانية إنشائها معللة ذلك باتخاذ وزارة الموارد المائية كافة الإحتياطات اللازمة مع التشديد على أهمية المشروع في رفع التلوث عن نهر الدلبة "الذي لم يحصل فعليا حتى الآن".
3 - وزارة الموارد المائية.
وهنا أيضا نرى حجم التناقض المخيف، فالوزارة خالفت تقريري مديريتها و مؤسسة مياه الشرب في طرطوس، وادعت النقيض تماما بكتابها الموجه لمحافظ طرطوس رقم 68/ص م و تاريخ 26/6/2018 بالتأكيد أن منسوب نبع الدلبة والينابيع الأخرى أعلى من موقع المحطة بما لا يؤثر على جبهات التغذية، "أي" عدم الخوف من حصول تسرب وتلوث مستقبلي للينابيع.
4 - محافظة طرطوس.
بعد توصية مجلس المحافظة والمحافظ بنقل موقع المحطة في الاجتماع الذي حضره الوزير آنذاك (12/10/2017)، تراجعت بشكل دبلوماسي لاحقا معتمدة على تقارير مديرية الصرف الصحي بطرطوس المعتمدة من الوزارة (كما ذكرنا) التي تفيد بأن المديرية اتخذت كافة الإجراءات الإحترازية ولا صحة لكل ما يقوله المعترضون من سكان المنطقة بآلافهم المؤلفة أو العريضة الموقعة من 50 مختار قرية و 30 رئيس جمعية فلاحية.. فقط.

- 4 -
مديرية الصرف الصحي
 
هل سيقتنع عقل "سمكة" بصحة ذاك الكم الهائل من الإدعاءات المثالية التي قدمتها مديرية الصرف الصحي بطرطوس؟ من يستطيع تصديق تقاريرها التي تدعي فيها اتخاذها كافة الإجراءات والتدابير والإحتياطات والملاحظات.. إلخ إلخ؟ إن كانت شوارع مدينة طرطوس تغرق بالمياه سنوياً لتصبح كالأنهار، ورغم ذلك تقدم التقارير بجمالية الوضع تماماً، من يثق بمديرية لديها ثلاثة محطات معالجة جاهزة وترفض استلامها لأسباب ومبررات شديدة "التفاهه" ومحطتين تم استلامها ولكنها ترفض تشغيلها، أي مجنون سيصدقها إن كان مديرها ظهر على إحدى القنوات الرسمية نافيا وجود أي خطر من تلوث مستقبلي تسببه محطة المعالجة هذه لوجود دراسة الأثر البيئي، فيقوم مدير البيئة بعد الإتصال به بنفي ذلك على الهواء مباشرة في الحلقة نفسها، وبعد كل هذا يطلب من جموع الأهالي في القرى المجاورة لهذه المحطة تصديق ما تدعيه بعد كل تلك الدراسات والتقارير.
والأهم من ذلك كله والأشد ألما أن المدير قام بطلب مؤازرة قوة من حفظ النظام للمباشرة بالتنفيذ، فهل وصلت الإستهانة بكرامات الناس الخائفة على مياه شربها إلى هذه الدرجة.

على أرض الواقع
"نتفة" مطر.. أغرقت المحطة
اغفلوا كل ما قرأتم في هذا التحقيق، وادعوا أننا بالغنا في الوصف أو تجاوزنا في الحيثيات، هي العادة التي درج عليها السادة المسؤولون في غالب تحقيقاتنا، ورغم أن هذا التحقيق متخم تماماً بأرقام الكتب والدراسات الرسمية الصادرة من الجهات المختصة، لكن العادة لم تتغير في الإنكار والإلتفاف ثم المراوغة والتضليل بطريقة إظهار دراسات وكتب مؤيدة لوجهة نظرهم، وإغفال كل ماعدا ذلك، ولكي نضع الأمور في نصابها فإننا سندعي على أنفسنا وعلى غيرنا "المسؤولين نقصد" عدم الدقة وستكون أرض الواقع هي الفيصل بيننا بعيدا عن كل الأوراق بما فيها من وجهتي نظر مؤيدة أو معارضة للمشروع، و حكمها كان كالآتي:
إنه بتاريخ 12/5/2018 أمطرت بغزارة جيدة في الدريكيش وتشكلت السيول، وبما لا يحتاج علم "اكتشاف الذرة" فإن الأمر الطبيعي هو توجه هذه السيول وتجمعها في الأنهار، وهنا تكفلت أرض الواقع بكل شئ - لأن الطبيعة صادقة ولا تعمل بمبدأ الوساطة والاستنفاع -، فأحرجت كل مسؤول عن هذا القرار حين غمرت مياه السيول كامل المحطة وفضحت حقيقة الأمر بدقائق معدودة، الطبيعة أيها السادة قالت لكم ببساطة أن المحطة ضمن سرير النهر وأن سيولا بسيطة تكفلت بطمر مشروعكم، فكيف بموجة فيضانية قوية، وأنها توازي أو تنخفض عن المنسوب الطبيعي لمجرى مياه النهر، وأن موقعها خاطئ بامتياز، وأية تبريرات تقال بعد هذا الحدث هي محض كذب صريح.

ختاماً.. حكمة المجنون
أثناء مقابلتنا للأهالي والإستماع لشكواهم. حكى لنا السائق الذي أقلنا وهو من أهالي المنطقة عن "مجنون" في القرية، تتلخص قصته في أن أحد الرجال أراد السخرية منه وإقناعه ببناء بيت والزواج مثل كل الرجال، المجنون تحجج بعدم امتلاكه أرضا لبناء هذا البيت، هنا عرض عليه الرجل أرضا على حافة النهر كي يبني بيته عليها، ضحك المجنون ساخرا من الرجل وقال حكمته الرائعة (النهر متل الدهر.. رح يجي يوم وياخد حدو)، وصدق فعلا فالنهر أخذ حده ومجراه الطبيعي ولم ير محطة معالجة أو غيرها، وأصبحت كلمة المجنون حكمة يتداولها الناس لصدقها أمام كذب المسؤولين عن هذا القرار، قرار انشاء محطة معالجة القليعة - الدلبة.
 
مواد ذات صلة
عدد الزيارات
16852029

Please publish modules in offcanvas position.