سورية تدخل خطر الانهيار المجتمعي وتسجل 15 حالة انتحار شهرياً

الهيئة العامة للطب الشرعي: تزايد حالات الانتحار عن العام السابق.. وحلب في المرتبة الأولى

أخصائي الطب النفسي: تشكيل منظومة طبيبة متكاملة ونشر التوعية النفسية بكافة قطاعات المجتمع

أخصائية اجتماعية: عرض الأبناء على المختصين عند الشعور ببوادر اضطرابات نفسية أو اجتماعية

 

ميليا اسبر- فينكس- خاص

 

عشر سنوات من الحرب المدمرة كانت كفيلة لتغير سلوكيات المجتمع السوري وتجعله يقوم بأفعال لم تكن منتشرة قبل الحرب إلا على نطاق ضيق أخطرها ظاهرة الانتحار التي بدأت تتفشى وبكثرة في المجتمع لاسيما خلال الأشهر القليلة الماضيةالبوابة نيوز: الطب الشرعي السوري يتعرف على 50 جثة انتشلت من ريف دمشق.

ضغوطات الحياة الاقتصادية والنفسية والاجتماعية كانت أهم الدوافع للوصول إلى الانتحار حسب ما أكده الاختصاصيون في هذا المجال، إلا أنّ بعض ممن انتحرن من الإناث كان بسبب تعرضهن للابتزاز مقابل المال أو الجنس كما حصل مع احدى الفتيات التي انتحرت عندما لما يتوفر لها أحد الخيارين.

116 حالة انتحار إجمالي الاحصائيات في سورية منذ بداية العام الحالي وحتى بداية الشهر التاسع منه ما يعني أنّ حالات الوفاة بالانتحار تشكل 14.5 حالة شهرياً أي بمعدل حالة انتحار واحدة كل يومين وهي مرتفعة جداً من وجهة نظر مدير عام الهيئة العامة الطب الشرعي في سورية، علما أننا أقل دول العالم بالانتحار لكن هذا لا يعني أن الأمر ليس خطيراً وإزهاق روح واحدة تعد كارثة حقيقية.

الذكور أكثر انتحاراً

مدير عام الهيئة العامة للطب الشرعي الدكتور زاهر حجو (الصورة) كشف لموقع "فينكس" أنّ العدد الاجمالي لحالات الانتحار في سورية منذ بداية العام الحالي وحتى الأول من شهر أيلول فقد بلغ 116 حالة منها 86 ذكور و30 إناث، لافتاً أنّ الطريقة التي يختارها المنتحرون هي الشنق حيث سجلت 48 حالة بهذه الطريقة ويعزي حجو هذا الأمر إلى سهولتها وتوفر أدواتها البسيطة، فهي متاحة للجميع و هنا تكمن خطورتها، بينما انتحر 27 شخص بطلق ناري، و 18 سقوط، إضافة إلى 16 بالتسمم، بينما سجلت حالة انتحار واحدة عن طريق الذبح.

لم يقتصر الانتحار على البالغين والكبار بل تعدى ذلك حدود البراءة والطفولة فقد كان من بين المنتحرين 18 من القاصرين ذكوراً واناثاً، علما أن الأعمار التي تحدث فيها الانتحار عادة تتراوح بين 18 و 30 سنة إلا أن هذا المفهوم لم يعد ينطبق على حياة السويين بعد تعرضهم لكافة أنواع الضغوطات خلال سنوات  خلال الحرب والتي أثرت على الصغير قبل الكبير.

حلب أولاً

محافظة حلب أتت في المرتبة الأولى بعدد المنتحرين والتي سجلت فيها حتى تاريخه 23 حالة تليها ريف دمشق واللاذقية بتسجيل 18 حالة في كل منهما، في حين جاءت القنيطرة في المرتبة الأخيرة بتسجيل حالة واحدة فقط، علما أنها لم تسجل فيها أي حالة انتحار منذ ثلاث سنوات، و من الملاحظ أن حالات الانتحار بدأت بالتزايد هذا العام عن سابقه وهذا مؤشر مخيف ومقلق حسب ما قاله مدير الهيئة العامة للطب الشرعي، منوهاً أن العام الماضي سجلت البلاد 124 حالة، بينما هذا العام سجل 116 وما يزال هناك أربعة أشهر لانتهاء السنة، متوقعا أن يزاد العدد أكثر من ذلك بكثير، حيث يوجد نسبة وتناسب، فإذا أخذنا معدل الحالات وتقسيمها على عدد الأشهر نجد أن معدل الوفيات انتحاراً هي 14.5 وفاة شهريا أي أنه بمعدل تسجيل حالة انتحار كل يومين وهو معدل مرتفع عن العام الماضي الذي كان فيه معدل الوفيات بالانتحار 10.3 شهرياً.

خط ساخن للتواصلسوري ينتحر في مكان عمله بتركيا وزملاؤه يرمونه في الشارع - قناة العالم  الاخبارية

يأمل د: حجو ألا يقتصر دور الطب الشرعي على احصاء الأعداد فقط، بل أن يتم تشكيل لجنان وتخصيص خط ساخن للتواصل مع الأشخاص الذين لديهم رغبة بالانتحار وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل ، منوهاً أنّ هذا الاجراء متبع في كل دول العالم ويساهم إلى حد كبير بجعلهم يعدلون عن قرارهم.

مدير الهيئة العامة للطب الشرعي اقترح بأن تنعقد الندوات في المناطق التي تسجل فيها أكثر حالات انتحار بحيث تتم مناقشة الموضوع ودراسة الأسباب بعمق وايجاد حلول له، علما أن سورية من أقل دول العالم بالانتحار لكن هذا لا يمنع أن الأمر خطير، معتبراً أن ازهاق روح مواطن هي مأساة حقيقية، لذلك من الضروري أن يتم العمل على انشاء الطب الشرعي الوقائي بحيث نشير إلى مكامن الخلل المهددة بأمن المجتمع الصحي.

تراجع الطب النفسي

بدوره الأخصائي في الطب النفسي الدكتور هيثم علي الذي بدأ حديثه بالتذكير باليوم العالمي للانتحار الذي يصادف العاشر من أيلول من كل عام، مؤكداً أن هناك حوالي 800 ألف حالة انتحار في العالم سنويا وهي أحد أسباب الوفيات المرتفعة عالمياً، مشيراً أن الانتحار يعتبر مشكلة نفسية صحية اجتماعية واقتصادية مركبة موجودة بكل دول العالم، لكن في سورية لا تعطى أهمية لهذا الموضوع بسبب تراجع الطب النفسي فهناك نقص في المشافي النفسية وأيضا بعدد الأطباء والاستشاريين النفسيين.

أسباب الانتحار

هناك أسباب كثيرة للانتحار أهمها الاضطرابات النفسية منها الاكتئاب أو الاضطراب المزاجي كالقلق، لذلك نقول مع كل وقوع حالة انتحار يقابلها 20 محاولة فاشلة سابقة حسب د: علي، وأن الانتحار يحدث في ذروتين الأولى بعمر الشباب بين 15- 25 سنة، والثانية بعمر الشيخوخة فوق 70 سنة، مضيفاً بوجود عوامل أخرى مؤدية للانتحار منها شخصية- أسرية -بيئية -اجتماعية واقتصادية إضافة إلى انتشار المخدرات بشكل كبير، مشيراً أنّ الانتحار يحدث في لحظة يكون فيها الشخص قد وصل إلى مرحلة اليأس الشديد لدرجة يشعر أنه ليس للحياة أي قيمة أو معنى وهو غير قادر على التحمل.

عدم انكار المشكلة النفسية

وذكر د: علي أنه من الضروري العمل على جوانب عديدة أهمها هي عدم انكار وجود مشكلة نفسية عند الشاب والتي تعتبر السبب الثالث للموت عند الشباب عالمياً، وفي مجتمعنا يعتبرونها وصمة، و أنه في حالات كثيرة يكون الاكتئاب رقم واحد للتفكير بالانتحار، لكن عندما تعالج بشكل صحيح يمكن أن تشكل وقاية من الوصول للانتحار، كذلك لابد من العمل على التوعية النفسية للأهل والمدرسة، وفي كل قطاعات المجتمع، فعندما نرى أن الشخص بدأ يتغير ولم تعد تهمه حياته، فمن المؤكد أنه يمر بأزمة شديدة، وغير قادر على التكيف، من هنا يجب أن نسأل الشخص بماذا يفكر، و ما يجول في داخله وأن نبحث له عن حلول ولا نتركه لوحده كي لا يصل لمرحلة الاحساس بالعجز والاحباط وتالياً الوصول للانتحار.

منظومة طبية

وبين د: علي أنه لا يوجد في سورية احصائيات حقيقية أو دقيقة لحالات الانتحار حيث يجب أنّ يكون لدينا منظومة مكونة من الطب النفسي والصحة العامة لأنّه في أحياناً كثيرة تحدث وفيات نتيجة تخلي الشخص مثلا عن تناول دوائه كالضغط والسكر وهذا يسمى انتحار غير مباشر وتاليا يؤدي الى الموت وكذلك من يتعاطى الكحول ويقود السيارة بسرعة كبيرة نسميه سلوك انتحاري، من هنا نقول أنه لا يوجد لدينا مسح حقيقي على مواضيع تدخل بالصحة النفسية، موضحاً أن الصحة النفسية والجسدية تكملان بعضهما البعض حتى القلق الذي يعيشه الانسان يؤثر على الضغط – السكر – المناعة – القلب، كاشفاً أنّ الصحة النفسية لا تعني الخلو من المرض لكنها القدرة على التعامل مع الحياة وايجاد حلول لها والتكيف معها وهذا بحاجة إلى جهد وعمل كبيرين بكل المجالات الطبية وليس النفسية فقط.

للأخصائيين في علم الاجتماع أيضاً وجهة نظر في موضوع الانتحار فالبيئة والأسرة تلعبان دورا مهماً في ذلك .

دكتورة علم الاجتماع بجامعة دمشق هناء البرقاوي ذكرت أنه في الآونة الأخيرة لاحظنا العديد من حالات الانتحار للمراهقين وللشباب، وهذا الأمر كما هو بارز من خلال ما يتركه المنتحر من رسائل تعود لضغط البيئة الأسرية فطالب بكالوريا متفوق وقبل الامتحان يقدم على الانتحار لماذا؟

 

ضغط البيئة والأسرة

وذكرت د: البرقاوي أن عوامل الانتحار متشابكة لتزايد حالات الانتحار ولا يمكن الأخذ بعين الاعتبار عاملاً محدداً في وصول الفرد إليها ، حيث يمكن أن تكون البيئة الأسرية أحد العوامل الضاغطة على حياة المراهق والشاب لدفعه لحالة إزهاق الروح، مشيرة أنّ العلاقة الأسرية مهمة جدا في تكوين حياة أسرية سليمة للأولاد وعندما تأخذ العلاقات فيها شكل القسوة، الحرمان، التسلط، العنف بمختلف أشكاله، إضافة إلى غياب الحوار بين أفراد الأسرة يمكن أن تشكل هذه العوامل شخصية هشة لدى الفرد تسبب له بعض الاضطرابات النفسية التي تتشارك مع العوامل الاجتماعية فتؤدي بالفرد إلى فكرة الخلاص من الحياة لأن الأمور الضاغطة وصلت لمرحلة لم يعد بإمكان الفرد السوي التعامل معها فأسهل طريقة لديه هو التفكير بإزهاق روحه

على سبيل المثال لا الحصر يرهق الآباء ظنا منهم أنهم يحبون الأولاد بطلب الدراسة الكاملة وطيلة النهار لكي يدخل الطالب كلية الطب وعندما يزداد الإلحاح لدى الأهل دون أن يدركوا رغبات الابن وطموحاته تزداد ثقل هذا الضغط وعدم قدرته على التأقلم والتكيف معه وعندما يصل به الأمر إلى عدم التوافق مع الذات ومع الأسرة قد يلجأ إلى التخلي عن الحياة للهروب من هذا الضغط، كذلك الذي يعيش في ظل ظروف اقتصادية صعبة ويعجز تماماً عن إيجاد حلول مرضية وآمنة نتيجة الضغوط المختلفة التي يتعرض لها قد يلجأ إلى الانتحار، ولا ننسى البطالة وتفاقم الشعور بالفشل والضياع قد تكون من العوامل الضاغطة والدافعة للانتحار.

 صباحنا غير| د. هناء برقاوي: أستاذة مساعدة في علم الاجتماع في جامعة دمشق  2020/5/14 - YouTube

لوسائل التواصل الاجتماعي دورها أيضاً

يحب ألا يغيب عن البال السبب الضاغط وهو غير ما سبق ليس قسوة ولا عنف ولا عدوان بل ترك المراهق الشاب لوسائل التواصل الاجتماعي دون رقابة نتيجة انشغال الأهل بتأمين متطلبات الأفراد قد توصل البعض من المراهقين نهاية ما يشاهدونه إلى الانتحار، ونعلم جميعاً أن حالات الانتحار في سوريا لم تكن موجودة بكثافة كما يلاحظ اليوم إما لأنه يتم تعتيم الإحصائيات أو بسبب مواقع التواصل الاجتماعي التي نشطت اليوم بالحديث عنها حسب د: البرقاوي، منوهة أن طلبة الجامعة أيضا لم ينأوا من الانتحار فسمعنا عن حالات لطالبات رمين أنفسهن من الطوابق العليا بالسكن الجامعي نتيجة الابتزاز والتهديد بفضح أمورهن وخوفاً من رود فعل الاهل أقدمن على الانتحار.

وختمت د: البرقاوي بالقول : إنّ موضوع الانتحار يحتاج إلى دراسة اجتماعية ونفسية للتوصل إلى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الانتحار، ولكن لعدم التمكن من القيام بذلك حاليا يمكن التوجه إلى الأسر بعرض أبنائهم على المختصين النفسيين والاجتماعيين عندما يشعرون ببوادر اضطرابات نفسية أو مشاكل وصعوبات اجتماعية وليس في هذا الأمر ما يعيب وإنما يمكن أن يكون عاملاً من عوامل الحفاظ على الأبناء وحمايتهم من أي مخاطر يمكن أن تلحق بهم الأذى.

عدد الزيارات
15138814

Please publish modules in offcanvas position.