Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

غورباتشوف يكشف أسرار مداولات ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي

لم يكد الرئيس السوفياتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف يفرغ من احتفاله "المحدود" بالذكرى التسعين لميلاده، حتى باغته أحد أبرز غرماء الماضي القريب بإماطة اللثام عن كثير من أسرار الماضي، وما جرى خلال الأشهر القليلة التي سبقت تاريخ المحاولة الانقلابية في أغسطس (آب) 1991 وما تلاها من أحداث جرت سريعة هادرة سرعان ما أسفرت عن "إلغاء الوجود القانوني للاتحاد السوفياتي" السابق حسب إعلان غورباتشوف في الـ25 من ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

مداولات المعاهدة الاتحادية الجديدة

وكان ليونيد كرافتشوك الرئيس الأوكراني الأسبق قد أدلى بتصريحات حول ما دار خلال مداولات صياغة "المعاهدة الاتحادية الجديدة"، قال غورباتشوف، إنها "مكذوبة ولا تمت للواقع بأي صلة". وسارع بافيل بالاجتشينكو المتحدث الرسمي باسمه ومساعده "الصدوق" الذي طالما رافقه خلال سنوات عمله رئيساً للدولة السوفياتية، مترجماً ومستشاراً للشؤون الأميركية، ليُكذّب ما أدلى به الرئيس الأوكراني الأسبق ليونيد كرافتشوك من تصريحات حول أن غورباتشوف رفض اقتراحاً كان يدعو إلى بقاء الاتحاد السوفياتي "كدولة كونفدرالية" بديلاً للفيدرالية التي رفضها رؤساء كثير من جمهوريات تلك الدولة المترامية الأطراف المتعددة القوميات.

ومن المعروف أن كرافتشوك الأمين الأول السابق للحزب الشيوعي الأوكراني، كان أحد أبرز دعاة "الانفصال" في الفضاء السوفياتي السابق، الذي قاد مع الرئيس الروسي بوريس يلتسين حملة الخروج من الإمبراطورية الشيوعية بتوقيعه مع يلتسين، وفياتشيسلاف شوشكيفيتش رئيس بيلاروسيا (الآن بيلاروس) معاهدات "بيلوفجسكويه بوشا" في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1991 التي كانت السند القانوني الذي اتكأت عليه بقية الجمهوريات السوفياتية لتبرير جنوحها نحو الاستقلال، وما أسفر عملياً عن انهيار الاتحاد السوفياتي وإعلان غورباتشوف تنحيه عن رئاسة الدولة وانتهاء الوجود القانوني للاتحاد السوفياتي في الخامس والعشرين من ذات الشهر من العام نفسه.

وكان الرئيس السوفياتي الأسبق وفي إطار محاولاته إنقاذ الدولة، طرح عديداً من المقترحات التي تضمنتها صياغاته للمعاهدة الاتحادية الجديدة للإبقاء على الاتحاد السوفياتي دولة اتحادية بموجب نتائج الاستفتاء الشعبي، الذي شارك فيه ما يقرب من 80 في المئة من مواطني الاتحاد، وإن رفضت المشاركة في ذلك الاستفتاء جمهوريات البلطيق الثلاث (استونيا ولاتفيا وليتوانيا) التي لا يزيد عدد سكانها مجتمعة على عشرة ملايين نسمة، من مجموع تعداد الاتحاد السوفياتي البالغ آنذاك 280 مليون نسمة.

غورباتشوف يرفض اقتراح يلتسين

وعلى الرغم من أن الرئيس الأوكراني الأسبق كرافتشوك كان قد تناول هذه المرحلة وتلك المداولات التي دارت حول صياغة المعاهدة الاتحادية الجديدة في أكثر من حديث ومناسبة، فلم نسمع منه أو نقرأ عنه أنه قال بمثل ما أعلنه في حديثه إلى قناة "أوكرانيا 24" خلال الأيام القليلة الماضية، وما سارع إلى دحضه ونفيه بافيل بالاجتشينكو الناطق باسم غورباتشوف ورئيس الجهاز الصحافي لمؤسسته البحثية في موسكو. قال كرافتشوك إن الرئيس غورباتشوف رفض اقتراحاً تقدم به الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين حول الإبقاء على الاتحاد السوفياتي "دولة كونفدرالية" مثل سويسرا يتداول فيها رؤساء الجمهوريات السوفياتية الحكم كل عام بصفة مستمرة".

ومضى الرئيس الأوكراني الأسبق ليقول، إن غورباتشوف رفض ذلك، مبرراً مثل ذلك الرفض بما قاله حول "أن رئيس الدولة يجب أن يكون واحداً". وفي تصريحاته لوكالة أنباء "سبوتنيك" الروسية الحكومية قال بالاجتشينكو، إن الرئيس الأوكراني الأسبق يريد إعادة كتابة التاريخ حين يقول إن غورباتشوف رفض مثل ذلك الاقتراح. وأضاف، "إن غورباتشوف هو الذي قدم اتفاقية تحويل الاتحاد السوفياتي إلى كونفيدرالية لرؤساء الجمهوريات السوفياتية في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1991. وعبر يلتسين للصحافيين حينئذ عن اعتقاده بأنه لا بد من أن يكون هناك اتحاد فيدرالي. ثم تم تخريب هذه الفكرة بسبب رغبة يلتسين وآخرين في التخلص من غورباتشوف"، على حد تعبيره.

ومضى المسؤول الإعلامي لمؤسسة غورباتشوف ليقول إنه "كان يجب طبقاً لاتفاقية تحويل الاتحاد السوفياتي إلى اتحاد كونفدرالي أن يبقى الأمن والدفاع والسياسة الخارجية ضمن نطاق اختصاص الاتحاد".

ولا يفوتني بهذا الصدد الاستشهاد بما قاله ليونيد كرافتشوك، رئيس أوكرانيا، خلال أول لقاء معه في مكتبه في كييف قبيل أول زيارة كان يعتزم القيام بها إلى القاهرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تعليقاً على خلافاته مع غورباتشوف، ودور يلتسين في الانهيار. قال كرافتشوك إن يلتسين كشف له عن أنه قبيل سفره إلى بيلاروسيا أبلغ غورباتشوف بفكرة لقائهما مع رئيس بيلاروسيا، وأن غورباتشوف طلب منه أن يعرض عليه، أي على كرافتشوك، إدخال ما يراه مناسباً من تعديلات حتى يتسنى طرح المعاهدة للتوقيع.

وكان ذلك قبل سفر غورباتشوف في إجازته السنوية في أغسطس (آب) 1991. وقال كرافتشوك إنه رد على يلتسين بقوله، "وما رأيك أنت في هذا؟". وحين أعلن يلتسين بأنه سيوافق على ما يعلنه كرافتشوك من مواقف، قال الرئيس الأوكراني إنه لن يوقع على أي معاهدات اتحادية، وهو ما عقّب عليه يلتسين بقوله، "وأنا أيضاً لن أوقع مثل هذه المعاهدة".

محرك انهيار الاتحاد السوفياتي

وكان كرافتشوك قد أعاد تقريباً هذه التصريحات التي كان أدلى بها في حديثه، قبيل زيارته إلى القاهرة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، في حديثه إلى بوابة "فاكتي" التي نقلت عنه ما قاله حول "إنني أجيب دائماً، عندما يتهمونني بالإسهام في تدمير الاتحاد، كلا، كرافتشوك نفّذ إرادة الشعب الأوكراني الذي صوت بما يقرب من 91 في المئة منه، أي نحو 28 مليون شخص، في الاستفتاء لصالح استقلال أوكرانيا وانتُخب كرافتشوك رئيساً. وكان غورباتشوف سألنا، (ربما تفكرون في صيغة الاتحاد الجديد؟) لقد أخبرت يلتسين، بوريس نيكولايفيتش (أي يلتسين)، لا أحتاج للتفكير أكثر، لقد صوت الناس. وقلت له، إذا انتخبك الروس وصوتوا لك بمثل هذه النسبة، واقترح كرافتشوك عليك عدم الاستماع إليهم، فمن الذي سوف تستمع إليه؟ كرافتشوك أم شعبك؟ فقال، بالطبع، للناس. وتابع لقد استمعت أيضاً إلى شعبي. والآن أحث السلطات على الاستماع إلى شعبها واحترامه".

وخلص الرئيس الأوكراني الأسبق إلى أن بيلاروسيا كانت تنظر إلى روسيا وتنتظر موقفها، في وقت كانت الشكوك فيه تساور يلتسين. أما هو فقد كان حسم أمره واتخذ موقفاً لا لبس فيه بشكل قاطع، مؤكداً "أنه لا يوجد خيار آخر. كل شيء محدد سلفاً. لم تعد هذه الإمبراطورية موجودة منذ فترة طويلة"، فيما اعترف صراحة بأنه كان "محرك انهيار الاتحاد السوفياتي"، وذلك لأنه كان يعتقد في "أن سياسات البيريسترويكا التي اعتمدها غورباتشوف كانت أسهمت في الوصول إلى تلك النهاية"، على حد تعبيره. على أن ما قاله كرافتشوك في هذا الشأن يبدو على غير وفاق مع كثير من وقائع التاريخ التي كشفت عن دور بوريس يلتسين في التعجيل بالإطاحة بغورباتشوف، وما أسفر عن ذلك من تسارع وتيرة الانهيار.

وفي هذا الشأن يذكر التاريخ أن بوريس يلتسين كان صاحب مبادرة إقرار السوفيات الأعلى لروسيا الاتحادية بعد انتخابه رئيساً في الـ 12 من يونيو (حزيران) 1990 لإعلان "مرسوم سيادة واستقلال روسيا الاتحادية" الذي لا تزال روسيا تحتفل به تأريخاً لعيدها القومي كل عام منذ ذلك الحين. ولعل الإجابة عن السؤال حول "عمن استقلت عنه روسيا بإصدارها لمثل هذا المرسوم" يمكن أن تكون خير إجابة حول ماهية المسؤول الأول عن التعجيل بعملية الانهيار!

أخطاء غورباتشوف

وفي هذا الصدد تضافرت "جهود" الغريمين، غورباتشوف ويلتسين لتسفر مجتمعة عن النهاية المحتومة التي أسهمت فيها "أخطاء" الرئيس السوفياتي الأسبق، ومنها ما يتعلق بانفجار "المشكلة القومية" التي طالما حرصت القيادة السوفياتية على بقائها دون مستوى الغليان، وإلغاء "المادة السادسة" من الدستور السوفياتي التي كانت تكفل للحزب الشيوعي احتكار السلطة بعيداً عن فكرة تعدد الأحزاب، فضلاً عما اعترف به غورباتشوف من أخطاء في حديثه إلى "التايمز" البريطانية، ومنها إصلاح الحزب الحاكم والإصلاحات الاقتصادية التي كانت هدفاً رئيساً لسياسات البيريسترويكا، وإن أغفل جريمة الخيانة التي ارتكبها عدد من رفاقه في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، وأبلغه بها في حينه رئيس جهاز أمن الدولة "كي جي بي" فلاديمير كريوتشكوف.

ونضيف إلى كل ذلك ما صار معروفاً حول سقوط غورباتشوف وعدد محدود من رفاقه في شباك اللعب على أوتار "الليبرالية والديمقراطية"، وما نجحت تلك الدوائر في تمريره تحت اسم "البيريسترويكا والجلاسنوست"، وهي الصورة القديمة لفكرة "الثورات الملونة" التي اجتاحت وتجتاح الفضاء السوفياتي السابق، منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، وذلك ما عاد غورباتشوف واعترف به في نهاية المطاف حين قال، إنه لا يستطيع أن يعفي نفسه من جزء من المسؤولية تجاه انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وفي تصريحات صحافية، أكد غورباتشوف،" أن الاتحاد السوفياتي كان في حاجة إلى الإصلاح، وكان ذلك ممكناً لو تحلى كل من المشاركين في هذه العملية بقدر من المسؤولية".

خيار الكونفدرالية

وعلى الرغم من مضي ما يقرب من ثلاثين عاماً منذ الإعلان عن انهيار الاتحاد السوفياتي فإن ما يصدر مع كل يوم جديد من تصريحات واعترافات و"أسرار" عمن بقي من أبطال المرحلة، يميط اللثام عن مزيد من الأسرار والمعلومات، التي لا تزال طي الكتمان "وراء أقفال سبعة" على حد القول الروسي المأثور.

ولعل ما كشف عنه الرئيس الأوكراني كرافتشوك حول أن "فكرة الكونفدرالية" كانت مطروحة كحل للخروج من الأزمة التي احتدمت حول صياغة المعاهدة الاتحادية الجديدة، وأكد الناطق الرسمي باسم غورباتشوف أن الرئيس السوفياتي هو الذي كان طرحها، يمكن أن يكون تفسيراً لكثير من الأحداث التي دفعت "رفاق غورباتشوف" إلى القيام بما كان يسمى بـ "انقلاب أغسطس" في عام 1991، وما قاله قادة ذلك الانقلاب حول أن "غورباتشوف كان على علم بما خططوا له"، و"أن كل شيء كان متفقاً معه عليه".

وكان الجنرال فالنتين فارينيكوف القائد الأسبق للقوات البرية، نائب وزير الدفاع الروسي، أحد قادة "الانقلاب"، أكد هذه المعلومات التي قال إنه يستند إليها في رفضه للعفو العام الذي أصدره البرلمان الروسي بحق "الانقلابيين" في عام 1992، وأنه لن يخرج من محبسه إلا بحكم قضائي يقول بتبرئته من مثل هذا الاتهام، وهو ما تحقق له في ذات العام.

سامي عمارة

اندبندنت عربية

التسلل الانتخابيّ صوب المَقْعَدَين العَلويِّيْن
وعود بالدعم وتشجيع على «الوحدة» أميركا لـ«قسد»: ممنوع التصالح مع دمشق
كيف يمضي رؤساء أميركا وأوروبا حياتهم بعد التقاعد؟
أهوال مخيم الهول.. خوف وموت
سوريا.. عودة طال انتظارها لبيت العرب
لبنان والعباءة السورية؟
ماذا يفعل رؤوساء أمريكا طوال اليوم؟
التغيّر المناخي في طريقه لتدمير اقتصادات الدول الأفقر
أمريكا تختزل العلاقات مع تركيا إلى 30 دقيقة.. و أردوغان صار مرهقاً للجميع
ماذا تخفي "أزمة السفراء" بين الغرب وتركيا أردوغان؟
تصفية «المهاجرين» برعاية أنقرة: الجولاني يوسّع «إمارته»
تعلموا الديموقراطية في السعودية؟
أزمات المناخ سلاح أميركي جديد.. فماذا عن العرب؟
مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: أخطأنا بحق الرئيس الأسد وسورية
الولايات المتحدة: روسيا تقترب من استخدام الغاز كسلاح في وجه أوروبا