Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المثاقفة والشعر.. الهوية الشعرية بين الأصالة والاستلاب

د. محمد ابراهيم علي- خاص فينكس:

تؤدي حركة المثاقفة (acculturation ) بين الشعوب دوراً مهماً في رفد العمليات الإبداعية بمعطيات تنشأ من تلاقح الثقافات، وتُشكّل الترجمة حجر الأساس في عملية المثاقفة بين اللغات، فهي تؤسس لدينامية ثقافية تخرق العزلة الثقافية التي تفضي إلى الركود والانحطاط، ويُعدُّ الشعر ميداناً واسعاً للمثاقفة عبر آليات التناص والاستلهام والاستيحاء، ولا تخلو هذه الآليات من إشكاليات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم الانتماء والهوية والأصالة، وهذا ما كابده الشعر العربي الحديث في تفاعله مع المنجز الأدبي الغربي.

فقد تجاذبت العلاقة مع الغرب على المستويين الثقافي والشعري مواقف نقدية مؤيدة ومعارضة، وكانت الهوية محور هذه التجاذبات، فالتفاعل والتواصل مع الغرب ضرورة حضارية برأي المؤيدين، وهي ضرورة تنبع من أهمية مواكبة آخر ما توصل إليه الغرب في شتى الميادين؛ والإفادة منه في خلق رؤية حداثية للكون والإنسان وفق مبدأ المثاقفة، إلا أن المعارضين يأخذون على المتثاقفين مع الغرب استلابَهم أمامه، وهو استلاب يؤدي إلى طمس الهوية العربية بتحوّل هذه المثاقفة إلى غاية بحد ذاتها.

لقد عمد شعراء الحداثة العرب- برأي المعارضين- إلى استعارة أدوات الآخر الغربي في التفكير والصياغة والبنى والأشكال، وإسقاطها على الشعر العربي الحديث من دون مراعاة الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتباينة بين المجتمع الغربي والمجتمع العربي، فجاء نتاجهم الشعري غريباً عن الواقع ومعطياته التي ينبغي أن تحكم تطوره، وقد حمل هذا النتاج مواقف شعرية من التراث تدعو إلى تحطيم اللغة الشعرية الموروثة وتفجير علاقاتها البالية، كما تدعو إلى تحرير الصورة الشعرية من قيود التشابيه والاستعارات التقليدية، وتؤسس لإيقاع شعري يتجاوز البحور والأوزان التي استنفدت شعريتها، وهذه المواقف تتجاهل أن تطور اللغة لا يكون من خارج التراث، وأن تقنيات الصورة الحديثة يمكن أن تستمدّ جذورها من التراث البلاغي، وتُطَوِّر أدواتها من داخله، وأن إيقاع الشعر العربي له خصوصية نابعة من هوية هذا الشعر المتمايزة عن أشعار الأمم الأخرى، وهذا ما دفع الباحث مصطفى خضر للتساؤل:"أليست حداثة ضائعة تلك التي تغادر ذاكرتها، لتصطنع (شعرية) طارئة تستمد عناصرها من ذاكرة مختلفة تكوّنت من خارج تطوراتها الذاتية؟"، وهو سؤال يطرح إشكالية غياب الهوية الشعرية العربية أمام حضور الآخر الغربي.    

ولئن قَبِلَ بعض النقاد بالتواصل مع الغرب؛ فإنهم اشترطوا أن يكون هذا التواصل وسيلة وليس غاية، الهدف منه التجدد والتطور، وإغناء المعطيات الثقافية بما يتلاءم مع خصوصية المجتمع العربي وتطوره، بحيث تتضافر العوامل الخارجية مع الداخلية في سبيل تشكيل مناخ ملائم للتجديد، ولذلك يشترط هؤلاء النقاد التمثّل والتفاعل والأصالة لقبول المؤثر الخارجي، فالتمثّل- كما يقول د.خليل الموسى- شرط للتفاعل، والتفاعل شرط للإبداع، وهما من مقومات الأصالة، وهذه الشروط متداخلة متفاعلة لا غنى لأحدها عن الآخر، ولا فصل فيما بينها في آلية العمل الإبداعي.

وقد أقر شعراء الحداثة العرب بأثر شعراء الغرب وتقنياتهم في إبداعاتهم، ومن ذلك إقرار بدر شاكر السياب بتأثره بشيلي وكيتس وإليوت، ونازك الملائكة بإدغار ألن بو, وخليل حاوي بلامارتين, وصلاح عبد الصبور بإليوت وبودلير, وإقرار نزار قباني بتأثره بالثقافة الفرنسية، وعبد الوهاب البياتي بالثقافة الروسية، وتُعدّ قصيدة (الأرض الخراب) لإليوت النموذج الأكثر وروداً في تنظيرات النقاد للتأثر الشعري العربي بالغرب على صعيد الشكل والمضمون. وقد تمثّل شعراء حركة (مجلة شعر) على وجه الخصوص هذا التأثر على المستوى الشعري، وسوّغوه نقدياً، وهذا ما دفع بعض النقاد إلى وسمهم بالمتهافتين على المآدب الغربية، كما وصل الأمر لاتهامهم بالعمالة والسعي لتخريب الذوق الشعري العربي عبر اقتباسهم واستيحائهم لآراء الغرب وأفكاره، وتقويم الشعر على أسس لا تمت للخصوصية العربية بصلة.

وقد شكّل أدونيس خط الدفاع الأول في وجه المنتقدين، شعراً وتنظيراً نقدياً، فهو لم ينكر تأثره بالغرب معللاً ذلك بالضرورة الحضارية للتطور، يقول أدونيس: "أحب هنا أن أعترف بأنني كنت بين من أخذوا بثقافة الغرب، غير أنني كنت كذلك بين الأوائل الذين ما لبثوا أن تجاوزوا ذلك، وقد تسلحوا بوعي ومفهومات تمكنهم من أن يعيدوا قراءة موروثهم بنظرة جديدة، وأن يحققوا استقلالهم الثقافي الذاتي"، فالتأثر، برأي أدونيس، طريق إجباري للتجديد، على ألا يلغي هذا التأثر هوية المتأثِّر؛ لأن الذي لا يتأثر هو الذي لا يحيا ولا يفكر ولا يتنفس، والمهم أن يتأثر أحدنا ليتحول ما تأثر به، ويصبح جزءاً من شخصيته، فالشاعر المعاصر لا يلتمس ينابيعه في تراثه وحده، وإنما يلتمسها في هذا الكل الحضاري الشامل المتشكل من تلاقح الثقافات، ويستشهد أدونيس رداً على تهمة تقليد الشعر العربي الحديث للغرب، والحكم تبعاً لذلك على الحداثة الشعرية العربية بأنها غير أصيلة، يستشهد بتأثر بودلير ومالارميه، وهما معاً أساس الحداثة في الشعر الفرنسي، بالشاعر الأمريكي إدغار ألن بو، ومن ثم تأثر ماياكوفسكي ببودلير ومالارميه ورامبو في التأسيس للحداثة الروسية، فضلاً عن تأثر رامبو نفسه بالمصادر المشرقية.

والخلاصة، إن التأثر بالغرب ضرورة لابد منها، على أن يميز المتأثِّر بين علاقة بإبداع شعري ناجز، وعلاقة بالعقلية التي تقف وراء هذا الإبداع، فيستفيد الشاعر العربي الحديث من هذه العقلية التي ابتدعت تقنيات كالأسطورة والرمز، والتعبير عن اليومي والمعيش في إنجاز حداثته الخاصة، صاهراً كل المعطيات التراثية والغربية على نحو لا يطمس الهوية بقدر ما يؤصلها ويمنحها طاقة حركية تواكب المتغيرات.