Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هزيمة ميسلون وعوامل انهيار أول دولة عربية حديثة

كتب الدكتور عبد الله حنا:

عوامل انهيار أول دولة عربية حديثة

                            (1918 – 1920)
               وهزيمة ميسلون في 24 تموز 1920 
تعود الجذور التاريخية للإنهيار إلى حادثة إلقاء الشيخ التنوويري محمد رشيد رضا صاحب جرية المنار الاسلامية فيي مصر درسا في الجامع الأموي خريف 1908، وتصدي مشايخ الصوفية لدرسه الثاني تحت قبة النسر في الجامع الأموي بدمشق ومحاولة الاعتداء عليه كما ذكرنا في الحلقات السابقة.
               ويورد فخري البارودي في مذكراته كيف أحاط بالشيخ رشيد جمهور كبير من المؤيدين لكلامه لحمايته من اعتداء الآخرين، أي من جزء من المستمعين من أصحاب الطرق الصوفية بأحزابها وجبروتها. وكان اللغط والضوضاء على أشدهما، حتى خرج الشيخ رشيد ومن معه من باب صحن الجامع، وأُدخل الشيخ رشيد دار الشيخ أديب تقي الدين القريبة من المسجد للاستراحة، وتجنّب الاصطدام مع الجمهور الغاضب على رأيه في أمور دينية تنويرية لم ترق لمشايخ الطرق الصوفية.أ عبد الله حنا
        وثمة عدة روايات حول الوقائع، التي جرت في الدرس الثاني، وما تلاها من أحداث في مساء 25 – 11 – 1908، ومغادرة الشيخ رشيد لدمشق على جناح السرعة في صباح 16 – 11 – 1908، تجنبا لإعتداء الغوغاء عليه، في وقت لم تكن السلطة في دمشق قادرة على ضبط الأمور. وهذا ما ذكرناه في حلقات سابقة. وبتوضيح أكثر لم تكن العامة السائرة وراء فقهائها راضية عن قيام دولة حديثة غير دولة السلطان عبد الحميد المتستر بعباءة الخلافة.
                                       ***
   والواقع عدم تمكّن حركة الإحياء العقلاني المتمثلة في جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده ومن سار على نهجهما (و منهم العلماء المجتهدون في دمشق) من ترسيخ دعائم التطور ذي الأبعاد البورجوازية الليبرالية. فالثورة المضادة للإصلاح، التي قادها السلطان عبد الحميد مستعينا بشيوخ الطرق الصوفية أذبلت الأزهار المتفتحة، وأخّرت عملية النهوض فترة من الزمن.
                وغالبا ما كان الفقهاء والعامة يجبران "أهل العقل على النزوح" و"الهروب" من البلد أو التقيّة –وهي ضرب من الكتمان تجنبا من غضب الفقهاء وإعتداء العامة.
         أشار إلى هذه الظاهرة بوضوح صلاح الدين القاسمي في جريدة المقتبس الدمشقية 1912 تحت عنوان "العلم والعامة"، قال فيها:  
        "…العامة حُرمت بسبب الجاهلين ما أحلّ الله من العناية بضروب العلوم الرياضية والكونية حتى الدينية كالتفسير والحديث". و "العامي لا مذهب له وإنما مذهبه قول مفتيه في الضغط الفكري على العلماء واضطرار هؤلاء لاتخاذ التقيّة شعاراً في أغلب الأحايين.. وكم كتم العالم ما يجول بخاطره من الحقائق العلمية وشُرد الآخرون إلى بلاد نائية".
        وتحت وطأة هذه الظروف الداخلية ندرك صعوبة نشاط الشباب اليعربي المستند إلى "الطبقة الوسطى" والرافع لعلم الثورة العربية 1916 ودولتها الوطنية الشامية في دمشق.  
         هذا هو العامل الداخلي التراثي الواقف حجر عثرة أمام قيم الدولة الوطنية الحديثة.
              ويليه العامل الثاني الداخلي لإنهيار الدولة العربية الشامية هو أن المدن الشامية الكبرى تأرجحت بين: العثمانية.. و أوروبا الرأسمالية.. والحركة القومية العربية.  
فبيروت وبورجوازيتها الكومبرادورية المتطلعة إلى السوق الأوروبي الرأسمالي لم تكن راغبة في الابتعاد عن السوق العالمية.. الجمعية الإصلاحية البيروتية المؤسسة في بيروت 1912 من تجار وأصحاب بنوك وبعض ملاك الأراضي والأطباء والمحامين والصحفيين" لم يكن لها فاعلية بعد انتهاء الحرب 1918 وكانت تتججه بأيصارها نحو أوروبا وسوقها التجارية.
        وحلب بحرفها المزدهرة وبوزجوازيتها التجارية، التي ارتبطت مصالحها بسوق الأناضول والعراق، لم تكن شديدة الحماس للدولة العربية..
       أما دمشق وانتاجها الحرفي وتجارتها المستندة على الانتاج المحلي تطلعت إلى السوق الداخلية الواسعة وكَمُنت مشاعر تجارها وحرفييها في تسويق انتاجها وفي قيام دولة موحدة.                                                                
             ***
      خارجيا
     تجاذبت الدولة العربية الشامية محاور عدة:
- المطامع الامبريالية البريطانية والفرنسية.. 
- المشروع الصهيوني..حرب ميسلون1
- الطموحات المتعددة والمتباينة للوطنيين السوريين والعراقيين الطامحين إلى بناء دولة عربية حديثة مستقلة متطورة.. 
- موقف الأمير فيصل بن الحسين وسعيه لعقد صلات مع مختلف القوى المجتمعية من الأعيان الإقطاعيين إلى "الطبقة الوسطى" وبخاصة مثقفيها النافذين. 
***
نعود ثانية لتتبع عوامل انهيار الدولة العربية الحديثة، داخليا وهي:
             -  انعزال الحركة الوطنية في دمشق على أعتاب موقعة ميسلون عن بقية المدن والأرياف.
-  حلب كمدينة اعترفت بالدولة القومية باستحياء. على أعتاب يوم ميسلون قرر مجلس أعيان حلب برئاسة كامل باشا القدسي الاستسلام وتسليم حلب تجنبا لدمارها، ولهذا كافأ الفرنسيون كامل باشا بتعينه حاكما لحلب. أما أريافها الغربية فشهدت انتفاضات هنا وهناك لا مجال لذكرها هنا.
- الفلاحون أصحاب الملكيات الصغيرة كانوا جاهلين بما يجري حولهم ومنهكين من السنوات الحالكة للحرب العالمية الاولى (السفر برلك).
- فلاحو الأراضي المملوكة من الإقطاعيين كانت تلسع سياط وكلائهم ظهور الفلاحين.
-  عدم مشاركة الفلاحين في النضال أيام الانذار. إن مدة إنذار الجنرال الاستعماري غورو الزاحف بجيشه من بيروت بإتجاه دمشق كانت قصيرة لم تمكّن المخلصين للدولة العربية الحديثة من حشد سائر القوى للوقوف أمام الطغيان الاستعماري.
- قبل الحرب العالمية الأولى كانت البرجوازية الدمشقية على صلات حسنة وتفاهم لا بأس به مع الفلاحين ولاسيما الأغنياء منهم.. وكانت البرجوازية تعقد الآمال الكبيرة على هذا اللقاء بين المدينة البرجوازية والريف الفلاحي للنضال ضد الحكم التركي. 
- أما في العهد الفيصلي فلم تهتم قمة السلطة بالفلاحين وأعرضت عنهم. ولذلك فإن الفلاحين في مناطق القلمون والزبداني ووادي العجم وحوران الذين كان من الممكن استنفارهم للحرب كانوا غير مهيئين نفسيا وبدون تعبئة مادية، إلى درجة أن جنود الجيش المسرّح ومعظمهم من الفلاحين رفضوا العودة إلى الجيش واتجهوا دون اكتراث إلى قراهم. 
- جبل الدروز، الذي كان فرسانه القوة الشعبية الرئيسية المؤيدة للثورة العربية انكفأ على نفسه وانسحب فرسانه من دمشق لأسباب يطول شرحها.
- وهكذا دخلت جماهير دمشق "وحيدة" إلى ساحة النضال في تموز – ولم يكن بإمكانها خلال أيام معدودات وفي جو تسوده الفوضى والاضطراب ونشاط عملاء الاستعمار أن تصدّ الزحف الاستعماري الفرنسي. 
- لا بدّ من دراسة حركة العامة (الغوغائية) التي سيطرت على شوارع دمشق في الربع الثالث من تموز سنة 1920، وهجومها على القلعة للحصول على السلاح، مما أدى إلى سقوط ضحايا وقاد إلى انعزال رأس الدولة العربية الملك فيصل وحذَرِه من الانفجار "الشعبي" ثانية.
- نهج الملك فيصل سياسة غامضة متأرجحة بين القوى المتصارعة في الداخل والخارج.
- مواقف الأعيان الإقطاعيين القلقة من تحرك "الطبقة الوسطى ومثقفيها وحذرها من أمير حجازي يدخل عُقْرَ دارها ورغبتها في حكم يحفظ لها "ملكيتها الزراعية ويكبح جماح القوى الطبقية المناهضة للاقطاعية والمتحررة من " الكابوس العثماني".
- مشايخ الطرق الصوفية وقفوا في وجه تطلع القوى التنويرية والشباب المتطلع إلى مناخ تحرري بورجوازي المَنَازع. هذا مع العلم أن المواقف السياسية للطرق الصوفية تختلف، بل تتناقض، وفقا للزمن والمكان. وفي زمن هذا البحث كانت معظم الطرق في بلاد الشام تسير مع الإديولوجية العثملية. رشيد رضا مؤسس المنار
- العامة المنضوية وراء فقهائها "العثمليين" وقفت بأكثريتها حائرة مترددة "تدو" في حلقات الذكر.
- وهكذا حمل سقوط الدولة العربية تراثيا في مطاويه كثيرا من المعاني منها استمرار ظلّ "كابوس السلطان عبد الحميد" ومشايخه المخيّم على اكثرية العامة، التي رأت أنّ الدولة الحديثة مخالفة لشرع الله. ولهذا لم تلق صدى في آذان هذه العامة  أصوات المشايخ المتنورين الداعين إلى الدولة العربية الحديثة.  
- دور الجنرال الاستعماري غورو في تصديع تحالف الملك فيصل مع الوطنين في وجه الاجتياح الاستعماري. 
- كمحصلة لهذه الأسباب لم يكن بإمكان الملك فيصل ولا القوى الوطنية الشابة ومن ساندها من شيوخ متنورين وسلفية نهضوية أن تجمع في أربع وعشرين ساعة قوى شعبية وازنة تخوض المعركة. واقتصر الأمر في "وقعة ميسلون " على "وقفة" يوسف العظمة البطولية واستشهاده، ليصبح جمر الوطنية المتّقِدة ومنارة للنضال الوطني المناهض للامبريالية أيام الانتداب الفرنسي. و أصبح ضريحه في ميسلون مزارا سنويا للوطنيين من سورية ولبنان يلقون الخطب لإحياء ذكرى الاستشهاد البطولي ليوسف العظمة رمز النضال الوطني
                           ***
وأخيراً: يبقى هناك تساؤل حول نفسية يوسف العظمة عندما قرر عامدا متعمدا الاستشهاد رغم معرفته بضعف القوى العسكرية المقتصرة على كتيبة مدفعية، وأعداد من المتطوعين بسلاح هزيل وتدريب لا يرقى إلى مستوى معركة مع جيش استعماري مجهز بالطائرات والمصفحات، تسانده في الداخل الدمشقي قوى إجتماعية لا يؤمن جانبها.
والتساؤلات هي:
- هل ذهب العظمة بنفسية ضابط في الجيش العثماني تدرّب على أيدي ضباط ألمان حلفاء العثمانيين؟..
- هل ذهب بنفسية مسلم يقاوم "الكفار"؟..
- هل ذهب بنفسية وطني أو قومي عربي كسلفه رئيس الـأركان السابق العراقي القومي العربي ياسين الهاشمي؟..
- هل ذهب بنفسية قائد عسكري دفعته حميته إلى ساح الوغى؟..
- علينا للاجابة أن نقرأ مذكرات قريبه الدكتور بشير العظمة الاستاذ في كلية الطب ذي الميول الماركسية، الذي وصف الجو العائلي الذي عاش في كنفه الطفل والشاب يوسف العظمة في حي القيمرية القديم بدمشق...
- و أخيراً: و ليس آخرا هل ثمة علاقة بين أصول العظمة الكردية (المعرّبة)، و هذا الموقف "الصلب" الشجاع الذي تحلى به الأكراد وَوَرِثُهُ العظمة عن أجداده؟..
الحلقة القادمة:
المرويات التي جمعها الدارسون السوريون
في معهد 16 تشرين الثاني للثقافة العمالية والإعداد النقابي
من شرائح متنوعة من المجتمع السوري
في أعوام 1986 – 1987 – 1988
من إعداد مدرّس الحركة النقابية والعمالية العربية في المعهد بدمشق
عبد الله حنا