Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إشكالية العلاقة بين الشعر والنقد

الدكتور محمد ابراهيم علي- خاص فينكس: 

ذات ندوة جمعت بين شاعرة وناقد في أحد المراكز الثقافية، قرأتْ الشاعرة نتفاً من إبداعها، فانتزعت التصفيق والإعجاب من الحضور على الجملة، وعندما بدأ الناقد بالكلام قوبل بالتجاهل والرفض والتشويش من الحضور نفسه، لكنه مضى في نقده محاولاً تصويب بعض الأخطاء، ومفنّداً أحكامه النقدية بكثير من الصبر والأناة، ويتخلل ذلك كله ابتسامات ساخرة من الشاعرة، إلى أن قاطعته إحدى صديقاتها قائلة: "نحن لم نأتِ إلى هنا لنسمع هذا الكلام، بل جئنا لنسمع شاعرتنا وحسب، فهلّا اكتفيت".

يختزل هذا المشهد الذي كنتُ شاهداً عليه إشكالية العلاقة بين أطرافٍ ثلاثة: الشاعر والناقد والجمهور، وهي إشكالية تمدُّ جذورها عميقاً في التاريخ العربي الذي شهد من المناكفات والمماحكات ما يضيق عنه هذا المقال، ويمكننا الإشارة إلى بعض ما جاء في كتب التراث العربي، سعياً إلى تحديد أسباب هذه العلاقة الإشكالية بين أطراف  العملية الإبداعية، وبحثاً عن حلٍّ لها.

تذهب بعض الروايات إلى أن العرب في الجاهلية كانت تجتمع في سوق عكاظ كل عام، حيث يلقي الشعراء قصائدهم، فيُقدّم المُحَكِّم شاعراً ويُؤخّر آخر، ومن أشهر ما روي في هذا المقام حكاية النابغة الذبياني الذي كان مُحكّماً في أحد المواسم، فدخل إليه حسّان بن ثابت وعنده الأعشى، وكان قد أنشد الأعشى شعره، ثم حضرت الخنساء وألقت قصيدتها المشهورة (قذىً بعينكِ..)، فقال لها النابغة: لولا أنّ أبا بصير (يقصد الأعشى) أنشدني قبلكِ لقلتُ إنّك أشعر الناس، لكنك والله أشعر النساء. فقالت له: والرجال أيضاً. فقال حسان: أنا والله أشعر منكَ ومنها. ثم يذهب كل واحد منهم في إثبات حجّته، وقد  شكّك بعض المتأخرين في صحّة هذه الرواية، لكن صاحب الأغاني أثبتها بتمامها.

بعد أكثر من قرنين حُكي أن رجلاً قال لخلف الأحمر، وكان خلف هذا ناقداً وراوياً للشعر القديم : إذا سمعتُ شعراً فاستحسنتُه، لا أبالي ما قلتَ أنتَ وأصحابك فيه. فقال له خلف: إذا أخذتَ درهماً تستحسنه، وقال لك الصيرفي إنه رديء، هل ينفعكَ استحسانكَ إياه؟! ويزخر العصر العباسي بمثل ذلك, فقد استنكر أحدهم على أبي تمام غموض معانيه، قائلاً له: لماذا لا تقول ما يُفهم؟ فأجابه أبو تمام: ولماذا لا تفهم ما يُقال؟ وكان المتنبي ينام ملء جفونه عن شوارد  أبياته، ويسهر جرّاها القوم ويختصموا,

ولا يختلف عصرنا الحديث عن سابقيه من هذه الناحية، فقد صبَّ العقاد جام نقده على أحمد شوقي من دون أن يستطيع سلبه لقب (أمير الشعراء)، واتُّهم أدونيس مع جماعة مجلة شعر بتخريب الذوق الفني العربي، بالإضافة إلى التهافت على مآدب الغرب الشعرية حدَّ الاستلاب، وأثار نبيل سليمان وبوعلي ياسين زوبعة نقدية في كتابهما (الأدب والأيديولوجية في سورية) الذي كان محوراً لسجالات طويلة بين الأدباء والنقاد، وقد اختار نعيم اليافي عنوان (المغامرة النقدية) لأحد كتبه، متحدثاً فيه عن العداوات التي أورثه إياها نقد الشعراء الأحياء، والقائمة تطول.

وبعد، تبدو أسباب هذه العلاقة الإشكالية بين الشاعر والناقد والجمهور متداخلة ومتشابكة، فهي تبدأ من الأسباب الذاتية القائمة على اعتداد كل إنسان برأيه، ولا تنتهي بالأسباب الموضوعية المتصلة بمجتمع قائم على نفي الآخر، وبينهما أسباب فنية ترتبط بالشعراء والنقاد والجمهور على حد سواء، فمن ناحية الشعراء، يرى هؤلاء أن النقاد يحاولون فرض معاييرهم النقدية على الشعر، بينما الشعر في رأيهم ممارسة إبداعية تحتفي بالحرية ولا تعترف بالقيود، ومن ناحية النقاد، يرى هؤلاء أن الشعر يحتاج إلى ضابط نقدي كي لا يقع في الفوضى، وأنهم بصنيعهم النقدي يكبحون جماح أشباه الشعراء، ويُصوّبون مسار الفن باتجاه الجمال, بالإضافة إلى جهودهم في فكّ ما استغلق على الجمهور من معاني الشعر وجمالياته، وإرساء دعائم التربية الجمالية التي يحتاجها القراء على اختلاف مشاربهم، ومن ناحية الجمهور، يرى هؤلاء – على وجه العموم – أن السجال الشعري النقدي محض هرطقة، فهم يميلون إلى الشعر الذي يلامس مشاعرهم ويحاكي أحلامهم، ويطربون لموسيقا الشعر وإيقاع ألفاظه أكثر من استمتاعهم بمحمولاته الفكرية العميقة, والخلاصة هي القطيعة بين أطراف العملية الإبداعية بشكل أو بآخر.

هل ثمة حل لهذه الإشكالية؟ ربما، لكنه حلٌّ مثالي قائم على قبول الآخر والإيمان بالحوار لدى أطراف هذه الإشكالية كافة، وهذا ما نفتقده في مجتمعنا غالباً, فطبيعة البشر عامةً تأبى النقد، وإن أظهر بعضهم قبولهم له، وسيبقى الشعر متقدماً بخطوة أو أكثر على النقد، فالذاكرة الثقافية الجماعية تحتفظ بأسماء شعراء مضى على غيابهم قرون، فيما تنوء بأسماء النقاد الذين واكبوا هؤلاء الشعراء، مع أنّ هؤلاء النقاد هم الذين اصطفوا بنقدهم وكتبهم صفوة الشعراء عبر التاريخ، وبذلك،أيضاً، سيبقى النقد ضرورة ثقافية وفكرية، على الرغم من التجاهل المجتمعي الذي يواجَه به، والحق أن الظلم الذي يعاني منه النقد يعود إلى سببين: داخلي، حين يتنطع للنقد مَن لا يمتلك من أدواته حدها الأدنى، فيغدو النقد مزيجاً من النفاق والتزلّف والثرثرة، أو التجريح والإقصاء والغبن، وخارجي، حين يتعالى النقد على الجمهور والشعراء، ويأخذ دور المرشد العارف الذي يفرض قوانينه على الآخرين بسلطة أبوية، فيتولد إزاءه مزيج من الرفض والتمرد التجاهل.  

أخيرا، إننا نعيش في مجتمع استهلاكي تغلب عليه السطحية، وهذا الحكم ليس من قبيل جلد الذات بقدر ما هو توصيف أمين لواقعنا المعيش، وقد كشفت مواقع التواصل الاجتماعي حقيقة هذا المجتمع بجلاء، أما الاستثناءات التي قد نلمح ظلالها هنا أو هناك فهي تؤكد هذه القاعدة، ولا تنفيها، وهكذا فإن النقد الجاد محكوم بالتجاهل في أحسن الأحوال، لأنه يُخاطب العمق الفكري والعاطفي للشعر، فيما يحتفي معظم الناس بالقشور، ويلهثون خلف الاستسهال، ولنا في مقاربة المختصّين للشعر خير دليل على ذلك، فمعظم طلاب قسم اللغة العربية في كليات الآداب يرون في دراستهم وسيلة للحصول على وظيفة أو مهنة تدرّ عليهم المال بما يحفظ - إلى حد ما - كرامتهم في هذه الحياة، أما العمل على فهم وظيفة النقد، والتبحّر في اتجاهاته، واستيعاب أدواته، ثم تطبيقها في ميدان الشعر أو الحياة، فذلك كله لا يدخل في صلب اهتماماتهم، ومن نكد الدهر أن يرى بعض هؤلاء الطلاب في سؤال امتحاني يسبر رأيهم النقدي ضرباً من التعجيز.