image.png

احسان عبيد: رحلة المعزى والغنم.. ح2

قبل أن أتابع سرد مجريات الرحلة لابد من ذكر الملاحظة التالية.أ أحسان عبيد
انا لا أتحدث هنا بلسان جميع العائدين، ولا أتحدث عن وضع جميع المحاجر لأنني لا أعرف أحوال ركاب الطائرة الذين عادوا إلى اللاذقية وهم من جميع المحافظات – كما أخبرونا – ولا عن ركاب الطائرة الذين نزلوا في محجر حمص – كما أخبرونا – ولا عن ركاب الطائرة الذين نزلوا في الوحدة 20 في المدينة الجامعية.. ولا عمن نزلوا بفندق صحارى سابقا، بل أتحدث عن المكان الذي نزلنا فيه وهو السكن الجامعي في برزة.. لكن أخبار المحاجر كانت تأتي إلى أصحاب وأقارب نزلاء سكن برزة، ثم يتولى النزلاء بثها وربما تبهيرها ولكنني شخصيا غير متأكد إلا من الذي لمسته وعايشته في محجرنا.
.

الآن أكتب متأخرا لانشغالي طيلة النهار، ولم أستطع متابعة التعليقات على منشور الأمس، وقد يعتبر البعض أن ثمة مبالغة في الكلام عن الأسر في الباص، وقلنا لهم: إن العدوى ستنتشر بيننا داخل الباص.. فأثناء وجدودنا بالحجر كان بيننا 6 إصابات، واليوم تواصلنا مع أصدقاء السجن فقالوا أنهم عزلوا اليوم 11 إصابة.. وهذا دليل على سوء التخطيط الذي سنبرهن عليه لاحقا.

.
أتابع

بعد أن طهق الركاب من وقفة المطار، جاء الإيعاز بالمسير ولا نعرف إلى أين.. كنت وزوجتي نجلس في المقعد وراء السائق.. سألته إلى أين؟ أقسم أنه لا يعرف بل مطلوب منه أن يمشي وراء سيارات القادة.. ميتورات شرطة اثنين، وسيارة جيب للمرور وسيارة جيب للداخلية وسيارة جيب للأمن، والباصات خلفهم وأولهم باصنا .
.
سألنا السائق بعد حوالي ثلث ساعة: هل سنذهب إلى برزة؟ قال: لقد تجاوزنا مفرق برزة، فأصبحنا شبه متيقنين أننا ذاهبون إلى صحارى أو إلى الوحدة 20 وصار الجميع يوصون بعضهم (لا تنزلوا في الوحدة 20..)
.
ثم ذهب الركب الليلي – بعد الفطور – إلى طريق جعل السائق يتساءل: يمكن هدول ضايعين.. هذا الطريق لايؤدي إلى المزة ولا صحارى. وبعد ربع ساعة انحرفوا وقال السائق: هدول رايحين صوب برزة، إما أن الأوامر قد تغيرت، أو أنهم كانوا ضايعن.
.
دخل باصنا إلى المبنى الجامعي في برزة.. وصل لآخر الممر.. خاطبه أحدهم.. فاطفأ المحرك ونزل وبقي الباب مقفلا وكذلك النوافذ، والناس تصرخ تطلب الحمامات.. ففتحوا الباب.

.

صار وضع الركاب كما وضع القرقة.. هل تعرفون وضع القرقة؟.. تأتي الامرأة الريفية وتجمع حوالي 20 بيضة، وتضعهم في خباء معزول، ثم تختار دجاجة وتلقي عليها القبض، فتشوحها فوق رأسها بشكل دائري حوالي 20 مرة، ثم تضعها فوق البيض وهي دائخة على الآخر فتربخ على البيض قابلة بهذه النهاية بعد معاناة الدوخة.
.
وهذا ما حصل مع ركاب طائرتنا فقبلوا بالواقع.. لكن ما هو الواقع؟
- قالوا هذا السكن جديد.. وكلامهم صحيح.

- قالوا فيه خدمات كما الفنادق وهذا غير صحيح

.
وزعوا العائلات على أجنحة، والنساء على أجنحة، والرجال والعازبين على أجنحة. وكانت الحمامات مشتركة في جناح العائلات.. الرجل ينتظر المرأة حتى تخرج من الحمام ليدخل وكذلك تفعل المرأة.

.

بعد أقل من ساعة، صارت أرض الحمامات مجرجقة بالماء.. يدخل الإنسان يتلقوط حتى لاتتلوث ثيابه، وصار لابسو الدشاديش يرفعونها للركب وكأنهم يعبرون قناة مياه جارية.

.

إن سبب القلعطة يتشارك فيه النزلاء والتصميم السيء للحمامات، ولا أدري كيف استلمت وزارة التعليم العالي هذا البناء من المتعهد.. هناك 10 مغاسل صغيرة الحجم وكأنها لأطفال الروضة، يرتفع فوق المغسلة صنبور طويل له رقبة ومعقوف.. فإذا غسلت وجهك يخرج ثلاثة أرباع الماء خارج المغسلة ويبقى فيها الربع لأن المغتسل لو تقدم برأسه قليلا فسيضرب رأسه بالصنبور، وإذا أراد الرجل الطويل أن يرفع رأسه فوق الصنبور فسيضرب رأسه بالرف البورسلان المثبت تحت المرآة.

.

انتهينا من الغسيل، وصار بدنا الحقائب حتى نغير ملابسنا (طبعا لا يوجد ماء ساخن للاستحمام)، ولا أحد يعرف متى تأتي الحقائب (بعضهم جاء موعد تناول دواءه).. ووزعوا سانتدويتش العشاء الساعة 11,30، وبدأت الحقائب تأتي بعد الساعة الواحدة ولغاية الثالثة صباحا، ونام الكثيرون بثياب الرحلة من التعب..

.

في اليوم الثاني، لم يأت أحد.. وفي اليوم الثالث قاسوا الحرارة، وأخذوا مسحات للفحص لكبار السن، وطيلة تلك المدة لا يوجد ماء بارد للشرب ولا ماء ساخن لصنع الشاي والقهوة، وكان يحضرها العسكر الحرس لمن يطلب بسعر ألف ليرة لكاسة الشاي، وألف ليرة لفنجان القهوة وهو بحجم ضعف الفنجان الذي نعرفه، ولا أدري أهي تجارة من العسكر؟ أم أنهم يشترونه من مكان قريب.
.
كانوا يحضرون يوميا ثلات وجبات 2 سندويش صباحا و2 سندويش مساء ويرافق كل وجبة برتقالة نخب ثان أو تفاحة وبيضة مسلوقة، وعلبة عصير برتقال وجزر، وكان محتوى السندويش (لبنة، جبنة، حمص، زبدة ومربى، مرتديلا) ووجبة طبخ على الغداء.. والحق يقال أن الأكل كان مقبولا، والطبخ جيدا (رز مع يخنة – كبسة – أرز مع اللحمة الناعمة والسلطة – أوزي – رز مع ربع دجاجة وسلطة – كباب) وكان الطبخ يصل ساخنا.. وفي كل مرة يوزعون قناني الماء..

يتبع

عدد الزيارات
13217863

Please publish modules in offcanvas position.