image.png

احسان عبيد: بجم بجم .. الحلقة 1

أ أحسان عبيد رحلة المعزى والغنم

مثلما يحلم القط بالفئران ، كنت أحلم بالعودة إلى سورية لأعيش باقي أيام حياتي التي أمضيتها بالغربة بحثا عن الرزق الحلال الذي يستر الحال ويساعد على تربية وتعليم العيال.
.

وفي اليوم الذي أردنا فيه قطع تذاكر العودة، بعد أرسلنا عفش البيت، أغلقت مطارات الكرة الأرضية، وأصبحنا ضيوفا عند صهرنا لمدة 55 يوما، خاضعين لقوانين الحجر المنزلي في الكويت، وتعودنا على ذلك.

.

كنا نتوقع أن دولتنا لن تغفل عنا، وأنها ستعمل على جلب أبنائها العالقين في بلاد العالم، وفعلا بدأت بواكير الأخبار والمعلومات ترد، وتم تشكيل فريق عمل (ما أجمل ظهورهم وكلامهم على التلفزيون) وتحدثوا عن خططهم في النقل والاستضافة الفندقية، ووضعوا خططا لذلك، وبدأ التنفيذ، وراحت جداول الأسماء من السفارات، وقسموها إلى شرائح، وكانت الأفضلية للكبار في السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة والحوامل.. يعني ستكون الطائرة أشبه بالمستشفى الإنساني الطائر خاصة وأننا سمعنا أن دفعة المسافرين من الإمارات تمت استضافتها في فندق صحارى.
.

إذن.. أسلوب الدعاية الإعلامية اكتملت أركانه.. وقد تحقق بنجاح.. وخدع الجميع باقتدار.

.

نأتي إلى ماجرى على أرض الواقع.

.

عندما بدأنا بقطع التذاكر، أوصونا بمكتب السورية للطيران أن نكون في المطار الساعة التاسعة صباحا لأن ثمة إجراءات ستتخذها الحكومة الكويتية، رغم أنه مكتوب على التذكرة [تشك إن "إجراءات الوزن وسواه" الساعة الواحدة والنصف] لكننا وحرصا على التعليمات والتقيد بها كان الجميع في المطار التاسعة.
.
الكويتيون تفاجأوا بالحضور السوري، وبقينا بالرتل خارج المطار قرابة ساعة حتى جاء موظفو المطار.. الركاب كانوا قرابة 250 راكبا منهم عدد ليس قليلا يجلسون على عربات دولاب أوعكازات مزدوجة ومفردة، وأعمار الجميع مافوق الستين إلى أواخر الثمانينات.. لكن بينهم 42 شابا جاءت بهم الشرطة للترحيل ربما لأنهم خالفوا قوانين الحظر أو لأسباب أخرى.
.
الإجراءات الطبية الكويتية كانت عبارة عن قياس حرارة على باب المطار الخارجي فقط لاغير، وبقينا منقوعين ومحرجين في يوم رمضاني على الكراسي لغاية الإقلاع الساعة 4,30 بانتظار قدره سبع ساعات ونصف.

.

الطائرة لم تتأخر.. كان طاقمها بغاية اللباقة.. لكنها تحولت إلى مايشبه باص دوما، بمعنى أن الأرقام الغيت.. بحيث يجلس أي راكب في أي مكان، وأعتقد أن السبب كان للسرعة في الإنجاز.. فراكب كرسي العجلات الذي يكون مقعده في وسط الطائرة يقضي بأن ينتظر الجميع حتى يخرج الكرسي، ثم يدخل كرسي ثان وننتظر كي يخرج الكرسي، ثم يدخل ثالث.. وهكذا بسبب ضيق ضيق الممر داخل الطائرة، ولوبقينا على هذه الحال لتأخرنا أكثر من ساعة، فصار راكب الكرسي يضعونه في أقرب مكان حتى يخرج الكرسي بسرعة.

.

وصلنا مطار دمشق.. (تدحرجت الطائرة وتدحرجت مشاعر عودتنا للوطن).. توقفتْ.. صعدتْ مديرة صحة دمشق، عرّفت بنفسها ورحبت بنا أجمل ترحيب.. نزلنا إلى الباصات.. كاميرات التلفزيون كانت بأتم الجاهزية الجاهزية كأحسن ما يمكن.. تصوير، لقاءات، ابتسامات، شكر للحكومة، وكان "مسدس" قياس الحرارة مسلطا على الجبهات، وهذا المطلوب إعلاميا.. وأخذوا جوزات السفر في كيس معد لهذه المهمة.

.

مشى الباص الأول – وكنت فيه – ثم توقف في مكان غير بعيد ينتظر باقي الباصات.. غربت الشمس وبدأ وقت الإفطار.. طلب بعض الركاب النزول كي يدخنوا.. الجواب ممنوع.
بعد نصف ساعة جاءت جميع الباصات ووقفت في انتظام ولم يتحرك ظعن العائدين.. اصبح الركاب في هياج وطلباتهم أن ينزلوا للتدخين والفطور للصائمين والذهاب للحمام خاصة وأن 80% من الركاب رجالا ونساء يعانون من مرض السكر..
.
كثر الصياح.. تعالت الأصوات.. السائق قال: أنا عبد مأمور غير مسموح لي بفتح الباب ولا التحرك إلا بإذن.. ثم جاء من يقول: اصبروا بعد قليل سنتحرك ريثما تأتي الأوامر.

- إلى أين ستأخذوننا؟

- إلى المدينة الجامعية بالمزة الوحدة 20.

هنا.. قامت القيامة بسبب ما للمدينة في المزة من سمعة سيئة (أوساخ، صراصير، بللور مكسر، مغاسل مكسورة ووسخة... والبلاوي كثيرة).
.
الوفد المكلف باستقبالنا من مدنيين وعسكريين كانوا حوالي 12 بدون رتب يتمشون في الباحة.. لمحنا مؤخرا نقيبا بالشرطة جاء يدخن بعد أن أنهى إفطاره.. لا أحد يرد على احتجاجات الركاب الذين تحولوا بقدرة قادر إلى أسرى أو إلى شحنة من المعزى والغنم، لأن نوافذ الباصات لا تفتح، وعيل صبر الركاب لأن أحدا من الوفد لايعرف متى تمشي الباصات, ثم يأتي من يرمي كلمة فيقول: إن سبب التأخير هو الانتهاء من ختم الجوازات (لكن الزمن كاف لختم ألف جواز)، ولا أحد يعرف مكان الحجر على وجه الدقة بعد أن خاب أمل الجمبيع في النزول بفندق صحارى.

.

كادت مثانات بعض الركاب تتفجر قالت إحدى النسوة نحن نخجل من طلب الذهاب إلى الحمام. وبدأت الشتائم.. وسمعنا أن رجلا متقدما في العمر بال في ثيابه وصار يبكي، وأن امرأة أخرى في باص ثان عملت الشيء ذاته.

يتبع

عدد الزيارات
13218882

Please publish modules in offcanvas position.