image.png

قصة المُدن المنسية في عفرين

كتب فادي نصّار

أربع سنوات مرت على إستباحة القوات التركية لمدينة عفرين، تلك الأرض التي تضم فيها أكبر تجمع أثري في سوريا كلها، لا بل في العالم، إنها المدن المنسية (أو المدن الميتة) التي تقع حول “عفرين”، والتي يعود بنائها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد، وقد بلغ عددها 778 موقعاً أثرياً (بحسب المعهد الفرنسي لآثار الشرق الأوسط (IFAPO) ومن ثم ارتفع هذا العدد نتيجة الاكتشافات الاثرية التي تابعها الآباء الفرنسيسكان بقيادة عالم الآثار الكاهن (باسكال كاستيلانا) الى /800/ قرية وموقع أثري،
 
بُني فيها بين القرنين الرابع والسادس للميلاد أكثر من 2000 كنيسة، كانت دُرّتها “بازيليك القديس سمعان العمودي” وقد تم إضافة “المدن المنسية” لقائمة التراث العالمي من قبل اليونيسكو عام 2011. الخطوة الجديدة للجيش التركي، كانت إلى المنطقة التي يوجد فيها كهف دو ده ري_( Du derî) العفريني، الذي يقع على الحافة الشمالية الغربية من (جبل سمعان)، جنوب مدينة عفرين، هوأعمق وأكبر مغارة من العصر الحجري المبكر..اكتُشِفَ فيها الهيكل العظمي لطفل عمره سنتين ويعود تاريخه إلى العصرالنياندرتالي (60 -100ألف عام قبل الميلاد). كما اكتشفت في أرضية الكهف ذاته أدوات حجرية على عمق أربعة أمتار تعود إلى الحضارة اليبرودية (300 ألف سنة قبل الميلاد).
 
لقد كلفت هذه الخطوة في مسيرة العدوان ضد سوريا، تدمير 60 في المائة من معبد “عين دارا” الأثري، الذي بُني في القرن الرابع قبل الميلاد، في قرية زراعية تعود إلى العصر الحجري، سكنها الإنسان قبل 10 آلاف عام، بدليل الأدوات الصوانية المكتشفة فيها، نحتت حجارته البازلتية بأشكالٍ نافرةٍ وبارزةٍ وتضم أسوداً مجنّحة ورؤوسا آدمية لنساءٍ ورجال، يُعتقد إنها تمثل الآلهة التي كانت تعبد في تلك الحقبة التاريخية، وكذلك تماثيل لثيران عملاقة تتشابه مع المنحوتات الميتانية والحثية، ويرجّح الباحثون أنّ المعبد شُيد لإله الشمس، ويحتوي مدخل المعبد على طبعات أقدام عملاقة (طول الواحدة منها90سم) منحوتة في الصخر تدل على وجوب خلع الأحذية قبل دخول المعبد الذي توصل إلى قدس أقداسه القدم اليمنى.
 
العثماني ذاته، والدوافع ذاتها التي ارتكبت بسببها مجازر “طور عابدين” بحق السريان بين عامي 1894-1896، ومجازر الأرمن (مليون أرمني قتلوا بين عامي 1914 و1923) ومثلها المجازر التي ارتكبت بحق اليونانيين البونتيك (750 ألف ضحية). أضف الى هذا ما قامت به الدولة العثمانية، من تهجير لملايين أخرى من هذه الشعوب وتدمير حضاراتها، مستعمرون جدد يريدون ببساطة مسح كل أثار الحضارات التي مرت على بلادنا، لعلهم بذلك يُسَهِلون على الإسرائيلي عملية إثبات أنه صاحب الأرض من الفرات الى النيل.
 
خلاصة القول إن من يقتل الشعوب ويُهجِر أهلها، ويدعم الإرهابيين وأعداء الحضارة، من ينهب ثروات الأمم وينشر الجهل والأمراض والرعب والقهر، لن يستطيع زراعة الغابة السورية، ولن يعيد بناء معبد “عين دارا” كما أنه من المستحيل أن يبدع تحفة معمارية مثل كنيسة سمعان العامودي، ولن يستطيع إعادة إعمار حجر واحد في سوريا.
عدد الزيارات
13151792

Please publish modules in offcanvas position.