image.png

مروان حبش: البعث و قرارات التأميم

الدولة البعثية الحقيقية هي التي تقود النشاط الاقتصادي وتنميه وتحافظ على الثروات الوطنيةأ مروان حبش.

 

كانت الاشتراكية إحدى الأسس التي قامت عليها ثورة الثامن من آذار، وانطلاقا من ذلك صدرت خلال السنوات الثماني الأولى من عمرها مراسيم تأميم شملت القطاعات المصرفية والصناعية والاستخراجية (النفط وغيره من الثروات المعدنية) والتجارة الخارجية، بهدف تحقيق قطاع عام رائد يقود الاقتصاد الوطني، ويرفد خطط التنمية، ويقلل من استغلال رأس المال للأيدي العاملة، والتدخل في الشأن السياسي والقرار الإقتصادي.

أكدت الدساتير الثلاثة التي صدرت بعد الثورة ضرورة ملكية الدولة لقطاع عام، حيث نصت المادة الأولى من الدستور المؤقت لعام 1964على أن «القطر السوري ٍجمهورية ديمقراطية شعبية اشتراكية، ونصت الفقرة الأولى من المادة 25 بأن «ملكية الدولة تتمثل بالقطاع العام الذي يتحمل المسؤولية الكبرى في خطة التنمية ويملك المرافق العامة ووسائل النقل الكبرى ووسائل الإنتاج المتعلقة بالحاجات الأساسية للشعب».

وأكدت الفقرة 1 من المادة 12 من الدستور المؤقت لعام 1969 على أن «الاقتصاد في الدولة، اقتصاد اشتراكي مخطط، حيث تنتفي معه جميع أشكال الاستغلال». ونصَّت الفقرة الأولى من المادة 13 على «ملكية الشعب، وتشمل جميع الممتلكات والثروات العائدة للمجتمع، كالثروات الطبيعية والمرافق المنشأة من قبل الدولة، والمؤسسات المؤممة وتتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب». واليوم ما زلنا نعيش في ظل الدستور الدائم لعام 1973 الذي ينصُّ في الفقرة الأولى من المادة 13 على أن «الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال»، وينصُّ على ملكية الشعب: وتشمل الثروات الطبيعية والمرافق العامة والمنشآت والمؤسسات المؤممة، أو التي تقيمها الدولة وتتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب. ورغم أننا ما زلنا نعيش في ظل الدستور الدائم، نسمع أصواتاً يسارية، من بعثيين وغيرهم، تنادي بالخصخصة للقطاع العام، أو إعطاء إدارته لشركات خاصة، كما أن الحال قد وصلت بالقطاع العام إلى الإهمال والفساد وأصبح لا شأن له في لعب الدور القيادي.

من أجل معرفة ما كان قادة البعث والثورة يطمحون في الوصول إليه بالمجال الاقتصادي، ولماذا أقدموا على تأميم واسع شمل العديد من المجالات، ومدى جديتهم في الممارسة من أجل انسجام ممارستهم مع المواد الواردة في الدساتير المذكورة، كانت الأسئلة التالية:

التأميم بعد الثورة

س- ينتقد بعض اليساريين ومن بينهم بعض البعثيين، أيضا، قرارات التأميم التي صدرت إبّان فترة الوحدة وبعد الثامن من آذار 1963، ومن بين هؤلاء من يطالب بالخصخصة، ما هي الدوافع التي أدت بقيادة الحزب والحكومة إلى إصدار قرارات التأميم؟

   ليس التأميم، أي نقل ملكية بعض المنشآت أو المشاريع العامة، أمراً تختص به أنظمة الحكم الاشتراكية، بل تلجأ إليه الدول ذات النظام الرأسمالي، أيضا، مع اختلاف الدوافع أو الفلسفة الكامنة خلف هذا الموضوع.

إن التأميم في المفهوم الرأسمالي، وإن انصبّ على بعض المرافق العامة الأساسية وبعض أوجه النشاط الاقتصادي، ليس من أهدافه إحداث تغيير في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن دافعه (التأميم)، إما للحد من انتشار الأفكار الاشتراكية أو للتخلص من وطأة الأزمات والمتاعب التي تواجهه، أحياناً، وكذلك فإن المشاريع العامة التي تنشئها الدولة ذات النظام الرأسمالي تكون نتيجة لعزوف الرأسمال الخاص عنها.

فالولايات المتحدة الأميركية، الدولة الأكثر ليبرالية اقتصادية والأكثر بعداً عن التدخل في الشأن الاقتصادي، أنشأت عام 1936في عهد الرئيس روزفلت مشروع وادي التينسي بإقامة السدود عليه لضبط مجراه، وتنظيم الملاحة فيه، وإنتاج الطاقة الكهربائية منه وتوزيعها وبيعها، وإصلاح الزراعة في الأراضي التي تحاذي النهر.

   كما أن الرئيس جون كندي هدد بتأميم القطاع الأهم في الصناعة الأميركية، وهو قطاع صناعة الحديد والصلب، وذلك عندما حاول مالكو هذا القطاع رفع أسعار منتجاتهم وتوجيه السياسة العامة لصالحهم.

   أما في بريطانيا العظمى، فقد لجأ حزب العمال عند استلامه السلطة بعد الحرب العالمية الثانية إلى تأميم بعض المشاريع المهمة في مجال الخدمات ومشاريع إنتاجية واستهلاكية كالمناجم والمواصلات والكهرباء والماء ..... وتدخلت الدولة في خفض سعر الخدمة وتحسين شروط تقديمها للجمهور.

ونصت الفقرة التاسعة من مقدمة الدستور الفرنسي الصادر عام 1946: على أن « كل مشروع يتميز بصفة المرفق العام، أو يتمتع باحتكار فعلي يجب أن تؤول ملكيته للأمة ».

وفي المادة 24 من الدستور السوري لعام 1950 ما نصه: «للدولة أن تؤمم بقانون كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة مقابل تعويض».

   نقلت الدولة السورية، منذ فجر الاستقلال، ملكية الخطوط الحديدية والبرق والبريد والهاتف إليها، وصدر في عام 1951، قانون بتأميم شركات الكهرباء وشركات المياه والنقل المشترك بالحافلات.

إن ذلك التأميم في سورية قد كان في السياق نفسه للتأميم في الدول ذات النظام الرأسمالي، أما التأميم الذي حدث في فترة الوحدة كان في سياق المفهوم الاشتراكي الذي ينطلق من فلسفة تقضي إجراء تغيرات جذرية في العلاقات الاقتصادية والتركيب الطبقي وتوسيع القطاع العام، ليكون له الدور القيادي في خطط التنمية الاقتصادية، ومن هذا المنطلق صدرت، خلال فترة الوحدة قوانين تأميم للمشاريع الأجنبية كالمصارف وشركات التأمين والمشاريع الوطنية الكبيرة ذات الأهمية الخاصة للاقتصاد الوطني.

حدثت ردة فعل على التـأميم في فترة الانفصال، وصدرت المراسيم التي تقضي بإلغائه، ولكن سرعان ما تراجعت الحكومات عن بعض قراراتها نتيجة للمواقف السياسية للأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب البعث، إذ قام القادة العمال من بعثيين وناصريين بقيادة العمال لإضرابات أدت إلى اشتباكات مع قوى الأمن، ولم تنته تلك الإضرابات إلا بعد أن أعيد تأميم بعض الشركات، إذ أعيد تأميم الشركة الخماسية والمطاحن، والمصارف الأجنبية، تأميما كاملاً، وأعيد تأميم المصارف العربية تأميماً جزئياً.

   مفهوم البعث لدور الدولة في النشاط الاقتصادي

   بعد ثورة الثامن من آذار، واستلام الحزب للسلطة، كان لا بد له، كحزب اشتراكي، من أن يطبق فلسفته ومفهومه لدور الدولة في النشاط الاقتصادي.

   إن للدولة، حسب مفهوم البعث، دوراً يقوم على فلسفة اجتماعية واقتصادية، ويرتكز إلى أسس علمية، وخطط اقتصادية ملائمة لتطور المجتمع، وتهدف منطلقات الحزب الاشتراكية، كما حددتها منطلقاته النظرية، إلى إزالة الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق اقتصاد وطني هدفه الرفاه للشعب وتأمين مستقبل للأجيال الوافدة التي يجب أن تجد مكاناً لها في سوق العمل.

   وعلى الدولة، من منظور البعث، أن تنزل إلى ميدان الحياة الاقتصادية وتعمل على تنسيق التعاون بين رأس المال العام ورأس المال المشترك ورأس المال الخاص لتحقيق المؤشرات التي تهدف الخطط الاقتصادية الوصول إليها.

   إن دور الدولة، إذاً، لا يرتكز إلى الفكرة التي ترى أن دورها الاقتصادي يقتصر على القيام ببعض الخدمات العامة وتحقيق العدالة بين المواطنين عن طريق توزيع مداخيل الموازنة والسياسة الضريبية.

   من هذه الرؤية كان على الدولة _وسورية دولة نامية لا طريق لتطورها إلا بالتخطيط الاشتراكي_ أن توجه النشاط الاقتصادي نحو المشاريع الحيوية الضرورية وتراقبه حتى لا ينحرف عن الأهداف المرسومة له في الخطط، وحتى لا يقضي على عنصر العمل أو يستغله، وحتى يبتعد عن الارتجال والأعمال والمشاريع المتفرقة التي لا رابط بينها ولا هدف لها إلا الربح السريع.

   إن التخطيط في مفهوم البعث، وكما هو معروف، هو الأداة التنظيمية والتوجيهية والتنسيقية لمجابهة المشكلات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المترابطة والمتشابكة والمتفاعلة معاً في المجتمع، وهو، أيضاً، تعبئة طاقات ومقومات المجتمع لبلوغ أهدافٍ عقد المجتمع عزمه على بلوغها بإرادته المستمرة.

والتخطيط في النظام الاشتراكي، خاصة، يتصف بالشمول لأنه يربط كل أوجه النشاط الاقتصادي لبلد معين بعضها ببعض، وهذا يوجب أن تتركز في يد الدولة تحديد معدلات النمو في كل جانب، لضمان عملية التقدم ولتفادي وجود اختناقات.

ولكي يصبح التخطيط الشامل أمراً ممكناً يحقق المؤشرات التي يهدف إليها، ويستطيع تخطيط الإنتاج تخطيطاً دقيقاً، ويحرك موارده الاقتصادية نحو استخدامات اقتصادية واجتماعية لتحقيق التنمية الاقتصادية، لا بد من وجود قطاع عام يملكه المجتمع وتديره الدولة، ويرفد عملية التنمية الاقتصادية ويوفر الموارد المالية لتمويل إنشاء مشاريع التنمية الحيوية وتسريعها، ويَحِدُ من قوانين السوق قدر الإمكان لإنجاح عملية تنفيذ الخطط، وينهي الركائز السياسية للقوى الرأسمالية، ويحرر صغار التجار من براثن الكبار، ويحقق أهداف التنمية المستدامة.

والقطاع العام يتكون من مصدرين، التأميم لمنشآت قائمة، وإنشاء مشاريع جديدة، والقطاع العام، الذي يعني ملكية الشعب لوسائل الإنتاج وسيطرته عليها، يعطي للدولة دورها في توجيه حركة المجتمع الاقتصادية نحو تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، كما أنه يعتبر، وفق المفهوم الاشتراكي، الدعامة الأولى التي تستند إليها بقية الدعائم التي تساهم في بناء الاشتراكية.

من هذا المنطلق، كان التأميم بعد ثورة الثامن من آذار، أي أنه ليس ردة فعل، أو انتقاماً من أصحاب المشاريع، وهو ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة أساسية للسير نحو الاشتراكية، وهو في الوقت نفسه يبطل استغلال رأس المال للعمال، كما يبطل دوره في الشأن السياسي للدولة.

س _ ماذا حلّ بأصحاب الشركات والمصانع والمساهمين فيها عندما أممت المنشآت الصناعية؟

هرّب الرأسماليون أموالهم للخارج في فترة الوحدة، ولم يعيدوا إدخالها إلى الوطن في فترة الانفصال، واستغلوا أموال المصارف المؤممة، أي أموال الدولة، لنشاطهم الاقتصادي، كما أن البعض منهم أنشأ مشاريع وهمية أو سجّل مشاريع صغيرة جداً بأنها مشاريع كبيرة برأسمالها وبعدد عمالها ليستجر من المصارف قروضاً كبيرة.

هكذا كان واقع الحال حين قامت ثورة آذار، كما أن هؤلاء الرأسماليين من تجار وصناع، وبتحالفهم مع بعض الأصوليين من رجال الدين وباستغلالهم لصغار التجار والكسبة، عمدوا، وفي أكثر من مدينة، إلى استثمار قوتهم الاقتصادية لمنع الثورة من المضي نحو أهدافها، أي عمدوا إلى استغلال رأس المال للتأثير على القرار السياسي .

بعد ثورة الثامن من آذار، أعيد تأميم ما كان مؤمماً في فترة الوحدة، إذ أممت تأميماً كاملاً جميع المصارف العاملة في سورية والشركات الصناعية الكبرى، وخاصة في قطاع الغزل والنسيج، وأممت تأميماً جزئياً بعض الشركات الأصغر.

وفي تاريخ 2/1/1965، أي، مع البدء بوضع مؤشرات الخطة الخمسية الثانية 1966- 1970، صدرت قرارات تأميم كامل لبعض الشركات، وتأميم جزئي للشركات المتوسطة.

وصدر في شهر شباط من العام ذاته مرسوماً تشريعياً، وبموجبه، حصرت الدولة بيدها تجارة الاستيراد والتصدير.

وبموجب المرسوم التشريعي 35 تاريخ 18 شباط 1965، أممت حوالى 40 مؤسسة من مؤسسات استيراد الأدوية.

وساهمت الدولة بتوزيع وبيع المواد للمواطنين بالمفرق وبسعر تشجيعي، وكسر احتكار التجار بفرض الأسعار، وكان ذلك بإحداث المؤسسة العامة الاستهلاكية بتاريخ   1/3/1965.

وفي 14/3/ 1965صدر مرسوم تشريعي يقضي بتأميم جميع شركات المحروقات والزيوت الأجنبية والوطنية العاملة في سورية، وكذلك، أُممت محالج الأقطان، وأنشئت مؤسسة عامة لحلج وتسويق القطن السوري.

   وفي 1970 صدر مرسوم بالتأميم الكامل لكل الشركات المؤممة جزئياً، وهذا التأميم يتزامن مع البدء بوضع مؤشرات الخطة الخمسية الثالثة للأعوام 1971- 1975.

لقد قام التأميم الذي بدأ في2/1/1965، على أساسين، الأول : رأسمال المنشأة، والثاني : عدد عمال المنشأة، كما هو مسجل في سجلات وزارتي الصناعة والاقتصاد، ولكن احتيال بعض الصناعيين وتواطؤ بعض المسؤولين معهم للحصول على قروض، شمل التأميم منشآت لم تتوفر فيها الأسس التي اتُخذت للتأميم، ولقد أعيدت تلك المنشآت إلى أصحابها بعد استثنائها من مراسيم التأميم.

س _ من المعروف أن الثورة صادرت، أيضاً، بعض المخازن في مدينة دمشق، ما أسباب ذلك؟

بعد صدور قرارات التأميم، عمد بعض المتنفذين المعادين للثورة طبقياً وسياسياً بتحريض صغار التجار والكسبة في دمشق لتنفيذ إضراب عام بتاريخ 23 /1 / 1965 أغلقت فيه أسواق المدينة، ورغم كل الحوارات التي جرت بين أعضاء من مجلس قيادة الثورة وأعضاء من غرفة تجارة دمشق، أصر هؤلاء على موقفهم بغية إسقاط نظام الحكم إن استطاعوا، أو تحقيق بعض المكاسب السياسية كحد أدنى، ونتيجة لموقفهم المتعنت قام أعضاء من الحزب بفتح متاجر بعض المحرضين بالقوة، كان من نتيجة ذلك أن تراكض التجار والكسبة لفتح مخازنهم، ونتيجة لهذا الإضراب، أيضاً، صدر المرسوم التشريعي 23 تاريخ 25/1/1965 والمرسوم التشريعي 26 تاريخ 26/1/1965 ،وبموجبهما صودرت بعض المشاريع والمخازن التجارية المملوكة لكبار المحرضين كعقوبة لهم.

إن هذه التدابير كانت مؤقتة غايتها التنبيه والتحذير، ولقد ألغيت تلك التدابير بموجب المرسوم التشريعي 42 تاريخ 1/3/1965، وأعيدت المشاريع والمخازن التجارية لأصحابها.

س: هل التأميم ركيزة في سياسة البعث الاقتصادية؟

وأخيراً، لا بد من العودة للتأكيد بأن اعتناق مبدأ التأميم، بالنسبة لحزب البعث، كحزب اشتراكي، هو أساس للسير في الطريق نحو بناء الاشتراكية، وبموجب مراسيم التأميم أصبحت قطاعات اقتصادية متكاملة في ملكية الشعب وإدارة الدولة، كالمصارف، وشركات التأمين، والمطاحن، وشركات استيراد وتوزيع المحروقات، وشركات استيراد الأدوية، وصناعة حلج الأقطان وتسويقها، وصناعة الغزل والنسيج، والتجارة الخارجية ...الخ، وأصبح القطاع العام يقود جميع مجالات النشاط الاقتصادي، ويستطيع أن يوجه هذا النشاط وفق المخطط العام للتنمية الشاملة.

ونصّت مراسيم التأميم على أن تدفع الدولة للمعسرين من صغار المساهمين الذين كانوا يعتمدون في معيشتهم على ريع هذه الأسهم قبل صدور المراسيم، وذلك على أساس القيمة الاسمية ولقد استرد هؤلاء قيمة أسهمهم بالكامل.

س _ هل من فكرة أكثر توضيحاً عن الأسباب التي دفعت بقيادة الثورة إلى تأميم المصارف؟

تُعدُّ المصارف في بلد ما من أهم الأجهزة وأخطرها، فهي تمثل الوعاء الذي يستقطب مدخرات المواطنين وودائعهم لتذهب منه إلى شتى نواحي الإنتاج والاستثمار.

كانت رؤوس أموال المصارف العاملة في سورية قليلة، ومجمل نشاطها يتركز في التوظيف ويعتمد بشكل رئيس على التسليف والدعم الذي تستمده من المصرف المركزي وودائع المواطنين، وكانت قلة من الأفراد -أصحاب النفوذ الاقتصادي أو السياسي- هي المستفيدة من أموال المصارف في سورية وتنفق في غير طريق التنمية وتطوير إمكانيات القطر الاقتصادية.

إن هذا الأسلوب في التسليف قاد إلى إفساد فئة كبيرة من الشخصيات ومن السياسيين المحترفين، ومكّنت المصارف من السيطرة عليهم ليكونوا في خدمة مصالحها ومخططاتها وتسيير سياسة القطر الاقتصادية وتوجيهها لصالح فئة معينة.

إن الاشتراكية من مبادئ حزب البعث، وهي المبادئ التي التزمت بها ثورة آذار، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من برامج وخطط لتنمية القطر، وهذا يتطلب توجيه الثروة المالية توجيهاً سليماً لتنفيذ تلك البرامج.

ويتطلب الاقتصاد الموجّه الاشتراكي، أن تقوم الدولة بتخطيط ومتابعة جميع عمليات الادخار والاستثمار وتوجيهها لخدمة الصالح العام ورفع المستوى المعيشي للمواطنين.

لهذه الأسباب صدر المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 2/5/1963 القاضي بتأميم جميع المصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية.

الدولة البعثية الحقيقية هي التي تقود النشاط الاقتصادي وتنميه وتحافظ على الثروات الوطنية.

 
 

كانت الاشتراكية إحدى الأسس التي قامت عليها ثورة الثامن من آذار، وانطلاقا من ذلك صدرت خلال السنوات الثماني الأولى من عمرها مراسيم تأميم شملت القطاعات المصرفية والصناعية والاستخراجية (النفط وغيره من الثروات المعدنية) والتجارة الخارجية، بهدف تحقيق قطاع عام رائد يقود الاقتصاد الوطني، ويرفد خطط التنمية، ويقلل من استغلال رأس المال للأيدي العاملة، والتدخل في الشأن السياسي والقرار الإقتصادي .

أكدت الدساتير الثلاثة التي صدرت بعد الثورة ضرورة ملكية الدولة لقطاع عام، حيث نصت المادة الأولى من الدستور المؤقت لعام 1964على أن «القطر السوري ٍجمهورية ديمقراطية شعبية اشتراكية، ونصت الفقرة الأولى من المادة 25 بأن «ملكية الدولة تتمثل بالقطاع العام الذي يتحمل المسؤولية الكبرى في خطة التنمية ويملك المرافق العامة ووسائل النقل الكبرى ووسائل الإنتاج المتعلقة بالحاجات الأساسية للشعب».

وأكدت الفقرة 1 من المادة 12 من الدستور المؤقت لعام 1969 على أن «الاقتصاد في الدولة، اقتصاد اشتراكي مخطط، حيث تنتفي معه جميع أشكال الاستغلال». ونصَّت الفقرة الأولى من المادة 13 على «ملكية الشعب، وتشمل جميع الممتلكات والثروات العائدة للمجتمع، كالثروات الطبيعية والمرافق المنشأة من قبل الدولة، والمؤسسات المؤممة وتتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب». واليوم ما زلنا نعيش في ظل الدستور الدائم لعام 1973 الذي ينصُّ في الفقرة الأولى من المادة 13 على أن «الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال»، وينصُّ على ملكية الشعب: وتشمل الثروات الطبيعية والمرافق العامة والمنشآت والمؤسسات المؤممة، أو التي تقيمها الدولة وتتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب. ورغم أننا ما زلنا نعيش في ظل الدستور الدائم، نسمع أصواتاً يسارية، من بعثيين وغيرهم، تنادي بالخصخصة للقطاع العام، أو إعطاء إدارته لشركات خاصة، كما أن الحال قد وصلت بالقطاع العام إلى الإهمال والفساد وأصبح لا شأن له في لعب الدور القيادي .

من أجل معرفة ما كان قادة البعث والثورة يطمحون في الوصول إليه بالمجال الاقتصادي، ولماذا أقدموا على تأميم واسع شمل العديد من المجالات، ومدى جديتهم في الممارسة من أجل انسجام ممارستهم مع المواد الواردة في الدساتير المذكورة، كانت الأسئلة التالية:

التأميم بعد الثورة

س- ينتقد بعض اليساريين ومن بينهم بعض البعثيين، أيضا، قرارات التأميم التي صدرت إبّان فترة الوحدة وبعد الثامن من آذار 196، ومن بين هؤلاء من يطالب بالخصخصة، ما هي الدوافع التي أدت بقيادة الحزب والحكومة إلى إصدار قرارات التأميم ؟

   ليس التأميم، أي نقل ملكية بعض المنشآت أو المشاريع العامة، أمراً تختص به أنظمة الحكم الاشتراكية، بل تلجأ إليه الدول ذات النظام الرأسمالي، أيضا، مع اختلاف الدوافع أو الفلسفة الكامنة خلف هذا الموضوع.

إن التأميم في المفهوم الرأسمالي، وإن انصبّ على بعض المرافق العامة الأساسية وبعض أوجه النشاط الاقتصادي، ليس من أهدافه إحداث تغيير في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن دافعه (التأميم)، إما للحد من انتشار الأفكار الاشتراكية أو للتخلص من وطأة الأزمات والمتاعب التي تواجهه، أحياناً، وكذلك فإن المشاريع العامة التي تنشئها الدولة ذات النظام الرأسمالي تكون نتيجة لعزوف الرأسمال الخاص عنها.

فالولايات المتحدة الأميركية، الدولة الأكثر ليبرالية اقتصادية والأكثر بعداً عن التدخل في الشأن الاقتصادي، أنشأت عام 1936في عهد الرئيس روزفلت مشروع وادي التينسي بإقامة السدود عليه لضبط مجراه، وتنظيم الملاحة فيه، وإنتاج الطاقة الكهربائية منه وتوزيعها وبيعها، وإصلاح الزراعة في الأراضي التي تحاذي النهر.

   كما أن الرئيس جون كندي هدد بتأميم القطاع الأهم في الصناعة الأميركية، وهو قطاع صناعة الحديد والصلب، وذلك عندما حاول مالكو هذا القطاع رفع أسعار منتجاتهم وتوجيه السياسة العامة لصالحهم.

   أما في بريطانيا العظمى، فقد لجأ حزب العمال عند استلامه السلطة بعد الحرب العالمية الثانية إلى تأميم بعض المشاريع المهمة في مجال الخدمات ومشاريع إنتاجية واستهلاكية كالمناجم والمواصلات والكهرباء والماء ..... وتدخلت الدولة في خفض سعر الخدمة وتحسين شروط تقديمها للجمهور.

ونصت الفقرة التاسعة من مقدمة الدستور الفرنسي الصادر عام 1946: على أن « كل مشروع يتميز بصفة المرفق العام، أو يتمتع باحتكار فعلي يجب أن تؤول ملكيته للأمة ».

وفي المادة 24 من الدستور السوري لعام 1950 ما نصه: «للدولة أن تؤمم بقانون كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة مقابل تعويض».

   نقلت الدولة السورية، منذ فجر الاستقلال، ملكية الخطوط الحديدية والبرق والبريد والهاتف إليها، وصدر في عام 1951، قانون بتأميم شركات الكهرباء وشركات المياه والنقل المشترك بالحافلات.

إن ذلك التأميم في سورية قد كان في السياق نفسه للتأميم في الدول ذات النظام الرأسمالي، أما التأميم الذي حدث في فترة الوحدة كان في سياق المفهوم الاشتراكي الذي ينطلق من فلسفة تقضي إجراء تغيرات جذرية في العلاقات الاقتصادية والتركيب الطبقي وتوسيع القطاع العام، ليكون له الدور القيادي في خطط التنمية الاقتصادية، ومن هذا المنطلق صدرت، خلال فترة الوحدة قوانين تأميم للمشاريع الأجنبية كالمصارف وشركات التأمين والمشاريع الوطنية الكبيرة ذات الأهمية الخاصة للاقتصاد الوطني.

حدثت ردة فعل على التـأميم في فترة الانفصال، وصدرت المراسيم التي تقضي بإلغائه، ولكن سرعان ما تراجعت الحكومات عن بعض قراراتها نتيجة للمواقف السياسية للأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب البعث، إذ قام القادة العمال من بعثيين وناصريين بقيادة العمال لإضرابات أدت إلى اشتباكات مع قوى الأمن، ولم تنته تلك الإضرابات إلا بعد أن أعيد تأميم بعض الشركات، إذ أعيد تأميم الشركة الخماسية والمطاحن، والمصارف الأجنبية، تأميما كاملاً، وأعيد تأميم المصارف العربية تأميماً جزئياً.

   مفهوم البعث لدور الدولة في النشاط الاقتصادي

   بعد ثورة الثامن من آذار، واستلام الحزب للسلطة، كان لا بد له، كحزب اشتراكي، من أن يطبق فلسفته ومفهومه لدور الدولة في النشاط الاقتصادي.

   إن للدولة، حسب مفهوم البعث، دوراً يقوم على فلسفة اجتماعية واقتصادية، ويرتكز إلى أسس علمية، وخطط اقتصادية ملائمة لتطور المجتمع، وتهدف منطلقات الحزب الاشتراكية، كما حددتها منطلقاته النظرية، إلى إزالة الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق اقتصاد وطني هدفه الرفاه للشعب وتأمين مستقبل للأجيال الوافدة التي يجب أن تجد مكاناً لها في سوق العمل.

   وعلى الدولة، من منظور البعث، أن تنزل إلى ميدان الحياة الاقتصادية وتعمل على تنسيق التعاون بين رأس المال العام ورأس المال المشترك ورأس المال الخاص لتحقيق المؤشرات التي تهدف الخطط الاقتصادية الوصول إليها.

   إن دور الدولة، إذاً، لا يرتكز إلى الفكرة التي ترى أن دورها الاقتصادي يقتصر على القيام ببعض الخدمات العامة وتحقيق العدالة بين المواطنين عن طريق توزيع مداخيل الموازنة والسياسة الضريبية.

   من هذه الرؤية كان على الدولة _وسورية دولة نامية لا طريق لتطورها إلا بالتخطيط الاشتراكي_ أن توجه النشاط الاقتصادي نحو المشاريع الحيوية الضرورية وتراقبه حتى لا ينحرف عن الأهداف المرسومة له في الخطط، وحتى لا يقضي على عنصر العمل أو يستغله، وحتى يبتعد عن الارتجال والأعمال والمشاريع المتفرقة التي لا رابط بينها ولا هدف لها إلا الربح السريع.

   إن التخطيط في مفهوم البعث، وكما هو معروف، هو الأداة التنظيمية والتوجيهية والتنسيقية لمجابهة المشكلات والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المترابطة والمتشابكة والمتفاعلة معاً في المجتمع، وهو، أيضاً، تعبئة طاقات ومقومات المجتمع لبلوغ أهدافٍ عقد المجتمع عزمه على بلوغها بإرادته المستمرة.

والتخطيط في النظام الاشتراكي، خاصة، يتصف بالشمول لأنه يربط كل أوجه النشاط الاقتصادي لبلد معين بعضها ببعض، وهذا يوجب أن تتركز في يد الدولة تحديد معدلات النمو في كل جانب، لضمان عملية التقدم ولتفادي وجود اختناقات.

ولكي يصبح التخطيط الشامل أمراً ممكناً يحقق المؤشرات التي يهدف إليها، ويستطيع تخطيط الإنتاج تخطيطاً دقيقاً، ويحرك موارده الاقتصادية نحو استخدامات اقتصادية واجتماعية لتحقيق التنمية الاقتصادية، لا بد من وجود قطاع عام يملكه المجتمع وتديره الدولة، ويرفد عملية التنمية الاقتصادية ويوفر الموارد المالية لتمويل إنشاء مشاريع التنمية الحيوية وتسريعها، ويَحِدُ من قوانين السوق قدر الإمكان لإنجاح عملية تنفيذ الخطط، وينهي الركائز السياسية للقوى الرأسمالية، ويحرر صغار التجار من براثن الكبار، ويحقق أهداف التنمية المستدامة.

والقطاع العام يتكون من مصدرين، التأميم لمنشآت قائمة، وإنشاء مشاريع جديدة، والقطاع العام، الذي يعني ملكية الشعب لوسائل الإنتاج وسيطرته عليها، يعطي للدولة دورها في توجيه حركة المجتمع الاقتصادية نحو تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، كما أنه يعتبر، وفق المفهوم الاشتراكي، الدعامة الأولى التي تستند إليها بقية الدعائم التي تساهم في بناء الاشتراكية.

من هذا المنطلق، كان التأميم بعد ثورة الثامن من آذار، أي أنه ليس ردة فعل، أو انتقاماً من أصحاب المشاريع، وهو ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة أساسية للسير نحو الاشتراكية، وهو في الوقت نفسه يبطل استغلال رأس المال للعمال، كما يبطل دوره في الشأن السياسي للدولة.

س _ ماذا حلّ بأصحاب الشركات والمصانع والمساهمين فيها عندما أممت المنشآت الصناعية؟

هرّب الرأسماليون أموالهم للخارج في فترة الوحدة، ولم يعيدوا إدخالها إلى الوطن في فترة الانفصال، واستغلوا أموال المصارف المؤممة، أي أموال الدولة، لنشاطهم الاقتصادي، كما أن البعض منهم أنشأ مشاريع وهمية أو سجّل مشاريع صغيرة جداً بأنها مشاريع كبيرة برأسمالها وبعدد عمالها ليستجر من المصارف قروضاً كبيرة.

هكذا كان واقع الحال حين قامت ثورة آذار، كما أن هؤلاء الرأسماليين من تجار وصناع، وبتحالفهم مع بعض الأصوليين من رجال الدين وباستغلالهم لصغار التجار والكسبة، عمدوا، وفي أكثر من مدينة، إلى استثمار قوتهم الاقتصادية لمنع الثورة من المضي نحو أهدافها، أي عمدوا إلى استغلال رأس المال للتأثير على القرار السياسي .

بعد ثورة الثامن من آذار، أعيد تأميم ما كان مؤمماً في فترة الوحدة، إذ أممت تأميماً كاملاً جميع المصارف العاملة في سورية والشركات الصناعية الكبرى، وخاصة في قطاع الغزل والنسيج، وأممت تأميماً جزئياً بعض الشركات الأصغر.

وفي تاريخ 2/1/1965، أي، مع البدء بوضع مؤشرات الخطة الخمسية الثانية 1966- 1970، صدرت قرارات تأميم كامل لبعض الشركات، وتأميم جزئي للشركات المتوسطة.

وصدر في شهر شباط من العام ذاته مرسوماً تشريعياً، وبموجبه، حصرت الدولة بيدها تجارة الاستيراد والتصدير.

وبموجب المرسوم التشريعي 35 تاريخ 18 شباط 1965، أممت حوالى 40 مؤسسة من مؤسسات استيراد الأدوية.

وساهمت الدولة بتوزيع وبيع المواد للمواطنين بالمفرق وبسعر تشجيعي، وكسر احتكار التجار بفرض الأسعار، وكان ذلك بإحداث المؤسسة العامة الاستهلاكية بتاريخ   1/3/1965.

وفي 14/3/ 1965صدر مرسوم تشريعي يقضي بتأميم جميع شركات المحروقات والزيوت الأجنبية والوطنية العاملة في سورية، وكذلك، أُممت محالج الأقطان، وأنشئت مؤسسة عامة لحلج وتسويق القطن السوري.

   وفي 1970 صدر مرسوم بالتأميم الكامل لكل الشركات المؤممة جزئياً، وهذا التأميم يتزامن مع البدء بوضع مؤشرات الخطة الخمسية الثالثة للأعوام 1971- 1975.

لقد قام التأميم الذي بدأ في2/1/1965، على أساسين، الأول : رأسمال المنشأة، والثاني : عدد عمال المنشأة، كما هو مسجل في سجلات وزارتي الصناعة والاقتصاد، ولكن احتيال بعض الصناعيين وتواطؤ بعض المسؤولين معهم للحصول على قروض، شمل التأميم منشآت لم تتوفر فيها الأسس التي اتُخذت للتأميم، ولقد أعيدت تلك المنشآت إلى أصحابها بعد استثنائها من مراسيم التأميم.

س _ من المعروف أن الثورة صادرت، أيضاً، بعض المخازن في مدينة دمشق، ما أسباب ذلك؟

بعد صدور قرارات التأميم، عمد بعض المتنفذين المعادين للثورة طبقياً وسياسياً بتحريض صغار التجار والكسبة في دمشق لتنفيذ إضراب عام بتاريخ 23 /1 / 1965 أغلقت فيه أسواق المدينة، ورغم كل الحوارات التي جرت بين أعضاء من مجلس قيادة الثورة وأعضاء من غرفة تجارة دمشق، أصر هؤلاء على موقفهم بغية إسقاط نظام الحكم إن استطاعوا، أو تحقيق بعض المكاسب السياسية كحد أدنى، ونتيجة لموقفهم المتعنت قام أعضاء من الحزب بفتح متاجر بعض المحرضين بالقوة، كان من نتيجة ذلك أن تراكض التجار والكسبة لفتح مخازنهم، ونتيجة لهذا الإضراب، أيضاً، صدر المرسوم التشريعي 23 تاريخ 25/1/1965 والمرسوم التشريعي 26 تاريخ 26/1/1965 ،وبموجبهما صودرت بعض المشاريع والمخازن التجارية المملوكة لكبار المحرضين كعقوبة لهم.

إن هذه التدابير كانت مؤقتة غايتها التنبيه والتحذير، ولقد ألغيت تلك التدابير بموجب المرسوم التشريعي 42 تاريخ 1/3/1965، وأعيدت المشاريع والمخازن التجارية لأصحابها.

س: هل التأميم ركيزة في سياسة البعث الاقتصادية؟

وأخيراً، لا بد من العودة للتأكيد بأن اعتناق مبدأ التأميم، بالنسبة لحزب البعث، كحزب اشتراكي، هو أساس للسير في الطريق نحو بناء الاشتراكية، وبموجب مراسيم التأميم أصبحت قطاعات اقتصادية متكاملة في ملكية الشعب وإدارة الدولة، كالمصارف، وشركات التأمين، والمطاحن، وشركات استيراد وتوزيع المحروقات، وشركات استيراد الأدوية، وصناعة حلج الأقطان وتسويقها، وصناعة الغزل والنسيج، والتجارة الخارجية ...الخ، وأصبح القطاع العام يقود جميع مجالات النشاط الاقتصادي، ويستطيع أن يوجه هذا النشاط وفق المخطط العام للتنمية الشاملة.

ونصّت مراسيم التأميم على أن تدفع الدولة للمعسرين من صغار المساهمين الذين كانوا يعتمدون في معيشتهم على ريع هذه الأسهم قبل صدور المراسيم، وذلك على أساس القيمة الاسمية ولقد استرد هؤلاء قيمة أسهمهم بالكامل.

س _ هل من فكرة أكثر توضيحاً عن الأسباب التي دفعت بقيادة الثورة إلى تأميم المصارف؟

تُعدُّ المصارف في بلد ما من أهم الأجهزة وأخطرها، فهي تمثل الوعاء الذي يستقطب مدخرات المواطنين وودائعهم لتذهب منه إلى شتى نواحي الإنتاج والاستثمار.

كانت رؤوس أموال المصارف العاملة في سورية قليلة، ومجمل نشاطها يتركز في التوظيف ويعتمد بشكل رئيس على التسليف والدعم الذي تستمده من المصرف المركزي وودائع المواطنين، وكانت قلة من الأفراد -أصحاب النفوذ الاقتصادي أو السياسي- هي المستفيدة من أموال المصارف في سورية وتنفق في غير طريق التنمية وتطوير إمكانيات القطر الاقتصادية.

إن هذا الأسلوب في التسليف قاد إلى إفساد فئة كبيرة من الشخصيات ومن السياسيين المحترفين، ومكّنت المصارف من السيطرة عليهم ليكونوا في خدمة مصالحها ومخططاتها وتسيير سياسة القطر الاقتصادية وتوجيهها لصالح فئة معينة.

إن الاشتراكية من مبادئ حزب البعث، وهي المبادئ التي التزمت بها ثورة آذار، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من برامج وخطط لتنمية القطر، وهذا يتطلب توجيه الثروة المالية توجيهاً سليماً لتنفيذ تلك البرامج.

ويتطلب الاقتصاد الموجّه الاشتراكي، أن تقوم الدولة بتخطيط ومتابعة جميع عمليات الادخار والاستثمار وتوجيهها لخدمة الصالح العام ورفع المستوى المعيشي للمواطنين.

لهذه الأسباب صدر المرسوم التشريعي رقم 37 تاريخ 2/5/1963 القاضي بتأميم جميع المصارف العاملة في الجمهورية العربية السورية.

عدد الزيارات
9702017

Please publish modules in offcanvas position.