أطلال وغاز وأثاث... حقائق دولة منهوبة

عبد الفتاح طوقان- الأردنأ عبد الفتاح طوقان

هل تتشابه أيام مصر ١٩٧٩ مع أيام الأردن ٢٠١٩ التي نهبت مؤسساتها وخصصت وتلاشت و تتعرض لإفلاس وحراك شعبي وطني مدني، متلاحم بمتقاعدين عسكريين شرفاء وامتدادات داخل جهاز الدولة، حتي لا تصبح لا سمح الله “رماد"؟ وهل سيكون شهر نيسان الأردني ٢٠١٩ نسخة عن ابريل ١٩٧٩ مصر من أربعين عاما؟ ويتبعها أيلول مشابه لسبتمبر ١٩٨١ في مصر؟

١١ ابريل من عام ١٩٧٩ حل الرئيس المصري أنور السادات مجلس الشعب المصري بعد ان وافق٣٢٩ نائباً على اتفاقية كامب ديفيد واعتراض ١٥ نائبا مصريا.

.ثم آتت مجالس الموافقة بالاجماع.وهتف المعارضون للاتفاقية: "والله زمان يا سلاحي/اشتقت لك في كفاحي"،

وفي الثالث من أيلول ١٩٨١ جرت اعتقالات سبتمبر (أيلول)، بعد خطاب تهديد وغضب من أنور السادات، والتي هدفها قمع السياسيين والصحفيين المعارضين والحراك المصري والغاء صحف المعارضة، ووصل عدد من زج بهم في السجون ١٥٣٦ شخصية وطنية مصرية شملت محمد حسنين هيكل، فؤاد سراج الدين، البابا شنودة، والشيخ احمد المحلاوي، ومصطفى بكري، وحلمي مراد، ونوال السعداوي، وحمدين الصباحي، و عبد المنعم أبو الفتوح، و مصطفي امين، و لطيفة الزيات، و شاهنده مقلد و غيرهم من كبار مفكري مصر ووزرائها و صحافييها و سياسييها، و كان الحديث ان هؤلاء الكوكبة من مفكري مصر يثيرون الشكوك و يحركون الشارع!

بينما السبب الواقعي هو ان إسرائيل كانت تريد اتفاقية موقعة من مجلس الشعب المصري بإجماع ودون معارضة، وقد سبق ان قال أنور السادات وهو في عنفوان قوته وتأثيره لمناحيم بيجين: "انت توقع مع رئيس مصر المنتخب، مع بطل الحرب، فأجابه: اترك العاطفة والعظمة، لا قيمة في التاريخ لكل هذا، نريد موافقة شعبية بإجماع من أبناء مصر الحقيقيين من خلال مجلس شعب منتخب، والتي بدونه لا قيمة لك. نريد اتفاقية قانونية دولية نافذه". انتهى الاقتباس.

هذا موقف إسرائيل من مصر، بلد ال ٩٠ مليون، وقناة السويس، وعلاقات واتفاقات دولية، والتي قادت الدول العربية وتعتبر من أهم الدول الافريقية، ذات وزنا سياسيا وامتاز رئيسها آنذاك أنور السادات بالدهاء والشجاعة وسرعة اتخاذ القرار والمواجهة ولديه جيش مدرب قوامه مليون ونصف مقاتل، ولديه مسانده ومجموعات دبلوماسية قوية مصرية تعمل على كافة الأصعدة في أوروبا والشرق الأوسط، ولديه جهاز مخابرات وطني منتشر في انحاء العالم و سفراتها، ولا يستهان بقدراته السياسية والأمنية و التي يتم اعداد ضباطها و تأهليهم ثقافيا و فكريا و سياسيا بالإضافة الى التدريبات العسكرية الأخرى، و الأهم خروجه منتصرا في حرب تشرين ١٩٧٣.

المملكة الأردنية قادمة على اتفاقات اجبارية، لا قرار ولا استشاره لاحد، وضغوطات تبدأ من قطع المعونة الامريكية البالغة مليار ونصف سنويا بالإضافة الى المساعدات العسكرية، وانهاء الصفة التمثيلية لدور الأردن في المقدسات والقدس، ولا تتوقف عن نظام بديل، نقطة.

وبالتالي يرى البعض انه بداية تجهيز الساحة لتقبل كل ذلك، حيث مجلس شعب يحل و تجري انتخابات، وحديث ملكي عن ضغوطات دون توضيح ما هي، ثم حديث عن القدس خط احمر لاستقطاب مشاعر المواطنين، وتهديد مبطن للحراك ومن يشارك به من المتقاعدين العسكريين، وإشارات الى من يمنح ذخيرة لإسرائيل وكأن إسرائيل التي ضربت كل قرارات الأمم المتحدة، واغتصبت فلسطين و هودت القدس وارتكبت المذابح ، وقصفت لبنان بينما مناحيم بيجين و السادات يجلسان معا يتناولان الإفطار و المشلتت المصري بالعسل الأسود على ضفاف البحر في استراحة الرئاسة للسادات بالإسماعيلية، بحاجه الي ذخيرة. إسرائيل لا تأبه لاحد ولا يخطب ودها أحد ولا تتأثر بخطاب ولا يهزها تهديد او حرد من أحد.

و أود الإضافة هنا أولا القدس أصبحت عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية، ولم يظهر في الساحة الا استنكار، وأصبحت واقعا ويوما بعد يوم يتم افتتاح ونقل سفارات دول اليها دون مقاطعتها او مقاطعة الزيارة اليها ومن ضمنها على سبيل المثال استراليا. ثانيا الولايات المتحدة الامريكية نقلت سفارتها ولم تقاطع رسميا ولا شفويا واستمرت الزيارات لها والتعاون معها عسكريا وشموليا في توجهاتها ضد دول عربيه، وثالثا  خط الغاز الصهيوني المسروق من فلسطين و الذي اتفاقيته فرضت باتصال وزير خارجية امريكي سابق يملك حصة في الشركة الإسرائيلية و غيرها بحاجة الى توضيح و مصارحة، خصوصا وقد أبدى "يوني بن مناحيم" المحلل الإسرائيلي للشئون العربية في ٣ نيسان ٢٠١٧، اعجابه بالملك عبد الله الثاني واصفا إياه "مقاول ترامب" للصفقات السياسية في المنطقة، وهو ما اختلف معه، ودون أي اعتراض او تعليق من الديوان الملكي او الاعلام الأردني الذي هو غائب دوما عما ينشر في الخارج وما يخطط له وغير قادر علي المواجهة او ربما مطلوب منه الصمت.

وللأسف، تم التوقيع علي معاهده وادي عربه، دون الانتباه الى صياغة الاحرف و النقاط و التعاريف التي بها كثير من التنازلات و الزلات و الأخطاء لصالح إسرائيل، و إسرائيل من وجهة نظرها تعتقد و تجزم انها لم تخالف بنودها فيما يتعلق بالدور الأردني في رعاية المقدسات، و السبب هو وجود نص لم يلتفت اليه المفاوضون، و اللذين بعضهم لم يكونوا ليفاوضون، هذا النص يقول: "بهذا الخصوص و بما يتماشى مع اعلان واشنطن، تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي إسرائيل أولوية كبري للدور الأردني التاريخي "انتهي الاقتباس عن بنود المعاهدة".

 اذن قانونا انها تحترم ولا تؤكد، وتعتبر الوضع خاص انطلاقا من مرحلية مؤقتة والنص يتحدث ويشير الى مقدسات قد تصبح تحت قوانين مختلفةتتبع قواعد واليات مغايرة في الوضع الذي ينشأ حينه، لم يتم الاتفاق عليها بعد عند الوضع النهائي، والأخطر ان اسرائيل ستولي أولوية ولم تقل "يقتصر الدور على الأردن فقط"، بما يعني هناك أكثر من جهة سيكون لها الحق في الرعاية ولكن إسرائيل ستولي أولوية وان كانت لن تمنحها ويحق لها اختيار من تشاء وتعهد اليه.

واضيف لم تشر الاتفاقية ولا اعلان واشنطن لأي دور لوصاية هاشمية او دور للهاشميين. وبالطبع هذا يفتح الباب لكل من المغرب والسعودية ودولا اخرى بالرعاية، وليس مستبعدا ان تكون فرنسا او بريطانيا او لجنة من كلاهما وبتمويل خليجي.

انطلاقا من الحفاظ على الأردن، وعلى احقية العشائر والشرق أردنيين في الدفاع عن ارضهم ووطنهم من الاغتصاب الشرعي تحت مسميات صفقة القرن وتحت الضغوطات، وتحت وجود تجمعات غير اردنية مهدت لأنفسها ويمهد لها المشاركة في الحكم والتشريع وهي أصلا من ضيوف الأردن ساحة الضيافة والاستضافة لحين عودة ما سلب منهم، أتمنى الا يكرر ما حدث أيام الرئيس السادات في أردن الجأش والرباط. تحت أي ظرف وان يكون عبرة لهم.

 وكما التقي الملك عبد الله الثاني في المحافظات وفي الديوان من مؤيدين، ان يلتقي بالحراك والمعارضين والمعتصمين والمضربين، وبمن قيل عنهم خطاء وتم تعريفهم من قبل مستشاري التقسيم "انهم مشككين"، و كفى عن مقاطعة عصب الدولة الناشط و المتحرك لأجل الأردن، علما أن الكل اردنيون قد يختلفون على قضايا مصيرية و لكن لا خلاف علي الهاشميين، هدفهم نبيل وموحد نحو أردن حر ومستقل و معافى، خال من الفساد و من يحميه و اقتصاده متعاف و امنه مستقر، وان تتوحد الجهود يدا بيد لأجل وطن أردني، لا مكان فيه و لا بديل عن أصحاب الأرض و عشائره الطيبة "اهل عهد الدولة"، و لا مجال لنظام بديل او حاكم مستورد.

ليكن التعامل بهدوء، وروية دون تهديد ووعيدا، خصوصا وان لا أحد ضد النظام او يشكك فيه او يقبل بتغييرهما يحلو للبعض الاشاعة، وأن يتم تقبل الرأي الاخر الذي يتسع يوما بعد يوم في الساحة الأردنية ولا يمكن اخفاؤّه او التغاضي عنه، ومبن على ارض وحقوق وأسس الدولة لا اثاث يباع ويشتري، أو رحيل أحد تاركا متاع الأثاث وديون افلاس. القادم أخطر ويهدد الأردن قبل ان يهدد الهاشميين، ويحتاج الي شخصية وطنية قادرة على إدارة الحكومة لإنقاذ الوطن.

كلا الحلول تلك المفروضة والمقترحة والتي بوشر في مفرداتها، مرفوضة قلبا وقالبا مهما بلغت التضحيات وباغتت الأردن الضغوطات، لان ذخائر الوطن في الدفاع عنه وطنا اردنيا ترفرف في سمائه بوطنية أبناؤه اعلام الكرامة، التي تقف سدا منيعا امام من يريدها "أطلال" دولة منهوبة.