غالبية الألمان: الإسلام ليس جزءاً من ثقافة البلد

وفقا لاستطلاع للرأي أجرته وكالة الأبحاث الألمانية "إنفراتست ديماب" لصالح قناة " WDR" الألمانية، نشر أمس الأول، فإن ما يقرب ثلاثة من أصل أربعة مواطنين ألمان يخشون حدوث هجوم إرهابي وشيك في بلادهم من قبل المتشددين الإسلاميين.

وبحسب الوكالة نفسها فإن ما يقرب من ثلثي الشعب الألماني يقول إن دين الإسلام ليس له مكان في بلادهم. وتم الإعلان عن هذا البحث المثير للجدل مع استمرار التوترات الناجمة عن وصول أعداد كبيرة من اللاجئين إلى ألمانيا، الذين تجاوز عددهم حاجز المليون لاجئ.

وسجل هذا الاستطلاع ارتفاعاً بنسبة 10 في المئة عن دراسة في عام 2014، حيث عبر آنذاك 55 في المئة من الألمان على أن الإسلام ليس جزءاً من الثقافة الألمانية. وبشكل مثير للاهتمام، كانت الاعتراضات أكثر وضوحاً بين الألمان الأكبر سناً، حيث أعرب 71 في المئة من الذين تزيد أعمارهم عن 64 سنة عن تحفظهم من فكرة انتماء الإسلام إلى ألمانيا.

في المقابل، ما يقرب من نصف الألمان، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 34 سنة، قالوا إنه ليس لديهم مانع من أن يكون الإسلام جزءاً من المجتمع الألماني. وتشير هذه الأرقام إلى تحول كبير في الرأي العام منذ عام 2010، عندما قال الرئيس الألماني السابق كريستيان فولف، في خطاب متلفز، إن الإسلام جزء من ألمانيا. في ذلك الوقت، وافق 49 في المئة من المستطلعين مع الرئيس في حين رفض 47 في المئة بيانه.

وبحسب المراقبين للشأن الألماني، فإن هذا الاستطلاع سيعيد تأكيد نتيجة استقصاء آخر صدر الأسبوع الماضي من قبل صحيفة "بيلد" الألمانية جنباً إلى جنب مع معهد البحوث "إينسا"، والتي خلصت إلى نتائج متماثلة تقريباً، الأمر الذي قد يوحي بأن هناك اتجاهاً قوياً في ألمانيا نحو الابتعاد عن الإسلام.

وفي الدولة المجاورة، أظهر استطلاع مماثل في فرنسا الأسبوع الماضي أن الآراء أشد تطرفاً تجاه الإسلام، فهناك "رفض تام" للإسلام من مختلف ألوان الطيف السياسي، حيث قال 47 في المئة أن المسلمين "يهددون" الهوية الفرنسية.

وتأتي هذه الدراسة وسط تزايد الشكوك تجاه اللاجئين ذات الغالبية المسلمة في ألمانيا، وخاصة بين مؤيدي حزب "البديل من أجل ألمانيا" و"الحزب الديموقراطي الحر". ووفقا للاستطلاع، فإن أكثر من ثلاثة أرباع أنصار "الحزب الديموقراطي الحر" يعتقدون أن الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا، بينما نسبة المعارضة أعلى بكثير بين أنصار الـ"بديل من أجل ألمانيا"، وصلت نسبتها إلى 94 في المئة.

علاوةً على ذلك، يعتقد 58 في المئة من الألمان أن الأحزاب القائمة في البلاد مثل "المسيحي الديموقراطي"، و"الاتحاد المسيحي الاجتماعي"، و"الاشتراكي الديموقراطي"، و"الخضر" واليسار، و"الديموقراطي الحر"، فشلوا جميعاً في اتخاذ خطوات جدية للحد من مخاوف انتشار التطرف الإسلامي في البلاد، والذي ترعاه تركيا والسعودية.

الجدير بالذكر أن "البديل من أجل ألمانيا" استفاد من هذه المخاوف في الأشهر الأخيرة، وعزز مكانته على المستوى الوطني، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الدعم الشعبي للحزب تتزايد على حساب الأحزاب التقليدية القائمة.

في المقابل، دافع المؤرخ الألماني ميخائيل بورغولته، المتخصص في حقب العصور الوسطى، عن الإسلام قائلاً أنه هو أحد أسس الثقافة الأوروبية والألمانية.

وبحسب بورغولته فإن "النهضة التي عرفها الغرب الأوروبي في القرن الـ11 و12 و13 لم تكن ممكنة دون مساعي التراث الثقافي الإسلامي واليهودي". وقال، في حوار مع وكالة الأنباء الكاثوليكية، "نحن نستفيد حتى يومنا هذا من العلماء المسلمين".

بالمثل تحفظ نائب رئيس "الحزب المسيحي الديموقراطي" أرمين لاشيت على نتائج هذه الاستطلاعات، لكنه وجَّه سهام نقده إلى حزب "البديل"، قائلاً إن "قرار حزب البديل يمثل هجوماً على كل الأديان تقريباً"، مضيفاً أن "القول بأن الإسلام جسم غريب في ألمانيا، هو دعوى للانقسام بحد ذاته". بغض النظر عن أسباب صعود المشاعر المعادية للإسلام، يبدو أن أزمة اللاجئين ومسألة "أسلمة ألمانيا" ستكون من الموضوعات الرئيسية التي ستقرر مستقبل السياسات الألمانية. فهل تتجه ألمانيا نحو اليمين؟

كيفورك ألماسيان

"العفو الدولية": مسلحو "المعارضة" ارتكبوا جرائم حرب

أوضحت منظمة "العفو الدولية"، يوم الجمعة، أن جماعات مسلحة من "المعارضة" السورية، ربما ارتكبت جرائم حرب في قصفها المكثف لمنطقة خاضعة لسيطرة كردية في مدينة حلب بشمال البلاد.
وقالت "المنظمة" في بيان إنها جمعت أدلة على مقتل العشرات من المدنيين في القصف العشوائي لحي الشيخ مقصود في حلب، المدينة التي تنقسم السيطرة فيها بين القوات الحكومية و"المعارضة".
وأضاف البيان، "نفذت جماعات مسلحة تحاصر حي الشيخ مقصود.. بصورة متكررة هجمات عشوائية قصفت منازل مدنية وشوارع وأسواقاً ومساجد، ما أدى إلى مقتل وإصابة مدنيين وأظهر استهانة سافرة بالحياة الإنسانية."
وقالت نائبة مدير منطقة الشرق الأوسط في المنظمة ماغدالينا مغربي، إن الهجمات "قد ترقى إلى جرائم حرب"، مضيفة "بإطلاقها قذائف غير دقيقة على أحياء مدنية، فإن الجماعات المسلحة التي تهاجم حي الشيخ مقصود تنتهك بشكل فادح مبدأ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية وهو قاعدة أساسية بالقانون الدولي."
واعتمدت "المنظمة" على شهادات شهود عيان ومقاطع مصورة، وقالت إن 83 مدنياً على الأقل بينهم 30 طفلا قتلوا في المنطقة في الفترة من شباط إلى نيسان الماضيين.
وتقاتل "وحدات حماية الشعب" الكردية وحلفاء لها منذ أشهر، مقاتلين معارضين من بينهم جماعات إسلامية في شمال محافظة حلب، المتاخمة لتركيا. وزادت وتيرة القصف على حي الشيخ مقصود -الذي تقطنه نسبة كبيرة من الأكراد- منذ شباط الماضي. وقال مقاتلو "المعارضة" إن "وحدات حماية الشعب" تريد فتح طريق للدخول من تركيا إلى المشارف الغربية لمدينة حلب، الواقعة تحت سيطرة "المعارضة"، مشيرين إلى أن القوات الكردية تعمل مع الحكومة السورية، فيما تنفي الـ"وحدات" هذا الاتهام. 

رويترز

مدرسة جودة الهاشمي أول المضائين بـ«الشمس»

أعلنت وزارة الكهرباء يوم أمس انتهاء أعمال مشروعين للاستفادة من الطاقة الشمسية بكلفة نحو 26 مليون ليرة، المشروع الأول عبارة عن نظام كهروضوئي تضخ المياه من الآبار باستخدام اللواقط الكهروضوئية على أحد الآبار في منطقة المزرعة وذلك من خلال اتفاقية خاصة مع المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بدمشق حيث تبلغ استطاعة النظام الكهروضوئي 13.2 كيلو واطاً، ويعتمد هذا النظام على ضخ المياه من البئر خلال أوقات الإشعاع الشمسي نهاراً وتخزين المياه ضمن خزان التجميع الرئيسي.
بلغت الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 6 ملايين ل.س ويقدر العمر الاستثماري لهذا المشروع بنحو 25 سنة حيث من المتوقع أن تبلغ كمية الكهرباء المنتجة منه سنوياً نحو 28 ألف ك واط ساعي، وبالتالي يبلغ الوفر المالي الناجم عن الوفر المحقق في استهلاك الكهرباء المستجرة من الشبكة العامة نحو 1.2 مليون ل.س وفق قيمة تكلفة الكيلو واط المنتج من المحطات التقليدية أي إن فترة استرداد كلفة المشروع لا تتجاوز 5 سنوات.. بينما تحدثت الوزارة عن مشروعها الثاني بأنه عبارة عن منظومة كهروضوئية على سطح مدرسة جودت الهاشمي بمدينة دمشق باستطاعة 20 كيلو واطاً والذي يتم تنفيذه بموجب مذكرة التفاهم الموقعة بين وزارتي الكهرباء والتربية للتعاون في مجال نشر الوعي الطاقي وتطبيقات الطاقات المتجددة التي تتضمن تنفيذ مشروع كهروضوئي ريادي على سطح إحدى المدارس لتوليد الكهرباء بهدف التوسع وتعميم هذه التجربة على بقية المدارس الحكومية.

عبد الهادي شباط

 الوطن

«المرجة» تفقد قوتها: الصيت لـ«تصريف العملة» والفعل لغيرها

ما أن سقوط آلاف الشهداء على امتداد الجغرافيا السورية خلال مئة عام لم ينل من رمزية ساحة المرجة، كمكان أعدم فيه العثمانيون نخبة من المثقفين وطالبي التحرر، فإن زيادة عدد المتاجرين بالقطع الأجنبي وانتشارهم الجغرافي خلال السنوات الماضية لم يغير من نظرة البعض لمنطقة المرجة كمركز رئيسي لتصريف العملة الأجنبية بشكل غير قانوني، لا بل لا تزال على قائمة المناطق التي تراقبها الشرطة، وتداهم بعض محالها بين الفينة والأخرى، بحثاً عن «تجار العملة» غير المرخصين.

مستعيناً بعكازه وخطواته المتثاقلة، لا يزال أبو يوسف ابن الخامسة والسبعين عاماً، وكما اعتاد أن يفعل منذ أكثر من أربعين عاماً، يتوجه صباح كل يوم إلى عمله في مطبعة «الأوفست» القريبة من ساحة المرجة. «لقد تغيرت الساحة كثيراً عما كانت عليه سابقاً، من هنا كنا نسافر إلى المحافظات ونتنقل بين مناطق دمشق وأحيائها، وهنا أيضاً كنا نحضر لمشاهدة أفلام فاتن حمامة وسعاد حسني وأنور وجدي وغيرهم» يقول الرجل. ويضيف: «إن تحول الساحة سابقاً إلى مركز انطلاق للسيارات والحافلات نحو المحافظات، وما رافق ذلك من انتشار للفنادق الشعبية وتوسع في النشاط الاقتصادي والسياحي، أدى إلى زيادة أعداد صرافة العملات الأجنبية، الذين لم يكن عملهم ممنوعاً في الخمسينيات والستينيات. وحتى عندما منع بشكل كامل في الثمانينيات تحت ضغط انخفاض سعر صرف الليرة، حافظ بعضهم على مزاولة مهنتهم بشكل سري، إلى جانب أشخاص جدد وجدوا فيها مصدر جيداً للدخل».


وما زاد من أهمية الساحة ومكانتها سابقاً في «تصريف العملة»، تباينها عن معظم ساحات العاصمة الرئيسية، التي إما أنها كانت تفتقد تماماً النشاط الاقتصادي أو أي من تفرعاته، أو أنها كانت تمارسه على خجل وبشكل محدود، وهذا واقع لا يزال حاضراً في بعض جوانبه إلى اليوم. لكن عضو غرفة تجارة دمشق واتحاد المصدرين مازن حمور يميل إلى الاعتقاد بأن سبب انتشار أعمال الصرافة في المنطقة «ليس له علاقة بمكانتها التجارية، وإنما بالتجمع البشري الموجود فيها والمنتمي إلى جميع المحافظات، فضلاً عن كونها سابقاً نقطة انطلاق رئيسية نحو الخارج».
للدكتور محمد غسان طيارة، وزير الصناعة السابق، رؤية أخرى، إذ بحسب معلوماته «فقد كانت تجارة العملة تمارس عبر دكاكين موجودة على مدخل سوق الحميدية، وذلك بغية مساعدة السياح العرب والأجانب على تصريف ما يحتاجونه من عملات، وعلى مقربة من تلك الدكاكين كانت توجد أيضاً دكانة لبيع وشراء الأسهم، واستمرت في عملها حتى نهاية فترة الستينيات».

ويضيف  أن العديد من تجار التحف الشرقية المنتشرين في تلك المنطقة، كانوا يقومون أيضاً بأعمال تصريف العملة. إنما لأول مرة أسمع أن المرجة هي مركز لتصريف العملات الأجنبية».


وهذا أيضاً ما يذهب إليه أحد الاقتصاديين البارزين، الذي يشير إلى أنّ سمة منطقة المرجة كمركز لتصريف العملة متأتية من تاريخ المنطقة، فهي متاخمة للمحال التي كانت في السابق منتشرة على حائط القلعة تبيع الساعات وتقوم بتصريف العملة، فضلاً عن مجاورتها واتصالها بعدة أسواق، لا تزال تمثّل حتى اليوم عمود الاقتصاد الدمشقي، كسوق المناخلية، والزرابلية، وسابقاً كان هناك سوق الهال للمنتجات الزراعية، وغيرها.

وللعلم أيضاً، فإن ساحة المرجة، والمسماة رسمياً اليوم ساحة الشهداء، كانت تحتضن في السابق المراكز الرئيسية لإدارة شؤون الدولة، كالسرايا الحكومية ووزارة الداخلية.

 

صيت «غنى»

ليس للساحة اليوم، التي تعد رسمياً مركزاً لمدينة دمشق، هوية واضحة، فالزائر لها وللشوارع المحيطة بها، يلحظ بوضوح ذلك التنافر والتداخل الحاصلين بين مهن محالها ومكاتبها وأسواقها، من محال بيع التجهيزات والأدوات الكهربائية إلى محال بيع الفروج، فوُرش ومحال صناعة الحلويات الشرقية، وبيع الألبسة والأحذية، فمكاتب السياحة والسفر وبعض فروع شركات الصرافة المرخصة حديثاً، وصولاً إلى المكاتب التجارية والفكرية.

وبين هذا وذاك تتموضع بعض المقاهي الشعبية، التي أصبح جل روادها اليوم من أبناء المنطقة الشرقية، إضافة إلى الفنادق الشعبية، وتلك المصنفة ثلاث نجوم وما دون، والمنتشرة بكثرة في المنطقة.

كل ذلك كان كافياً بنظر البعض ليخلق طلباً ما على القطع الأجنبي، زاد حجمه خلال فترة الحرب، وما حملته من متغيرات وتأثيرات اقتصادية واجتماعية وديمغرافية، تبدّت ملامحها سريعاً في ساحة المرجة، من خلال نسب الإشغال المرتفعة للفنادق، التي تخطت غالباً عتبة الـ95%، جراء نزوح كثير من سكان المناطق الساخنة باتجاه العاصمة، وتالياً ارتفاع الطلب على السلع والخدمات الموجودة في المنطقة.
لكن ذلك لم يحل دون سحب البساط من تحت أقدام صرافة المرجة الذين بقوا يتعاملون بمبالغ صغيرة ومتوسطة تتناسب وطبيعة الطلب المحصور ببعض الراغبين بالسفر لخارج البلاد، وأصحاب المحلات التجارية، والعائلات النازحة التي تصلها مساعدات خارجية عبر قنوات شخصية، فيما كانت شريحة جديدة من «المضاربين» وتجار العملة تنمو خارج الساحة والمناطق التقليدية لتصريف العملة.

شريحة يتعامل أفرادها بملايين الدولارات، ويتوزعون على كثير من أحياء دمشق الراقية، مشكلين بذلك «مافيا» جديدة تضغط بقوة على سعر الصرف وتحركه كيفما تشاء. تطور يبرره الاقتصاديون بانزياح «مراكز إدارة شؤون الدولة» والقوى التجارية الرئيسية بعيداً عن منطقة المرجة، باتجاه مناطق جديدة في العاصمة.

زياد غصن 

 الأخبار

أين سكان الرقة: 3 موجات هجرة غيَّرتها ديموغرافياً!

سار أنس الشهر الماضي من دوار العجيلي (الدلة) وحتى دوار الساعة في مدينة الرقة (1500 متر) من دون أن يتعرف على أحد من الأشخاص الذين التقاهم، وهو الذي كان قبل أربع سنوات يقف عشرات المرات لإلقاء التحية على معارفه وأبناء مدينته كلما مر في هذا الشارع.

الطريق التي سار عليها أنس لا تختلف كثيراً عن باقي طرقات المدينة التي يسيطر عليها تنظيم «داعش»، والتي تنادي أبناءها يومياً من دون أن يستجيب لها أحد، وتسأل ساكنيها الجدد عن سكانها الأصليين.

ثلاث هجرات شهدتها محافظة الرقة على مدى السنوات الثلاث الماضية، بدأت في العام 2013 عندما سيطرت المجموعات المسلحة على المدينة، ما دفع المسؤولين المحليين وعائلاتهم إلى مغادرتها خشيةً على حياتهم، ورافقهم بعض أصحاب رؤوس الأموال والتجار والمحسوبين على الدولة والعديد من المواطنين.

يقول ممدوح، وهو مدير مدرسة نازح من الرقة لـ «السفير»، إنه «في تلك المرحلة، حرصنا على الاستمرار في العملية التعليمية، وقدمت لنا الحكومة في دمشق كل احتياجاتنا، بما في ذلك رواتب المعلمين التي لم تنقطع».

الهجرة الثانية كانت بداية العام 2014 عندما سيطر «داعش» على الرقة، بعد فشل «أحرار الشام» و «جبهة النصرة» في الحفاظ عليها وإدارتها. وظلت الأمور على طبيعتها لأكثر من شهرين. بعدها انقلب الواقع رأساً على عقب، وشرع التنظيم في تنفيذ الإعدامات، وراح يصدر التعاميم بمنع التدخين وإلزامية اللباس الشرعي وأوقف المدارس.. إلخ، حتى أصبح الناس يخشون على أنفسهم، فكان القرار بالمغادرة، وشهدت المحافظة موجة نزوح جماعي هرباً من بطش «داعش» وقوانينه الصارمة.

عنصر من داعش يعدم رجلا وسط الرقةصلاح شابٌ من الرقة يعيش حالياً في ماليزيا، يقول في حديثه عبر سكايب لـ «السفير»، انه «في العام 2014، مررت على حاجز في المدينة، وكان معي كتبي الجامعية، وعندما علم العنصر أنني أدرس الحقوق وبّخني واقتادني معه إلى غرفة الحاجز، وهناك سألوني هل أختار السجن أم الجلد 30 مرة لأنني أدرس الحقوق، فاخترت الجلد من مبدأ أن 30 جلدة معروفة أفضل من سجن مجهول، وبالفعل نفذ الحكم بي، وعدت إلى المنزل، ووضَّبت أغراضي وغادرت في اليوم التالي إلى تركيا ومنها إلى ماليزيا، ولم أعد بعدها ولن أعود».

الهجرة الثالثة سميت بـ «هجرة اليأس»، وجاءت بعدما سيطر «داعش» على «الفرقة 17» و «اللواء 93» ومن بعدهما مطار الطبقة. في هذه الأثناء، شعر الناس باليأس من عودة الدولة للرقة، وأيقنوا بأن التنظيم باقٍ لفترة ليست بقصيرة، وأنه لا يمكنهم التعايش معه، وعليهم المغادرة، فكانت موجة النزوح الثالثة والأخيرة.

يقول هاني، وهو مزارع من الرقة: «كنت من بين آخر الذين غادروا الرقة مع عائلتي. لم يبق لنا سبيل للعيش هناك، فقد فرضوا علينا قوانين جديدة، ونظام حياة لا يناسب عاداتنا وتقاليدنا وثقافة مجتمعنا. على سبيل المثال لا الحصر، حطموا قبر ولدي، ومنعونا من زيارة المقابر. فرضوا الدين على الناس، قمعوا الحريات الشخصية، حطموا القيم المجتمعية، أغلقوا المدارس، منعونا من تعليم أبنائنا، وأصبح المدرس يخشى على حياته بعدما أصدروا قراراً بإعدام كل مدرس يعرفون بأنه يعطي دروساً للأطفال خارج معسكراتهم الجهادية، ما هدد بانتشار الجهل تماماً كما كان عليه الوضع أثناء الاحتلال العثماني للمدينة قبل قرن من الزمن، وفي هذا الوقت كان عدد الغرباء يزدادون في الرقة، ويحتلون بيوت الناس وممتلكاتهم في أسلوب أشبه بالاستيطان».

بحسب إحصائيات الأهالي، فإن أكثر من 600 ألف مواطن من الرقة غادروها بعد العام 2013. وإذا ما اطلعنا على الإحصائيات الحكومية لعام 2012، فإن عدد سكان الرقة كان مليون و50 ألف نسمة، 51 في المئة منهم نساء، أي أنه لم يبق فيها سوى قرابة 400 ألف نسمة، غالبيتهم الساحقة يعيشون في الريف، حيث تقول إحصائيات الأهالي أيضاً إن 75 في المئة من سكان المدينة غادروها، بينما غادر 45 في المئة من أهالي الريف، خصوصاً سكان مناطق تل أبيض، عين عيسى، سلوك، الجرنية، المحمودلي.

أما من تبقى في الرقة فقد أرسل غالبية اولاده، ذكوراً وإناثاً، إلى خارج المدينة، فهم يخشون على الذكور من السوق إلى الخدمة مع «داعش» في أي لحظة يختارها التنظيم، بينما يخشون على النساء من أن يطلبهن عناصر من التنظيم للزواج، لأن العائلة لا تستطيع رفض ذلك، وإذا رفضت يكون الثمن غالياً جداً، قد يكون رأس الأب والإبنة معاً.

ورغم هجرة الأهالي بهذه الأرقام المرتفعة، نجد أن سكان الرقة في الوقت الراهن أكثر من 800 ألف نسمة بحسب آخر النازحين منها، حيث تشهد المحافظة هجرة معاكسة لأشخاص من داخل سوريا ومن خارجها. ويعتبر غالبية سكان الرقة الحاليين من السخنة، تدمر، حمص، إدلب، أما القادمين من خارج الحدود فجنسيات غالبيتهم عراقية.

يقول أنس الذي وصل إلى حماه قادماً من الرقة مطلع أيار 2016، إن «جواز العبور إلى داخل الرقة هو اللحية. لا يهم إذا كنت مؤمناً حقيقياً أم لا، يكفي أن يكون لك لحية طويلة عند وصولك إلى أول حاجز عند مدخل الرقة حتى يقولون لك أهلا بك يا شيخ. فكلمة شيخ هي الكلمة الأكثر رواجاً في الرقة، تماماً مثل كلمة أستاذ في المدرسة».

النازحون من الرقة يتوزعون بين الداخل والخارج، حيث يعيشون داخل سوريا بشكل رئيسي في مدن حماه، الحسكة، طرطوس، اللاذقية، دمشق، وخارجها في لبنان، تركيا، الأردن، ماليزيا، بينما شريحة الشباب، بغالبيتهم، هاجرت إلى أوروبا في ركب المهاجرين، بحثاً عن العلم الذي فقدوه في مدينتهم والمستقبل الذي جعله «داعش» أسود. اللافت أن الأهالي الذين هاجروا من الرقة لا يعيشون في المخيمات وإنما في بيوت استأجروها، أو عند أقرباء لهم، ويشكلون تكتلات في المجتمع الذي يعيشون فيه، ويحافظون على التواصل بينهم، حيث لم يشهدوا أي انقطاع.

يقول حسين: «نسعى من خلال لقاءاتنا لتبديد شوقنا لأرض الرقة التي أرغمنا على مغادرتها، ونحلم بالعودة لها عما قريب، وبشكل أسبوعي نجتمع في بيت أحدنا ونتبادل الحديث عن مدينتنا وذكرياتنا فيها، والواقع المعيشي الذي تفرضه علينا ظروف الحرب والتهجير». أما بالنسبة لتنظيم «داعش» داخل الرقة، فإن الواقع المعيشي جيد جداً، فلدى التنظيم قدرة كبيرة على جمع الضرائب والأموال، بحسب أنس، الذي يضيف: «خلال أسبوع قاموا بتنظيم كل المحال التجارية في السوق، ووضعوا لها أرقاماً وألزموا أصحابها على دفع ضريبة كل شهرين.

وهنا لا يتجرأ أحد على المماطلة في دفع الضريبة لأن العقوبة تنتظره، بينما في عهد الدولة، كان الناس يتدللون في الدفع ويتهربون وما إلى ذلك دون عقوبة تذكر». وكذلك ينسحب الأمر على ضرائب الهاتف والمياه والكهرباء، حيث يلزم التنظيم كل منزل بدفع سبعة آلاف ليرة قيمة استجرار كهرباء كل دورة، بينما كنا ندفع حوالى 500 ليرة في العام 2012، يقول أنس.

ويعيش الأهالي في الرقة واقعاً معيشياً سيئاً للغاية، وتغيب قدرتهم على الشراء في ظل أسعار ترتفع تدريجياً، خصوصاً خلال الشهر الماضي الذي وصل فيه ثمن كيلو السكر إلى 800 ليرة، بينما وصل سعر رغيف الخبز إلى 40 ليرة بينما كان ثمن الربطة سابقا 15 ليرة.

إلى جانب ذلك، يتدهور الواقع الزراعي، إذ هبط إنتاج الرقة من محصول القمح من 550 ألف طن في العام 2012 إلى 110 آلاف هذا العام، كما هبط إنتاج جميع المحاصيل الأخرى.

يقول هاني إن «ثمن طن السماد بات بمئات الآلاف، وهو ما جعل الناس يعزفون عن الزراعة في المحافظة التي كانت تموّن سوريا كلها زراعياً».

يخشى النازحون من الرقة أن يستمر الأمر طويلاً على هذه الحال وهم بعيدون عن مدينتهم، بينما يسكنها أناس غير أهلها، ويبررون خشيتهم هذه بأنها ليست تمييزاً بين الناس، ويقولون إن الرقة تتسع للجميع، «لكن الخوف كل الخوف أن يكون هناك عمل ممنهج من التنظيم لتغيير ديموغرافي في الرقة، بعدما غير العادات والتقاليد والثقافة» بحسب تعبير الأهالي.

بلال سليطين

السفير

عدد الزيارات
16806598

Please publish modules in offcanvas position.