سلوى زكزك: من وحي نتائج البكالوريا.. و ردّ من د. معن داود

كتبت سلوى زكزك:

{كل من نشر علامات نجاح ابنه أو قريبه على الفيس كانت فوق الـ٢٢٥... يوجد من بارك أو أعلن نجاح ابنه أو قريبه لكن دون ذكر العلامات مما يعني حكماً أنها تحت هذا المعدل...
النجاح عتبة للوصول، العلامات العالية ليست مقياساً للمقدرة... والمعارف: طلاب عبقريون لكنهم لا يحبون الدراسة، وطلاب بذلوا جهوداً مضاعفة لكن تعبهم أو جملتهم العصبية أو ضعف التركيز، أو إشكال ما أثناء الامتحان أعاق حصولهم على مجموع عالٍ متوخى.
يغيب الطالب وتحضر العلامات فقط... مؤسف هذا التغييب... كم من طبيب سلوكه غير إنساني أو غير مهني أو غير مهذب مع مرضاه! كم من مهندس ارتشى وتسبب بانهدام بيوت فوق رؤوس أصحابها...! وكم من طالب أحرز مجموعاً عالياً واختار الموسيقى أو دراسة المسرح والتي لا تتطلب إلا الحد الأدنى للنجاح وسخر الناس من خياره، رغم إبداعه ونجاحه المادي.
نعيش مناخاً عاماً من المبارزة (العلامات جزء منها) أهل حرموا أولادهم الفرح بنجاحهم لأنهم لم يجمعوا علامات على هوى الأهل (ونكتة مبتذلة أثارت الضحك السوداوي تقول: "إن امرأة طلبت من الله رسوب ابن سلفتها الذي يسكن في نفس المبنى، وأن ينجح ابنها فقط ليكيد بنجاحه زوجة عمه تحديداً).
النجاح فرحة وربما عتبة عبور... لكن التساؤل أي عنف اجتماعي وجهل أوصل طالباً وحيد أهله للانتحار لأنه رسب للمرة الثانية؟ أي تنمّر مجتمعي يوصل البعض لقتل نفسه؟ أيّة أخلاق تخوّل والد طالبة حرمانها تقديم الامتحان ليلته لأنه رآها تكلّم ابن الجيران عبر السطح.
ما زال التعليم في بلادنا بازاراً... وتبقى غالبية المواد حشو كلام بلا معنى... ماذا سيفعل طبيب بمادة "تربية وطنية" كما ترد؟ هل سيعلمها لمرضاه؟ متى سيتغير مضمون كتاب التاريخ الذي يدرس معلومات تغالط الوقائع والآثار المادية، لتُعبّر عن روحية رؤى طبقة مسيطرة أو بإرادة متسلطة ومنفردة؟
التهليل لحجم العلامات أفقد اصحاب العلامات الأقل حتى فرصة إعلان علاماتهم... حرمهم أحياناً حتى من عبارة مبروك... أو من عبارات التقدير للعمل المُنجَز "مباركة جهودك".
هناك من سيبكي اليوم بصمت ضمن العائلة الواحدة لأن قريبه سيصبح طبيباً، وسيمنع ابنه من الوصول إلى حلم عايشه طويلاً... لفوارق متعددة أقلها أهمية، المجموع؛ كم طالبة سيفرض عليها اختيار كلية التربية أو الآداب لأن الهندسة ليست للبنات، أو لأن الأهل لن يسمحوا لبناتهن الدراسة في المدينة وحيدات؟
والأهم هل امتلك جميع التلاميذ نفس الفرص في الحصول على تعليم جدي ومتخصص ومسؤول؟ وهل كان بحوزة جميع العوائل مالاً للدروس الخصوصية (أو للمدارس الخاصة بالغة التدليل مقارنة بالمدارس الحكومية)؟}
 
 ***********
فردّ د. معن داود:
صديقتي الغالية أم كرم...
كلامك محق في قضية ذات طابع مجتمعي إشكالي، ويبرز له وجهان أساساً:
1) عدم عدالة الآلية التقييمية ضمن المنظومة التعليمية الوطنية (حكومية وشعبية) من خلال الافتراض خطأ أن العلامات المُتحَصَّل عليها هي الدليل القاطع على المعرفة والتميّز والإبداع، أمرٌ يَفرز مزيداً من ظواهر الغش المتأصل خلال عمليات إجراء الامتحانات والمُتحوِّل تشبيحاً معرفياً.
2) طغيان مبادئ منظومة ريعية مستبدة وفاسدة على المعارف والأخلاق (فردياً ومجتمعياً) بكل تأثيراتها الناحية تجاه ضحالة معرفية وثقافية تزداد تركزاً وتزمتاً وسلفية مدعشنة.
ينعكس هذا أيضاً في آليات اختيار الاختصاصات المتابَعة لاحقاً ضمن الجامعات الوطنية (حكومية، وخاصة تحديداً)، لتقوم آليات الفرز هذه قائمة على تخصيص منحرف لاختصاصات بعينها بالطلبة ذوي العلامات الأعلى (معتبرين إياهم الأفضل والأكفأ لذلك بشكل مناف للعلم، ولا تُغيّر من هذا آلية الكلية التحضيرية الطبية التي أتت بديلاً عن فحص القبول إلى هاته الاختصاصات باعتبارها جزئية وتشمل الجامعات الحكومية فقط، لكنها أفضل بكثير من آليات المفاضلة السابقة).
إن الضغط الاجتماعي والمصالح الاقتصادية المهيمنة ترخي بكلكلها على عمليات تأهيل الكوادر ونقل المعرفة بالشكل الأمثل اجتماعياُ، مما يفقدنا الكثير من المقدرات البشرية التي كانت واعدة (نتيجة الخيارات الخاطئة، أو سوية تقديم المعلومة وهضمها ـ وهي تصبح هنا سلعة قيمتها مرتبطة بآليات الفرز والتخصيص المعرفي لاحقاً)، ويكون ديدن هذا الضغط عدم المعرفة بمتطلبات وفرص العمل المتاحة بعد سنوات الدراسة، ومرتبط بقصور تخطيطي وطني معبّر عن أزمة وطنية اقتصادية اجتماعية متعددة الأطياف أساسها معرفي، ويرتبط بنتاجها في التقييم المغلوط قصداً لقيم العمل الاجتماعي والإنساني المقدّمة.
عدد الزيارات
15126614

Please publish modules in offcanvas position.