image.png

القلق الإنساني المعاصر والسكينة القرآنية (2)

الشيخ احمد قيس الشيخ الدكتور أحمد محمد قيس

أمّا في أزمتنا الحالية المتشعبة بين (وبائية صحية) و (مالية إقتصادية) وتحديات عسكرية وأمنية وثقافية وغير ذلك فكيف لنا مواجهة كل ذلك وبأي منهج؟

من حق الناس أن يخافوا وأن يرتعبوا وأن يتساءلوا وهذه كلها أحاسيس ومشاعر طبيعية .وخلاف ذلك إدّعاء فارغ.

أما عن طريقة ومنهج التعاطي مع هكذا أزمات وغيرها فهو يتلخص بالعودة الى الله سبحانه واعتماد المنهج الذي شرّعه لنا في محكم كتابه.

وعندما نقول بالعودة الى الله سبحانه هذا يعني الأخذ بالأسباب والقوانين التي خلقها وأمرنا بالتزامها (على قاعدة ولا تلقوا بإيديكم الى التهلكة) هذا بالإضافة الى القيام بكل الأعمال التي توضّح وتدل على إيماننا بالغيب عامة وبه سبحانه وتعالى خاصة.

الدعاء بعد الايمان بالله 

وإذا ما أردنا تلمّس هذا المنهج الذي شرّعه الله لنا في محكم كتابه: نجده في الدعاء له بعد الإيمان به تعالى والإلتزام بالطريق الذي أرشدنا إليه وهو ما ورد كدعاء في سورة الفاتحة :…إهدنا الصراط المستقيم ….. والجواب في مطلع سورة البقرة :…..ذلك الكتاب، ولقوله تعالى :…. مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ (الأنعام: 38).

وعليه فإننا إذا اعتمدنا هذا المنهج وهذا الصراط القويم فإننا نكون بحالة من الإطمئنان وعلى أهبة الإستعداد دائماً ولا يفاجئنا أمر يطرأ علينا تحت أي عنوان كان وخاصة لأننا نكون قد أخبرنا به مسبقاً كقوله تعالى: (سورة البقرة /الآية 155 وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ أو كما في سورة الأنبياء35) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.

أو من خلال قوله تعالى : البقرة 214،) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ،أو كما في سورة آل عمران142(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ، أو كما في سورة التوبة 16(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. هذا أولاً أما من الناحية الثانية أي الأخذ بالأسباب والقوانين التي وضعها الله سبحانه لنا في هذا الكون فإننا نجد ذلك في العديد من الآيات القرآنية كقوله تعالى : سورة البقرة الآية 195 (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وهذا المعنى المنطوق يستفاد منه أيضاً من جهة المفهوم معنى الوقاية المطلقة ومنها الوقاية من الأمراض على سبيل المثال.

وأيضاً من خلال قوله تعالى: سورة ص 41 و 42(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ، وهذا من باب الأخذ بالأسباب لما كان في هذه المياه المعدنية الكبريتية من خصائص علاجية أودعها الله فيها وأيضاً من خلال قوله تعالى: سورة النحل الآية 69 (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وهذا توجيه نحو التداوي بما خلقه الله لنا والعسل منه.

إتقان العمل

وبناءً على ما تقدم ، أي من خلال الإيمان بالله سبحانه وتعالى والتوجه بالدعاء إليه في السّراء والضرّاء، والأخذ بالأسباب التي سببها الباري عزّ وجلّ نصل الى شاطئ النجاة. ولكن تبقى معنا مسألة نحتاجها في رحلة النجاة هذه إن أحسنّا العمل معها وصلنا بأمن وأمان وسلام وإن لم نحسن التعامل معها زاد الهم والبلاء.

وهذه المسألة هي الصبر كما في قوله تعالى: (سورة الأعراف 128(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أو كما في قوله من خلال سورة (الإنفال 46(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.أو كما في قوله تعالى (سورة البقرة 155 156 157 : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ، لذلك فإنه من خلال الإيمان بالله والتوكل عليه والأخذ بالأسباب الطبيعية مع الصبر كما في وصية لقمان لإبنه : يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (لقمان 17). تكون النجاة والفوز بالدارين الدنيا والآخرة.

بشرط أساسي ومهم لا بل في غاية الأهمية وهو ذاك الأمر المتعلق بمرحلة ما بعد الدعاء أو انحسار البلاء حيث يجب علينا أن نحرص على أن لا نكون من مصاديق الآية القرآنية كما في سورة يونس12) وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

فكما دعوناه سبحانه لكشف الضر يجب الإستمرار بالدعاء له سبحانه بالشكر وهو سبحانه أهل ذلك لأنه أرحم الراحمين.

تقارير
عدد الزيارات
13768995

Please publish modules in offcanvas position.