رسـالة مفتوحة من كاهن عربي سـوري إلى قداسـة البابا فرنسـيـس

    الأب الياس زحلاوي نتيجة بحث الصور عن الاب الياس زحلاوي


    صاحب القداسـة

    في غضون يومين، تبدأ السنة العاشرة من الحرب الكونية على سورية، وطني. أودّ اليوم أن أطرح عليك شخصيًّا، وعلى الكنيسة الكاثوليكية كلّها، أينما وُجدت، سؤالاً، أجل سؤالاً لا غير، على قدر واحد من البساطة والخطورة، وهو:

    أما زلت تعتقد حتى اليوم، باستمرار بقاء يسوع المسيح في العالم العربي؟ أرى لزامًا عليّ أن أوضّح أن جميع العموميّات التي لا تكفّ عن التصريح بها، وترديدها، وتلك التي تضعها على ألسنة ممثّليك في المحافل الدولية، تنفي هذا الاعتقاد.

    وبرهاني على ذلك، يستند إلى جميع ما تنشره صحيفة الفاتيكان الرسمية، "المراقب الروماني". وذلك بأن جميع هذه النصوص دون استثناء، المتوّجة أحيانًا بعناوين مثيرة، بل صادمة، تقدّم الدليل على غياب مؤسف ومنتظم، لمطلق موقف إزاء السياسة الكارثية والمعلنة، التي تنتهجها بعض القوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبعض أجرائها من أوروبيّين وعرب، ضدّ العالم العربي.

    هل هناك من يجرؤ على القول بأنه يجهل حقيقة هذه السياسة، التي لا تعرف حدودًا لهيمنتها، والتي تتواصل منذ عشرات السنين، في تحدٍّ سافر لكلّ شرعية دولية وإقليمية، ولكل أخلاقية إنسانية ودينية؟

    ولكم يؤسفني أن أقول، إني في غياب أدنى إدانة من قبل الكنيسة، لهذا السيل من الكوارث المتلاحقة، التي تحلّ بالعالم العربي، أجدني مكرهًا مع جميع المسحوقين على وجه الأرض، على أن نسأل الله أن يُنزِل قصاصَه العادل بحقّ مسبّبيها وعملائهم.

    وفي الواقع، فإن الكنيسة التي وصفها القديس بولس "بعمود الحق"، والتي تمثّل يسوع المسيح، تدلّل على عجزها الدائم عن توجيه أدنى إدانة لهؤلاء التعساء المتجبّرين، الذين أخذوا على أنفسهم أن يدمّروا خليقة الله، وأن يزيلوا الوجود المسيحي من العالم العربي.

    صاحب القداسـة،

    أعرف أن ما أقوله، أنا الكاهن الكاثوليكي، هو أكثر من خطير.

    إلا أني أتمسّك بقولي هذا، وأقدّم براهيني عليه.

    حسبي أولاً التذكير برسالتك التقليدية من أجل يوم السلام العالمي، للعام 2020، وحسبي أيضاً التذكير بخطابك الرسمي، إبان زيارتك للإمارات العربية المتحدة، من 3-5/2/2019.

    وإني لماضٍ إلى ما هو أبعد من ذلك.

    ثمّة واقعتان مؤسفتان، لا يسعني التكتّم عليهما، لا سيما وأنهما تخصّان بالدرجة الأولى، سورية، وطني.

    الأولى منهما - وقد استوقفتني كثيراً - ليست سوى زيارتك الأولى إلى الولايات المتحدة، في أواخر شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2015. يومها كنتَ في قلب هذه الإمبراطورية، التي تعلن على الملأ، تصميمها على تدمير جميع معارضي سياسة هيمنتها الجهنّميّة على العالم، ومنهم بالطبع سورية، وذلك باسم "الحريّة، والديمقراطيّة، وحقوق الإنسان". ولقد ألقيتَ أربع خطب أمام ممثّلي هذه الإمبراطورية الرئيسيّين، من مدنيّين وكنسيّين، وكذلك أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة. وحرصتُ من ناحيتي على قراءة هذه الخطب خمس مرّات، كي لا أدع لأيّ تأثير آنيّ، أن يستبدّ بتفكيري. ويؤسفني أن أقول إني لم أجد فيها كلّها، سوى كلمات مديح وشكر، فضلاً عن نداءات من أجل المزيد من الحرية الدينية، واحترام الطبيعة والبيئة.

    أن يصدر مثل هذا الكلام، عن ممثّل يسوع المسيح، الذي مات على الصليب حبًّا بإنسانيّة تعاني اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، الاحتقار والجوع، والتشريد، والإبادة، أمرٌ يثير الشفقة والتساؤل المرّ.

    وأما الواقعة الثانية، فهي تعني المسعى السياسي الذي كان يختبئ وراء الذرائع الإنسانية الشهيرة، في الرسالة التي وجّهتها لرئيسنا، بواسطة الكردينال "بيتر تركسون" (Peter Turkson)، بتاريخ 28/6/2019.

    صاحب القداسة

    إنه ليستحيل عليّ أن أصدّق أنك كنتَ، حتى ذلك الحين، تجهل أن "الأسرة الدولية"، التي تتكلم دائمًا باسمها، والتي تصطف على نحو دائم، وراء سياستها، ليست سوى الإمبراطورية الأميركية وأجرائها. وهل تراك تجهل أن المليارات من البشر المحرومين، والمنتشرين على وجه الأرض، والذين تماهى السيد المسيح معهم على نحو مطلق، يحاولون أن يقاوموا هذه "الأسرة الدولية" بعينها، ليحصلوا على الحدّ الأدنى من حياة كريمة وعادلة؟

    وهذا الصراع بعينه، هو الذي تواجهه سورية، وعلى رأسها رئيسنا الدكتور بشار الأسد، ضدّ حرب كونية، ظالمة بامتياز، وضدّ حصار اقتصادي، ليس ما يبرّره على الإطلاق. ولقد باتت سورية، بمقاومتها الأسطورية هذه، نموذجًا يُحتذى للصراع من أجل البقاء.

    صاحب القداسة،

    في الختام، دعني أعرب لك عن ردّ فعلي الصادق، إزاء المبادرة التي دفعتك لإرسال ستّة آلاف مسبحة إلى الشعب السوري، بتاريخ 15/8/2019.بالطبع، ليس لي أن أقلّل من ضرورة الصلاة في زمان، باتت فيه الصلاة الضرورة الأولى والكبرى.

    إلا أني أسألك بصراحة، هل تعتقد أن أسلوبك هذا، فضلاً عن نداءاتك الملحّة إلى الصلاة، من أجل إحلال السلام في سورية والعالم، يعوّض عن امتناعك، على نحو تام وغير مفهوم، عن اتخاذ أي موقف إزاء جلاّدي الشعوب؟

    أوَلَم يحِن الوقت، كي تقطع الكنيسة الكاثوليكية كل علاقة لها بسياسة الإمبراطورية الأميركية، من أجل أن تعاود الارتباط بملكوت الله؟

    لكم يجدر بمسيحيّي العالم، وليس فقط بالمؤمنين في سورية، من مسيحيّين ومسلمين، أن يكثّفوا الصلاة من أجل اهتداء الكنيسة الكاثوليكية إلى السيّد المسيح، وإلى مَن تماهى معهم من معذّبي الأرض.

    وإن أنت قمتَ قريبًا بزيارة إلى سورية المصلوبة، أفلا تكون بذلك قد فتحت الطريق إلى هذا الاهتداء المرتقب؟
    صاحب القداسة،

    أرجو أن ترى في أمنيتي هذه لا رجاء كاهن من سورية وحسب، بل أيضًا وخصوصًا رجاء الشعوب المصلوبة في العالم.

    تقبّل محبّتي واحترامي.

    عدد الزيارات
    14333478

    Please publish modules in offcanvas position.