عندما يكون التّقدّم مستحيلاً، و التّراجع قاتلاً، و المراوحة كارثيّة.. ما العمل؟

                                                                                                   ●  د. بهجت سليمان أ بهجت سليمان في مكتبه
     
               ■  سألني أحد الأصدقاء ، السؤال التالي : ( عندما يكون التّقدّم مستحيلاً ، و التّراجع قاتلاً ، و المراوحة كارثيّة.... فما العمل؟ ) 
     
                     ○  وفي ما يلي الجواب على هذا السؤال : 
     
    1▪︎ لم تطرح الأقدار و الطّبيعة أمام البشريّة ، أمام الإنسان ، أمام المجتمعات ، أمام الأفراد.. إلخ ، أيّ واقع " مستحيل " ، عندما يكون " الإنسان " - كما هو عليه، نظريّاً - قد احتلّ موقعه الطّبيعيّ ذا المغزى العمليّ ، المرتبط حصراً بالغاية الأخلاقيّة التي تنبع دلالاتها من مؤشّرات داخليّة يعرفها الجميع ، بدليل أنّ كلّ واحد من البشر يُدرك صياغاتها العامّة منها و الخاصّة عند " التّنظير " ، و هو قلّما يعكسها في تبادلاته في " العمل ". 
         و الإنسان مخلوق بطبيعته على حجم " الممكن " و " الواجب " السّلوكيّ ، ذلك لأنّ الإنسان نفسه هو جزءٌ من الواقع ، جزءٌ من واقعه ، كجزء من كلّ أو العكس. 
         على أنّ هذا " الواقع " الذي يضمّ " الذّات " و " الموضوع " بتكافؤٍ - و ليسَ بالضّرورة أن يكون متماثلاً في حدّيه - محدّد بشروطه الذّهنيّة و الفكريّة و العمليّة و الأخلاقيّة ، إنّما هو لا يُمكن إدراكه إلّا بواسطة سلسلة التّرابطات السّببيّة ، ذات المغزى العقليّ و الغايات المرتبطة بمشروع الإنسان في العالم و الكون ، و هذا بشرط الأخذ بالأسباب التي قلّما تتبدّى بفرديّتها التّجريبيّة في إطار " سلسلة التّرابطات ". 
     
    2▪︎ نظريّاً ، لا يمكن أن يكونَ التّقدّم مستحيلاً ، لأنّنا ، نحن بني البشر ، لم نعرف شيئاً عن " التّقدّم " إلّا بوصفه مُقاساً على مثال عمليّ أو على نموذج أخلاقيّ كلاهما جزء من واقع هو قيد التّحقّق و التّحقيق ، و لو أنّ الصّيغة العمليّة لهذه المسائل النّظريّة هي أمر جدليّ يتعلّق بفهمنا للغاية المطروحة أمام الإنسانيّة ، التي جوهرها هو " التّقدّم " بفضول عقليّ لا يلين ، و إدراكنا أسباب هذه الغاية التي تتعلّق بتسويغ "النّوع" و استجابته مليّاً للمقاصد و الغايات المتعالية و المتكشّفة عقليّاً باستمرار ، كما يتعلّق بالظّروف المحيطة بالإمكانيّات الفطريّة و التي تعجّل بها أو تؤجّل منها أو تلغي بعضها ، بينما تُطلق البعض الآخر إلى نهايات غير حدّيّة و غير معروفة أو مقبولة باتّفاق . 
         فالتّقدّم هو صيغة وجودنا من حيث نحن بشر ؛ و غنيّ عن القول إنّ " التّقدّم " نفسه ، إنّما يخضع لمعايير اختلطت فيها الأخلاق مع التّراكم المادّيّ و العمليّ و الإنتاجيّ ، إلى درجة أصبح معها مفهوم " التّقدّم " نفسه مفهوماً جدليّاً و إشكاليّاً ، غير واضح و غير بريء. 
     
    3▪︎ و إذا نحن حذفنا البعد الأخلاقيّ الفعليّ من السّلوك البشريّ ، و رضخنا لتناهيات معطيات العالم المادّيّة اليوميّة و الضّرورات السّاحقة التي لا تُمهل العقل في " الأخلاق " ؛ فإنّ ما يقتضيه هذا الوضع إنّما هو الأخذ بمفهوم " القوّة " - و الأدوات - كمفهوم طاقيّ شامل و غير مجزوء ، و استخدام هذه القوّة بوصفها إمكانيّة و ضرورة و ظرف و معطى لا يُمكن أن ينضُبَ من حيث هو معطى وجوديّ و حالّ ؛ و اعتبار هذا " المفهوم " ( القوّة ) مفهوماً واقعيّاً و يوميّاً من أصول طبيعيّة و كونيّة مبهمة ، إلّا أنّها انوجدت و مرّة واحدة و إلى الأبد ؛ و هو ما يجعل كلّ عكسٍ لهذا الوضع أمراً مرفوضاً و غير واقعيّ.
         و " التّقدّم " على ما تقدّم ، حالة جوهريّة مرتبطة بالحياة - و ربّما بما بعد الحياة ! – لا يُمكن أن يدخل في فصل المحال ، إذا أخذنا فقط بالاعتبار الشّرط الآدميّ الذي يجب أن يكون متاحاً لجميع أفراد البشر.
     
    4▪︎ في حالة جزئيّة و شموليّة أحياناً ، فإنّ ما يُعرف ب " استحالة التّقدّم " هو ليسَ سوى إنتاج بشريّ و إنسانيّ ذاتيّ و موضوعيّ ، يلعب فيه " الذّاتيّ " – في رأينا – دوراً لا يقلّ أهمّيّة عن " الموضوعيّ" ، فيما يتحوّل فهم " الفاعل " الإنسانيّ لظرفه في هذه الاستحالة " إلى عبد بذيء لعماه و ضيق أفقه و طمعه و جشعه غير المحدود ، و هو ما يتناقض مع " المبدأ " الإنسانيّ في " العدالة " و " الحرّيّة " و نقض " العبوديّة " للنّفس و ألوانها المتبدّلة ، و هو أيضاً ما يجعله عاجزاً في " التّقدّم " بما أسهم و بما استطاع الآخر استثمار تفاهات الفاعلين السّلبيين ، و جعلها " أسباباً " لاستدامة " التّخلّف " و " التّأخّر " و " العجز " و هي شروطُ ظاهرةِ هذا العجز عن التّقدّم بجميع ما يحمله من قبول بالمؤامرة على الذّات.
         و في حدود " العقليّ " و " الأخلاقيّ " و " الجماليّ " ، ليسَ هناك ما يُمكن تسميته " استحالة التّقدّم ". هذا ضربٌ من تبرير الانسحاب الواعي من الواجبات التي أملتها علينا الأقدار و الطّبيعة و الحياة في " المشروع " ، لقاء تخنّث الإرادة المكتفية بعليف و معالف الثّيران !.
     
    5▪︎ و حيث لا يُمكنك تحديد " المسافة " التي وصلْتَها أو تلك التي عليك أن تصلها في أسرار " التّقدّم " المرتبطة بالمعاني الأكثر صعوبة في الوجود ، عندما تكونُ في استجابات عمليّة حقيقيّة و أخلاقيّة لمسؤوليّات و واجبات ارتبطت صراحة بالعمل من جميع جوانب هذا " العمل " ؛ فإنّ مسألة " التّراجع " من عدمه لا تعود مسألة يقينيّة بالضّبط ، إذ ليسَ ثمّة ما يُعتبر حاجزاً موضوعيّاً خُلق لإلزام " الفاعلين " به فلا يعود بإمكانهم " التّراجع " عنه ، أو الوقوف على حدوده ، أو الانتقاص منه بخجل و وجل ؛ و كلّ ذلك أمام ما نعرفه من " مفهوم " التّكيّف الذي يطرح نفسه أحياناً كحالة مقدّسة من دونها " الهلاك ".
     
    6▪︎ و بدلاً من " التّراجع " ، مثلاً، في المواقف " غير المؤاتية " ، حيث لا يُعتبر هذا التّراجع شرطاً وجوديّاً مشروحاً في المُعطى شرحاً كافياً ، فإنّ أحد البدائل الأكثر أخلاقيّة و الأكثر عمليّة ، على مختلف الصّعد ، في مثل هذا الوضع ، إنّما هو ما يُعرف " نظريّاً " على الأقلّ من " الصّمت السّلوكيّ " المؤسّس على استعادة تجميع الأدلّة المتوفّرة و الشّروط الّلازمة و استنهاض الطّاقات الذّاتيّة ، مضافاً كلّ ذلك إلى وعي ناهض و حقيقيّ يليق بفطرة و ذكاء الإنسان ، كما يليق باحتياجاته المقارنة ، بالمقارنة ، مع المتوسّط الذّكائيّ و الأخلاقيّ و الادميّ عن " الآخرين " ، عن " الآخر " ، و العمل على جعل جزء من تلك الشّروط و أهمّها ملكيّة عامّة تتقاسمها الأفراد و المجتمعات و المشاريع و الدّول و الأمم ، تقاسماً لا يمكن أن يدخل باب المساومة عندما تدعمه القوّة و يُسلّحه الذّكاء و يشترطه وعي الموفق و مزامنة هذا الموقف مع مواقف الأخرين ..
         و طبيعيّ أنّ كلّ هذا يحتاج إلى شجاعة الصّبر المؤسّسة على " العمل " و " التّغيير " و ليسَ على الطّمأنينة الكاذبة للّحظة و ضروب الأحلام الضّارة ، أو على استهتارات و تسيّبات تلغي أوّل ما تلغي من دائرتها " الفاعل " السّلبيّ نفسه و تجعل منه ألعوبة لآخرين ، عندما يُمارس إلغاء نفسه بذريعة أنّه ( و في كلّ مواقع الفعل ) أقلّ حيلة و أعجز شروطاً و أندر أدواتٍ و أكثر مظلوميّة ، يكفيه الشّعور بها ليكونَ مأسوراً إلى وهم " الموضوعيّة " المزعومة و فاشلاً في كلّ طريق. 
     
    7▪︎ و يقال الأمر بطريقة مشابهة عن " المُراوحة ". إنّ الّلا تكافؤ الزّمانيّ - المكانيّ للمواضع و المواصل و الدّرجات ، يمنع على العقل " القياس " المباشر لشيءٍ بشيءٍ آخر يُفرّقهما الجوهر في الدّلالات ، ناهيك عن قياس " الحركة " و كمّيّتها و مضمونها و اعتباراتها بالمسافات التي " تُعتبر" خطءاً ، كلّ أشكلة معها يُمكن وصفها و شرحها و تعليلها ، مراوحة غير جديرة بالانسجام مع مفاهيم التّأقلم و التّكيّف و التّلقائيّة و الامتنان ، المرتبطة مباشرة مع مفهوم الواجب و الإرادة و الأمان. 
         بالعموم ، لا ينطبق في فهم الإنسان ايّ مفهوم على " المُراوحة " في نماذج " القياس " إلّا على الأموات . 
         حقّاً هنالك من البشر في مختلف " المنظومات " الفرديّة منها و الاجتماعيّة و السّياسيّة ، من ينطبق عليهم مفهوم مجازيّ من " المراوحة ". و عندما يجري التّحقّق الفعليّ من هذا " الوضع " ، فإنّنا نكتشف بسهولة و ببساطة أنّ من يقال عليه بالمُرَاوِح و ما يُقالُ عنها بالمُرَاوَحة ، إنْ كلّ منهما إلّا أعراض أخرى حقيقيّة لمفهومنا القاصر ، نفسه ، عن الموت. و عندما يتساوى المفهوم الفعليّ بالمفهوم المجازيّ هذا للموت ، فإنّ الأسف ينخفض جدّاً على حالة هؤلاء ( اذين يُراوِحون ) و معه تنخفض المعايير الوجدانيّة للشّعور إزاء هذه الأوضاع أو إزاء أصحابها من البشر.
     
    8▪︎ لا يَطرح " الموضوع " نفسه على " الذّات " في المعطيات من مسائل و مشكلات لا تتناسب أصلاً مع الوعي بها ، ذلك أنّ وعيها نفسه إنّما هو شرط تحقّقها في الانعكاس.
         و إذا كان الأمر كذلك ، و هو كذلك فعلاً.. فإنّ أيّ شكوى من قبيل استشعار حالة أو حالات من " استحالة التّقدّم " و " التّراجع " و " المراوحة " ، إنّما هي تعبير عن وعي مزيّف و خاطئ و تسويغيّ و جبان..
         و ينطبق هذا على أوضاع الأفراد و الشّعوب و الدّول ، و تكبر فيه المسؤوليّات الصّريحة بشدّة على منظومات " الجماعة " أو " الجماعات " السّياسيّة ، بأوضاعها و أصنافها المختلفة ، بحيث تشكّل هذه المنظومات عاملاً فاعلاً و قويّاً ، و ليسَ له أعذار في مصادفة مثل تلك المفاهيم و تعويقها للمجتمعات و الأفراد. 
     
    9▪︎ من حيث المبدا لا نعتبر أنّ حقائق كالتي نقولها هي بحكم البديهيّات ، و هذا بسبب ما يحفّها من غموض و عدم تكافؤ في الفهم و الإدراك و الفرص و الظّروف أمام القوى و الأفراد و المنظومات و الجماعات و الأمم و الدّول.
         و عند هذا الحدّ فإنّه يترتّب على " الواقع " بكلّ مفاعيله المباشرة و المسؤولة ، أن يسمح بتبيّن هذا " الواقع " من خلال المزيد من التّنظير الذي يقع محلّ احترام من لا يستطيعون . وقد طرحنا هذا الأمر كثيراً في أحاديثنا و أفكارنا ، كما تلمّسناه مبكّراً مع من تلمّسه من الآخرين. 
     
    10▪︎ و عندما تشتدّ ظلمة الممكنات في الطّريق ، فإنّ علينا مراجعة مخطّطاتنا على الطّريق نفسه ، مراجعة نظريّة و تنظيريّة .. 
    فلا عمل من دون تنظير .. و التّنظير في إطار النّقد ، هو ما يُشكّل " النّظريّة النّقديّة " الدّائمة و المتطوّرة و الكفيلة برأينا – عن فهمها و احترامها و توفّر المصلحة في ذلك – بإماطة كلّ الحجب عمّا نظنّه مستحيل الجلاء ، و هو الأمر نفسه الذي يحدو في الجذر كلّ " مشروع ". 
         و في رأينا لا يتعلّق الأمر بتلك المُحالات المرتجلة على عجل ، و لكنْ بوجود " المشروع " نفسه الذي يُضفي على الأدوات و الممكنات طابع الواقعيّة و التّحقيق و الإنجاز ؛ و هذا طبعاً بالنّسبة إلى " الأحياء " من الأفراد و الشّعوب و الأمم و الدّول و الأنظمة و النّظم و المنظومات.
    عدد الزيارات
    16873487

    Please publish modules in offcanvas position.