اضمحلال العالم و بزوغ عالم جديد.. قراءة عمليّة في ثوابت "الفكرة" الدّائمة- 3 من 3

    أ بهجت سليمان في مكتبهد. بهجت سليمان
    ■ العالم كتاب يحتاج إلى قراءة و تأليف دائمين ، و هذا يكون بأحد شكلين للذّائقة الوجوديّة ، و هما الكتابة النّثريّة ، بوصفها شكلاً مباشراً لقراءة العالم ، و كذلك بالكتابة الشّعريّة ، بوصفها شكلاً رمزيّاً و مبدأً استيحائيّاً في قراءة العالم و الوجود .■
    ■ إنّ الكمين السّياسيّ المنصوب للبشريّة ، و الذي يتظاهر علانيّة في زمن العولمة ، و قد مارس و يمارِس على الإنسانيّة هذه الثّقافة الجديدة العدائيّة و التّحريضيّة ضدّ الإنسان العالميّ .. يجب ألّا يتحوّل إلى قفص من الاتّهام الذي تنصبه المجتمعات و الجماعات و الدّول و الأفراد ضدّ ذاتها. ■
    21▪ في الغالب ، فإنّ هذه "البقيّة" الموضوعيّة تأخذ لها أشكالاً لا حصر لها و غير نمطيّة ، تخضع لمفاجآت العالم و التّاريخ ، و ذلك بقدر ما تعنينا هذه "المفاجآت" في رفضنا تعليل المظاهر العالميّة بقدرها البشريّ .
    و من هذا ينبع ، في الفكر ، أثر دائم و متحوّل لصيغة العالم ؛ هذ مع أنّ من الأفضل عدم الخوض في عادات التّنبّؤ السّيّئة التي اعتاد عليها الوعي الثّقافيّ الأزور و المحدود ، لتحديد أو اقتراح نمط أو نموذج ممّا ينتظر البشريّة و لو على عتبات بعيدة نسبيّاً ، حيث لا نراها قريبة .
    22▪ ليس "اليقين" الذي يعلو حديثنا ، هنا ، راجعاً إلى إيمانات حتميّة تاريخيّة ، تقليديّة ثقافيّاً ، بقدر ما يعود ، في رأينا ، إلى طبيعة حياة "الفكرة" نفسها و التي لا تموت ، بحكم مبدأ الأشياء ، إلّا مع الموت الفيزيائيّ للعالم ، على اعتبارها روح العالم و طاقته المحرّكة .
    إنّ الصّورة التي يجري تقديمها بالخصوص ، هي الصّورة الوحيدة الضّامنة للحياة البشريّة ، في بعدها الإنسانيّ ، و لهذا كان طبيعيّاً أن تنعكس هذه الفكرة بضوئها على تفاصيل الحياة اليوميّة ببعدها السّياسيّ العالميّ ، الذي يجعل من "المقاومة" الفكريّة لزوال العالم أمراً عمليّاً على رغم جميع ما يقودنا من النّظريّات إلى العكس .
    ● ثالثاً - قراءة عمليّة في ثوابت "الفكرة" ، الدّائمة :
    23▪︎ إنّ الاعتداءات النّظريّة المنظّمة و المكثّفة على "الفكرة" الكونيّة في تجلّياتها العالميّة ، إنّما هي أمر يُخلّ أوّلاً - في المبدأ - و أخيراً - في النّتيجة - بالحساسيّة المعاصرة و ذائقة العالم ، الوجوديّة ، و هو ما يُعتبر عملاً على تدمير ممنهج للبعد النّظريّ للعالم في شكليه ، في الخيال الشّعريّ و في المبدأ النّثريّ ، في وقت واحد .
    و هذا ليس أمراً بسيطاً و عابراً ، كما يمكن أن يفهمه الكثيرون . العالم كتاب يحتاج إلى قراءة و تأليف دائمين ، و هذا يكون بأحد شكلين للذّائقة الوجوديّة ، و هما الكتابة النّثريّة ، بوصفها شكلاً مباشراً لقراءة العالم ، و كذلك بالكتابة الشّعريّة ، بوصفها شكلاً رمزيّاً و مبدأً استيحائيّاً في قراءة العالم و الوجود .
    و حيث يمكن لنا أن نجد ذلك في آثار لا تُحصى ، في المطابقة ، سياسيّاً و اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و ثقافيّاً و أخلاقيّاً ، فإنّ الرّهان الإنسانيّ الواعي في الممارسة ، يجعلنا نتجاوز فقر النّظريّة ( النّظريّات ) السّياسيّة العالميّة الموحية بالتّقاعس العقليّ الذي ينهب فينا طبيعتنا الإنسانيّة و يبعث فيها خواء الأموات ، نحو إصرار حيّ في البعد العمليّ للجانب الذي نستضيئه - و نستضيء به - من "الفكرة" على ما حدّدناها أعلاه .
    24▪ يعصمنا هذا الأداء من جميع الإيحاءات المعاصرة التي تعمل على تكريس الوهن العقليّ ، كما يدفعنا ، دائماً ، إلى حيويّة الموت المتناقض الذي دخلنا فيه ، عنوة ، و أدخَلَنَا فيه العالم المعاصر بقواه العنيفة .
    و عندما يحدونا "العمل" في ذلك ، فإنّنا نتوسّع في فهمنا الحاسم و العمليّ لطبيعة "الفكرة" و نكتشف واقعيّتها الأكيدة ، و هو الأمر الذي يجعل من "الفكرة" ، نفسها ، مبدأً عمليّاً بعد أن كادت تدخل في "طور" الإعلام العدميّ الذي أنتجته "العولمة" المعاصرة بضروبها التّيئيسيّة الخانقة .
    25▪︎إنّ التّقشّف العقليّ الذي فرضته علينا "العولمة" ، و تنكيلها الحثيث بالمبادئ التي ترعرع عليها الوعي البشريّ التّاريخيّ ، و تعقيمها المتوالي للقيم الإنسانيّة التي تربّى عليها الفرد الاجتماعيّ العالميّ النّموذجيّ ، قد خلق - كلّ ذلك - حالة من حالات التّمرّد الدّاخليّ للسّلام الآدميّ ، فانفطرت الشّخصيّة المعاصرة من خطّ اتّصال النّظريّة و التّطبيق العمليّ فيها ، حتّى بات يمكننا أن ننظر إلى هذه الشّخصيّة نظرة خارجيّة خالصة بعد أن مورِسَتْ عليها أكبر عمليّة تهشيم داخليّ أصاب وَحدتها و انسجامها بمقتل يكاد يكون الأخير .
    و لقد برز ذلك ، في أكثره ، في ما سمح للنّقد المعاصر الإمعان في تناول الانسجام الإنسانيّ بوصفه ذكرى من الماضي العالميّ ، الذي صار حاضراً من تناقضات البعد النّظريّ عن الجانب العمليّ للشّخصيّة في أثمن ممتلكاتها العضويّة الواحدة ، فأصبحنا منساقين وراء الفصل ، الذي كان تعسّفيّاً في ما مضى و أصبح اليوم منطقيّاً و ضروريّاً و منهجيّاً في تحرّي و ضبط المتغيّرات البنيويّة للفرد و الجماعة و المجتمع و الدّولة و ما إلى ذلك من منظومات متّحدة داخليّاً ، و أصبحت اليوم مثالاً على الانفصال .
    26▪ إنّ اليأس النّظريّ الذي يُداخلنا جرّاء الانفصالات التّاريخيّة للبعد النّظريّ للفكرة ، ينبغي ألّا يكون عاملاً من عوامل تكريس نوع إنسانيّ جديد ، كما يُراد للعقل البشريّ المعاصر أن يُسلّم بهذا التّحوّل الذي قد رُتِّبَتْ معالمه و إيحاءاته من أجل كسر ظهر المواطن العالميّ و نفيه خارج حظيرة الوجود ، في عمليّة تحويله إلى كائن غريب عن معتقداته النّظريّة التي قضى في إنتاجها و تطويرها تاريخاً مديداً على صعيد النّوع و الجنس أو زماناً لا يُقاس ، و هذا بحسب من يميل إلى مقاييس التّطوّر الحيوانيّ النّوعيّ لظاهرة الإنسان .
    27▪︎ إنّ الكمين السّياسيّ المنصوب للبشريّة ، و الذي يتظاهر علانيّة في زمن العولمة ، و قد مارس و يمارِس على الإنسانيّة هذه الثّقافة الجديدة العدائيّة و التّحريضيّة ضدّ الإنسان العالميّ ، يجب ألّا يتحوّل إلى قفص من الاتّهام الذي تنصبه المجتمعات و الجماعات و الدّول و الأفراد ضدّ ذاتها ؛ و لذلك كان حريّاً بنا أن نتحوّل إلى البعد أو الأبعاد العمليّة ، و العمليّانيّة للفكرة الكلّيّة - على ما رأيناها - هذا على رغم سيل المفاهيم النّظريّة التي تنتج باستمرار و يُعاد تدويرها و إنتاجها ، هي ذاتها ، في صيغ جديدة تتّفق جميعها على ترويض المواطن العالميّ و الدّولة العالميّة الضّعيفة المعاصرة ، و المجتمعات الطّائلة المنفيّة في التّلقّي و الاستهلاك الحافظ للحدّ الأدنى من وسائل و أدوات الاستمرار في عيش بذيء و تافه و غير إنسانيّ ، و كذلك على رغم المنظومات النّظريّة المفهوميّة اليوميّة ذات الصّفات الوهميّة و الكاذبة و العابرة .. في تحدّ عمليّ لكلّ ما يُصاغ من ذلك على غير أساس الفكرة الأصليّة التي اختبرها الزّمان اختبارات متوالية و ما زالت صالحة ، عمليّاً ، في التّقويم .
    28▪ يتطلّب الأمر من النّضالات الإنسانيّة المعاصرة ضدّ التّدجين المرضيّ الممارس على الإنسان العالميّ ، أن تكون قادرة ، إذاً ، على الصّمود العمليّ اليوميّ أمام اجتياحات العنف السّياسيّ العمليّ المصدّر في النّظريّة و الإعلام و المفاهيم و المصطلحات ، الشّائنة ، و كسر القناع الثّقافيّ الذي احتكرته قوى الاجتياح الوجوديّ العالميّ ، العولميّ ، لكشف ما قد تزايد ، مؤخّراً ، من مؤامرات النّظريّة السّياسيّة الحاملة لمشروع التّدمير الموجّه إلى البشريّة ، لتصفيتها من جميع معالمها و عناصرها الإنسانيّة التي قضت في سبيلها المقاضي و الأزمان ، و ركبت دونها البشريّة أهوالاً بأثمان باهظة واعدة و لمّا تصلْ إلى ما يُكافئ ذلك من انتصارات و محصّلات .
    29▪︎ و عندما يصل العقل الإنسانيّ المعاصر إلى هذه الانتخابيّة من الممكنات ، فإنّه يستطيع أن يقوم بتبويب الأهمّيّات النّظريّة و العمليّة في قوائم صريحة و منفصلة تناسب حدّة و جدّة التّحدّيات الأخيرة التي نعاصرها سياسيّاً اليوم ، بحيث أنّ ما يجري تأجيله في "النّظريّة" يجد له متّسعاً من الإصرار العمليّ في المطابقات الظّرفيّة لأثر الفكرة مع متطلّباتها في الممارسة ، هذا و لو أدّى بنا الأمر إلى التّضحية التّجريبيّة المؤقّتة بالأثر النّظريّ للفكرة في سبيل القيمة الفكريّة للعمل و الممارسة و السّلوك .
    30▪︎ و هكذا ، عادة ، تسيطر "الفكرة" الكونيّة و العالميّة ، بتفاوتٍ كمّيّ و نوعيّ ، على مختلف القيم الوجوديّة التي تتناوب في أهمّيّتها وفق ظروف العالم في الزّمان و المكان ؛ بحيث لا يمكن لنا إحصاء نتائج هذه السّياسة الدّافعيّة التي تطلّبتها سياسة العالم حولنا في أعاصيرها المباغتة برغباتها غير العقلانيّة ، التي لا تنتمي إلى هذا المجال الذي ننتمي نحن إليه ، كمواطنين عالميين ، من فكرة العالم و أسبقيّة الأفلاك السّياسيّة الثّابتة في التّكوين !
     
    عدد الزيارات
    16852385

    Please publish modules in offcanvas position.