الخطاب السياسي في الحرب على سورية- 3 من 3

    [ تحولات إبستمولوجية " معرفية".. وانقطاعات سياسية .. وتحولات فكرية ]أ بهجت سليمان في مكتبه
    كتب الدكتور بهجت سليمان:

    ● ثالثاً - تحوّلات فكرّية :
    21▪ من الطّبيعيّ أن تصبّ تلك الانقطاعات و التّحريفات في تحوّلات فكرّية ، يخشى أن يكون لها طابع التأصيل و الدّيمومة في تاريخ سورية المقبل .
    لقد توهّم الكثيرُ من “المفكّرين” السّياسيين و المثقّفينَ على مختلف عقائدهم و مشاربهم العلميّة و الفكريّة ، أنّ “المشكلة” الجوهريّة ترتسمُ ضمن إطار غياب الدّيموقراطيّات و الحرّيّات العامّة و بخاصّة منها حريّات الأحزاب السّياسيّة و ما أسموه “ المجتمع المدنيّ” ، فانتبجتْ الأفكار “العصرّية” (”المودرن”) التي تقلّد “ الغرب” تقليداً بالمحاكاة الحَرْفيّة لمفاهيم و مبادئ فصل السّلطات و تداول السّلطة ، و إطلاق الحرّيّات العامّة للتّنظيمات و الأحزاب السّياسيّة ، في بلد مجتمعه هو أشبه بالجماعات المتخندقة و عيونها القبليّة مفتوحة أبداً على الثّأر و الموتوريّة والطّغيان .
    22▪︎و مع أنّ المشكلة - كما قد تبيّن ، أخيراً ، للجميع ، فيما حدّدها الوطنيّون السّبّاقون ، مُبكّراً - إنّما تكمن في المشروع العالميّ الذي كان لهذه الحرب تقدير أن تكون مفتاحه الجيوبوليتيكيّ الدّوليّ في مواجهات الدّول و القوى و التّجمّعات الكبرى العالميّة ، عبر " مؤامرة " إمبرياليّة عالميّة ..
    فإنّ الدّولة السّوريّة قد استجابت إلى أفكار هؤلاء بسرعة قياسّية تمخّضَ عنها تغيير كامل أو تعديل عميق للدّستور ( دستور 2012 المعدّل ) ، فيما لم يُفلح هذا الأمر و لم يترك أيّ أثر على سير الصّراع الذي كان صراعاً مخطّطاً قبل بداية تنفيذه بزمن بعيد .

    23▪ نتيجة للتّواطؤ الغربيّ العالميّ و الإعلام الرّجعيّ العربيّ و الدّعم المحلّيّ و الإقليميّ و العربيّ لقوى الإرهاب في “الثّورة المضادّة” ، جرى تطوير لأفكار اجتماعيّة و ثقافيّة و سياسيّة ، بأنّ ما يجري في الحرب السّوريّة هو حرب شعبيّة ضدّ نظام احتكاريّ و دكتاتوريّ !!
    و لقد جرّ وراءه هذا التّفكير المدجّن حاضنة شعبيّة سوريّة واسعة للإرهاب ، فيما كان ثّلة من المرتزقة في “الخارج” يقودون الكثير من رعاع الدّاخل ، مع الغرباء الذين جرى استيرادهم من مجرمي العالم المتأسلمين السّياسيين ، و يسعّرون الأفكار الغوغائّية التي قادت التّنظيمات الإرهابّية المسلحة في وجه الدّولة و المجتمع السّوريين لمدة قاربت ، و هي تقارب ، عقداً ، حتّى الآن ، من الزّمان .
    24▪ و إذا أخذنا بعين الاعتبار المعدّلات الّشاذّة و المنحرفة لمتغيّرات دالّات الجهل و الأمّيّة و الحقد الدّينيّ و الطّائفيّ و عدم الانخراط في أطر تنظيمّية شعبيّة ، منضافاً إلى ذلك تردّد التّنمية و انخفاض معدّلات الإنتاج و تواضع الموازنتين الاستثمارّية و الجاريّة ، و سوء توزيع الثروة الفعليّة و تفاوتها بين المدينة و الرّيف ، و عدم استقطاب جمهور العاطلين عن العمل الذي يشكّل ، و قد شكّل ، الخزّان الاحتياطيّ لمجرمي الإهاب و المقاتلين المسلّحين ضدّ الدّولة السّوريّة ..
    فإنّ ذلك أسّس للاستثمار الثّقافيّ الفكريّ في الجماعات المهمّشة السّوريّة ، كما شكّل إغراء للمجرمين الأجانب المستقطبين إلى سورية ، و ذلك في إطار نجاحات واقعّية و حقيقيّة لإنتاج أفكار منظومّية دينيّة و طائفيّة و عنصريّة شتّى ، كانت الذّخيرة النّظريّة في صلابة التّحوّلات الفكرّية الجديدة التي لن تُمحى بهذه السّهولة و اليُسر ، الّلذين قد يدغدغان عقول السّاسة السّوريين ، و هذا أمر لا يبدو أنّ أحداً قد أخذه على محمل الجِدّ ، بعد .
    و يبقى عامل عدم إيلاء برامج الّتنمية الحديثة الأهمّيّة الأولى و الجوهرّية في المجتمع السّوريّ ، بمثابة الخلفيّة الثّابتة لإعادة إنتاج قوى الّتكفير الظّلامّية ، هذا إذا احتسبنا تطوير المدارك التّاريخيّة و التّربويّة و الاجتماعّية و السّياسيّة و الفكريّة ، في مختلف مستويات التّربية و التّعليم ، جزءاً استراتيجيّاً من برامج التّنمية الشّاملة .
    25▪ بالمقابل فقد ظهرت هُوَةٌ فكريّة و سياسيّة حقيقيّة و فعليّة في جسم الدّولة السّوريّة ، من خلال منظومة إدارّية ، بخلفيّة فكريّة بدائيّة و متخلّفة في النّظرة إلى الشّأن العامّ ، غريبة تماماً عن “الدّولة”.
    و لقد أثبتت الحكومات المتوالية في سورية ، في العقد الأخير ، من تاريخ الدّولة الوطنيّة السّوريّة ، أنّها ، بمجملها ، تعيش و تمارس الحكم و الإدارة ممارسات ارتجالّية و شخصيّة ، بعيدة كلّ البعد عن المشروع السّياسيّ و التّنمويّ الذي يعتنقه رئيس الجمهوريّة و يؤمن به و يعمل عليه .
    و لقد ظهر الأثر السّلبيّ الحادّ لهذا العجز الفكريّ السّياسيّ الحكوميّ ، صريحاً ، بفضل الممارسات الاستهتارّية الحكوميّة بجوهر القرار السّياسيّ السّياديّ الأعلى ، و بالّلهفة الصّريحة التي يُصاغ بها هذا القرار متكرّراً مع كلّ تشكيل أو تغيير أو تبديل حكوميّ .
    26▪︎ إنّ الهُوّة العميقة و الواسعة و العريضة و التي تفصل الدّولة عن ” الدّولة” المتمثّلة بالحكومات المتوالية ، قد شكّلت ظاهرة خطرة في أداء المؤسّسة العامّة و المرفق العامّ ، حتّى يُخيّل للمراقب الاجتماعيّ و السّياسيّ ، أنّ هذه الحكومات هي حكومات تصريف أعمال أو حكومات في بلدان اسكندنافيّة!
    إنّ الفجوة الفكريّة و الاجتماعّية و السّياسيّة التي تفصل الأداء الإداريّ الحكوميّ عن المجتمع ، و التي شكّلت عزلة كبيرة و واسعة للدّولة عن المجتمع ، هي في تفاقم و ازدياد و ليست ، على العكس ، في اندمال و تقارب .
    و من الطّبيعيّ أن نصنّف هذه الظّاهرة في عداد الانحسار الفكريّ السّياسيّ ، في الشّعور بالمسؤوليّة و الالتزام بالواجبات ، و من الطّبيعيّ ، بالتّالي ، أن نعاصر إنذارات اجتماعيّة و سياسيّة ، سيكون أول تظاهراتها في فينومينولوجيا الأفكار ، و هذا ما هو غير صحّيّ ، و هو من باب الدّيموقراطيّة الذّرائعيّة ، الآن في مثل هذه الظّروف الاستثنائّية التي يمرّ فيها الوطن ؛ مع العلم أنّ هذه “ الظّاهرة” المستحكَمة ، قد سبّبت و تسبّب عزلة جديدة للدّولة عن المجتمع ، على اعتبار أنّ المواطن ، بشكل عام ، ليس من شأنه التّفريق أو التّمييز بين “ الحكومة ”و “ الدّولة” .
    27▪ إنّه بالقدر نفسه الذي اتّسعت فيه هذه الفجوة مشكّلة هُوَّةَ العزلة السّياسيّة للدّولة عن المجتمع ، و بالتّوازي معه ، ظهرت أفكار نفعيّة و أخلاق متدنية و تُعلي من شأن الاهتبال الانتهازيّ للمتاح من حقوق و أملاك العاّمة من الشّعب ، على أنّها هي صاحبة الّلحظة الزّمنيّة ، بجميع ما تتضمّنه هذه الّلحظة و تشتمل عليه ، من فرصة و نفعيّة و مصلحة و انتهازيّة و قرصنة مشهودة و علنيّة ، حتّى باتت أفكار فنون اغتنام الّلحظة سائدة بشكل واسع ، و من الطّبيعيّ أن يستبعد هذا النّمط الفكريّ العمليّ و التّفكيريّ كلّ اتّجاه نحو التّنمية العامّة للموارد الوطنيّة ، إذ أنّ مفاهيم كالوطنيّة و الاجتماعّية و المصلحة العامّة و الشّأن العام ، أصبحت في عداد المصطلحات المنقرضة من التّداول و التّبادل و العمل و التّقويم .
    28▪ هكذا استحال الخطابُ السّياسيّ السّوريّ العامّ ، من خطاب منظّم و مُقيّد بضرورات اجتماعيّة و حضاريّة و ثقافيّة و وطنيّة و عالميّة ، إلى خطاب سائب و متسيّبٍ في أروقة الخلفيّات الموازية للزّعم الإعلاميّ المتواطئ ، بطبيعته - إذ أنّه جزء من آليّات و مكوّنات هذا النّظام - و المتملّق ، بالإنجازات التّنمويّة الوهميّة الكاذبة ..
    في الوقت الذي لم يكن فيه النّظام الحكوميّ و الماليّ و الاقتصاديّ ، معنيّاً بتقويم القدرة الشّرائيّة للدّخول المحدودة ، و التي عانت من تقهقر محسوب محليّاً و عالميّاً ، وفق سعر صرف الليرة السّوريّة ، بتراجع بلغ ما يزيد أكثرَ على عشرة أضعاف الدّخل نفسه قبل الحرب ، و هذا ما يستطيع رؤيته و حسابه تلميذٌ في المرحلة الابتدائّية ، و لكنّه كان صعباً على الأداء الحكوميّ ، إذ لطالما كانت الطّبقة الاقتصادّية السّياسيّة قادرة على عدم الخضوع لهذا التّقهقر المأساوي الاجتماعيّ ، على اعتبارها بمنأًى عن هذا التّأثير المباشر أو غير المباشر عليها .
    29▪ إنّ الاستحالات الفكرّية و السّياسيّة و الواقعيّة و الاجتماعّية ، و بخاصّة في ظروف هذه الحرب المدمّرة الموجعة الطّاحنة للمجتمع ، قد تركت ، و سوف تترُك ، آثاراً من العصيان الزّمنيّ و الاستعصاء التّاريخيّ بعلامات فارقة دائمة و شبه أبديّة ، إن لم يجرِ استدراكها ، الآن ، و منذ هذه الّلحظة ، و معالجتها معالجة جريئة و مباشرة ، و بآليّات تخضهع إلى دراسات نظريّة إسعافيّة و سريعة ، من قبل من هم مشهود لهم - بالنّسبة إلى الدّولة و أجهزتها التّاريخيّة بالاستقصاء المعلوماتيّ الأرشيفي - بالشّرف المسلكيّ و الخبرة الواسعة و النّادرة في التّدبير و الإدارة و التّنمية و المال و الاقتصاد و القانون .. ، إلخ ؛ و المجرّبون و المعروفون على مستوى القيادة و الإدارة و التّنظيم و التّنفيذ و التّشريع و التّقنين و التّقعيد ، بعقليّة حرّة و مواكبة للتّطوّرات المؤسّساتيّة العالميّة ، لا يحد من هذه الحريّة سوى حدود مفهوم المصلحة الوطنيّة بأوسع معانيه و دلالاته و ضروراته و مقتضياته ..
    و يؤمنون بأنّ المسؤوليّة و الواجب هما قضيّتا أخلاق مسلكّية و وطنيّة ، قبل أن تكونا مسؤوليّات قانونيّة و جزائيّة ينبغي تطبيقها بحذافير منطوق القوانين ، و هذا ما ينطبق أوّل ما ينطبق على معالجة ضعف الجهاز القضائيّ ، هذا الضعف الذي تجاوز كلّ المعايير و المقاييس المعروفة .
    30▪ و أخيراً ، فإنّه إذا كان للدّولة مصلحة في الاستمرار و النّجاح - و هذا دأب جميع دول العالم - فإنّ الوقتَ قد حان ، و هو في حينونةٍ كاملة ، من أجل تلمّس بداية الطّريق التي ستضع سورية على طريق الدّول العتيدة ، ولقطع الطريق على الذين شنوا الحرب عليها ، بغرض حشرها في حظيرة الدّول الفاشلة ..
    وهذا ما قاتلت القيادة العليا للدولة قرابة عقد من الزمن ولا زالت تقاتل ، لمنع وقوعه ولقطع الطريق عليه .
    عدد الزيارات
    16873703

    Please publish modules in offcanvas position.