خطأ حشر الدينِ في تطبيق القومية و العلمانية- 2 من 3

أ بهجت سليمان في مكتبه[ خطأ حشر الدينِ في تطبيق القومية و العلمانية ]
( مفارقة المقولة ، و واقعية المفاهيم الضّروريّة )
( الحلقة الثانية " 2 من 3 " )
 
● د. بهجت سليمان
 
9▪︎ تاريخيّاً ، و عندما أخذ "الدّين" شكل "المؤسّسة" الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و أحيط بمظاهر "التّحريم" و "التّبجيل" السّلطويين ، لإخضاع "المجاميع البشريّة " و استغلالها و استخدامها و استثمارها ؛ و "القدسيّة" الانتهازيّة التي تهدف إلى الاستيلاء على طريقة القرار العامّ و التّفكير اليوميّ في مناسبات مبادلات العلاقات ، و المشاركة الثّأريّة في الحاكميّات المختلفة ؛ كان من الضّروريّ أن تظهر الاختلاطات التي توحي بتقديس العاديّ و اليوميّ و ضرب أسوار التّحريم و التّكفير حوله ، لتتمكّن من إرهاب العواطف و عقول العامّة من الشّعوب ، احتكاراً لها وتسخيراً لقواها الاجتماعيّة في خدمة طبقات "اللاهوت" الهيراركيّة الصّارمة.
10▪︎ يقول (جون لوك) : "من يشك في أمور حياته العادية التي لم تؤيدها الأدلة والبراهين ، لا بد من هلاكه في وقت قصير ؛ لأنه بذلك لا يجرؤ على الاغتذاء بطعام ولا بشراب" ..
هذا مثال حيوي على "المعتقدات" و لكنّه من الأمثلةِ غير الضّارة لأنه يتناول "عادات" الحياة البيولوجيّة التي تكررت حتّى غدت معتقداً ؛ مع أنه يحمل في طياته نوعاً من التّحليل النقدي لكيفيات تكون و استمرار "المعتقدات" التي تطمح إلى مصافّ "المقدس" ، في سيرورة تكديس و تكريس المعتقد على أنه "بديهيّة" و ضرورة خالصة.
و يضيف ( غوستاف لوبون ) معلّقاً على نصّ ( لوك ) :" إن المجتمع لا يعيش بتحليل آرائه و معتقداته تحليلاً انتقادياً ، و ليس شأن المعتقد سوى كفاية المجتمع مؤونة ذلك التحليل". [ غوستاف لوبون – المعتقدات و الآراء ].
11▪︎ فمن أكثر الأمور إشكالية و أعقدها تكويناً و أصلبها مقاومة ، هو مواجهة "المعتقدات" على مختلف مضامينها ، لاهوتية كانت أم يومية ، و محاولة التأثير بها ، ناهيك عن مقاومتها الموضوعية التي غذّتها العهود و العصور.
و غالباً ما يحتلّ " المعتقد " ، كآليّة نفسية ، مفاهيم أخرى و يختلط بها نتيجة صناعات "المؤسسات" التي ذكرناها أعلاه ، لنجد تلك المفاهيم و قد تقعّرت و تشوّهت و تحدّبت لتكون موائمة لطبيعة و روحانية المعتقدات نفسها ، فتختلط بها ، ليصبح من الصعب فصلها إلى ما كانت عليه قبل هذا التداخل ، هذا إن لم يكن "المعتقد" المكوّم مع التاريخ قد أخذ مكان "المفهوم" نفسه و حلّ محلّه.
هنا نحن أمام أكبر تشوّه يُصيب "المفاهيم" و يلغيها و يُظهرها بمظهر غير المشكوك فيه و غير القابل للنقاش.
إن التّقدّم الذي أصاب البشريّة ، و هي ما زالت ، و ستبقى ، تعتاش عليه و تغتذي من ضرعه ؛ لم يكن ليحصل في العقول المبدعة و المجتمعات الحيّة التي استقبلت أفكار الفاتحين ، لولا أنه تمّ الفصل بين "المعتقدات" و بين "الحاجات الحيويّة" للثبات و الاستمرار و الانتقال و التقدم و التغيير ، الذي بفضله نما العالم المتقدّم ، و بسبب غيابه تخلّفت المجتمعات المقهورة اليوم.
12▪︎ من الأمثلة الحيّة المعاصرة التي نعيشها في مجتمعنا اليوم بوصفه نموذجاً من نماذج المجتمعات العربية الإسلاميّة ، هو تحريم "المفاهيم" ذات الطابع السياسيّ و الاجتماعي و الحيوي ، و خلطها الشّنيع بالمعتقدات ، بغض النظر عن قدسية أو عدم قدسية هذه المعتقدات ، و لكنْ التي تعمل دوماً على الظهور بثوب المقدس و صولجان "السلطان".
و مع تقدّم الظّروف المؤهِّلةِ للتغيير الاجتماعي و السياسي في سورية نتيجة لآثار الحرب التي أعادت خلط المفاهيم و الأوراق و الأفراد و الزمر و الجماعات ، إلى الدرجة التي أصبحت فيها هذه المجموعات مؤهّلة لتتغيّر و تتقدّم ، في غالبيتها ، و تنتقل من عصر إلى عصر ، كان ثمن هذا الانتقال الكثير من الآلام و الهزائم و الفواجع و المآسي و المآثر و البطولات . كان كلّ ذلك كفيلاً بإدراك الجميع أننا كنّا و ما نزال بعيدين كلّ البعد عن "الحضارة" في أجلى مظاهرها و أعني القوة.
13▪︎ كان الضعف الذي ظهرت آثاره في هذه الحرب هو وراء معتقداتنا ، و كانت هي الأخرى معتقداتنا وراء ضعفنا هذا بالتأكيد .
هكذا أكّد التاريخ الاجتماعي لهذه الحرب التي تنهي عقدها الأول و تستمرّ و ستستمرّ ، من دون أدنى جدال أو أي عنت أو نقاش أو حوار.
و حيث تنطرح الأفكار النقدية بموضوعيّة حول أسباب تخلفنا و سبل تقدمنا ، و يعلو الصوت المعاصر المتحضّر الذي تلمّس آنية الظّرف الذي يجب أن يكون قد غدا مؤهَّلاً ليستوعب أفكار التغيير و مفاهيم التقدم و المعاصرة ، نجد في المقابل "حُرّاس الهيكل" الاعتقاديّ القديم ، ينبرون ليقيموا الدنيا و لا يُقعدوها احتجاجاً على أفكار "التّنوير" العقلانية ، التي ترغب في استدامة قهر البشر و شقائهم و ضراوة مرارات ظروف تخلّفهم و انهيارهم الحضاري المطلق ، و مصائرهم الدامية و جوعهم الذي لم يسمع أحدٌ به ، و انطوائهم على أجسادهم الطاوية في صقيع العَوَزِ و نيران الحرمان.
و لقد كان كلّ شيء على ما يُرام لو أن مصالح أولئك المتاجرين بدماء العباد تنسجم مع أفكار التنوير و التطوير و التقدم و الانعتاق من المظالم و كل هذا الموت غير المجازي ، و لكنّهم يواجهونها ، أبداً ، بضراوة و شراسة و تنظيم لأنها تخلخل مواقعهم الاجتماعية و السياسية ، و هم السّابحون في محيطات الأموال و "التّبرّعات" و "الأوقاف" و "النّذور" و الليالي الصاخبة.
14▪︎ إذا عدنا إلى مسألة المقولات و المفاهيم و استخدامها المحموم بكيفيّات زائفة ، لم نلحظ و لا نلحظ سابقاً قبل هذا العصر المدمّر من الحرب الطاحنة بهذا الشّكل من الهمجيّة و الاستغباء و الاستخفاف بالعقول و التّضحية بالأرواح ، أو بمثل هذه الرعونة و الحماقة في قلب و تشويه المفاهيم و خلط و تزوير المقولات و إقامة العلاقات غير الشّرعية بين مقولات السماء و مفاهيم الأرض ، سفاحاً ، نهاراً ، جهاراً ، بحيث يُضربُ الطوقُ على عقول البسطاء من العامّة ، فينساقون وراء "حرّاس الهيكل" الضّاربين جذورهم في "العادات" و "المؤسسات" ، فإذا بأولئك كالببغاوات يردّدون وراء هؤلاء ، الآراء و المواقف و الصّراخ ممّا ليس له معنى في ميزان النقد و التفكير.
15▪︎ أكدنا مراراً ، و نُعيد ، أن "الإيمان" ، و في سياقه ، أو في غير سياقه ، أيضاً ، "الدّين" أو "التّديّن" ، هو علاقة ضمنيّة تجاوزيّة و خلاصيّة فرديّة تفترض قيماً فردية و شخصية ؛ و حبذا لو كان لها بعدها الاجتماعي ، مع ندرةِ هذه الحالات ، كما تؤكد التجربة حولنا و "الاجتماع" و "السياسة" ؛ و هو علاقة وجدانية صرفة ، من حيث الأساس ، بين "المخلوق" و "الخالق" وفق ما يتصوّر كلّ منّا ، نحن المخلوقات ، هذا "الخالق" و ينسب الصّفات و غير ذلك إليه.
فهي بهذا علاقة "متعالية" الفضاء ، مفارقة لليوميّات ، و ترانسندنتالية و تسليميّة في وضعها التّقديريّ النفسيّ لما يفترضه "المخلوق" من "الخالق".
إلى ذلك فهي علاقة محفوفة أبداً بالأمل و هذا عندما يؤدي "المخلوق" الطاعة للخالق حسَبَ ما يعتقد كفرد أو في نظام جمعي أو فئوي أو اجتماعيّ للاعتقاد.
إنها علاقة تبقى أبداً غير ناجزة ، حيث يتحتّم إنجازها ، وفق الإيمان ، في عالم " الما وراء ". فالإيمان أو الدين "مقولة" كلّيّة و ناجزة أصلاً و لا تحتاج إلى تجربة أو برهان أو إثبات تحفّه التجربة و الخبرة من جميع أطرافه ، اللهم باستثناء بعض الخبرات التأمليّة و الإيمانيّة التي تعزّز أو توهن طبيعة العلاقة بين "المخلوق" و "الخالق" ؛ و لكنّنا لسنا هنا في مناسبة تحليل "الدّين".
16▪︎ و أمّا "القوميّة" فهي كما هو معروف ضرورة تاريخيّة و سياسيّة و اقتصاديّة و ماليّة للقوة و الحضور النوعيّ ، و شعور نفسيّ و أنثروبولوجيّ ، و حاجة وجوديّة اجتماعيّة و سياسيّة ، تجمع "الأمّة" أو "الشعب" أو "المجتمع" أو الزمرة أو "الجماعة" ، إلى ضرورات المعاصرة للزّمان في المكان.
فهي "مفهوم" سياسيّ تاريخيّ نشأ بدافع وعي الضّرورة عن التّجمعات التوسّعيّة للجماعات الأولى في منافستها مع "الآخر" و استجابة لتحديات المبادلات الموضوعيّة بين الجغرافيا و التاريخ.
إنها مفهوم تاريخي ، اجتماعي و سياسي ، لا يمتّ إلى "المقولات" الكلّيّة المتعالية و المفارقة بأيّة صلة ، سوى منها ما يُعزّز تسويغ حكمة السّماء في الأرض و مباركة الله للجماعة في وَحدتها على الأهداف و المصائر.
من حيث الجوهر لا ترتبط "المقولة" بالمفهوم إلّا وفق الانطباع الإنسانيّ على قصدية البشرية و غاياتها المتكشّفة في الطريق.
فالرابط الأصلي هنا لا قيمة له ، في المنهج و البرنامج و الاستراتيجيات السياسية الإنسانيّة في "القوميّات" ؛ و يبقى أثر ذلك الرابط الافتراضي المنوه به ، و هو خاضع بطبيعة الحال للمفهوم أكثر مما هو خاضع لطبيعة "المقولة" ، أثراً احتماليّاً في تحقيق أهداف "القوميّة" السّياسيّة في بناء الدولة الواحدة للأمة أو للمجتمع ، فيعي الشّعب الواحد ، بذلك، قيمته الإيجابية الفاعلة بين سائر الأمم و المجتمعات.
و "العروبة" ، كقوميّة، على هذا الأساس ، هي "مفهوم" تاريخي اجتماعي و سياسيّ ضروريّ الممارسة و التحقيق في إطارٍ ما من الأطر الكثيرة المتاحة أمام الشعوب العربية من مختلف أشكال الاتحاد و الوحدة و التكامل و التنسيق ؛ و هذا أمر لسنا ، هنا، في وارد التوسّع فيه.
 
● غدا: الحلقة الثالثة والأخيرة "3 من 3"
عدد الزيارات
16176059

Please publish modules in offcanvas position.