خطأ حشر الدينِ في تطبيق القومية و العلمانية- 1 من 3

    أ بهجت سليمان في دمشق[ خطأ حشر الدينِ في تطبيق القومية و العلمانية ]
    ( مفارقة المقولة ، و واقعية المفاهيم الضّروريّة )
    ( الحلقة الأولى " 1 من 3 " )
     
    ● د . بهجت سليمان
     
    ■ إنّ علاقة " العروبة " بالدين ليست علاقة "عضوية" بقدر ما هي علاقة ثقافية و تجريبية و تطبيقية و ضروريّة ، في إطار ضرورات عصرنا هذا الذي يتحدّانا بالوجود. ■
    ■ " الدّولة " ليس لها دين ، بوصفها مؤسسة أو مؤسسات ، كائناً سياسيّاً اعتباريّاً . فيما الدين أو الإيمان يتبع " الشخص الطبيعي " ، الفرد ، أو الشخص البيولوجي . ■
    1▪︎ عندما يقال بأن اعتماد العلمانية سوف يصطدم فكريّاً بالترابط بين القومية العربية و الدين.. وأن هذه اشكالية تحتاج إلى حلول.. وأننا نحتاج إلى فكر جديد و طريقة تفكير مختلفة.. في مقاربة المسألة ..
    فإن ذلك يستدعي التصويب و القول بأن :
    2▪︎ مشاعية و عالمية الثقافة اليوم تصطدم بمجازر تستهدفها بدراسةٍ و ممارسةٍ و تنظيم و تنظير ، ليس أهمها الاعتداء المسلّح بالجهل على مضمون أو مضامين الثقافة في كياناتها الرسميّة أو الاتفاقية ، و ليس آخرها تنطح الهواةِ على اختصاصات الفلاسفة و المفكرين و قادة الرأي و الساسة و منظِّري السّياسة و الفكر السياسيّ المعتبرين في الواقع و في التاريخ.
    3▪︎ أمسى عصرنا اليوم، "عصر الفوضى" المنظّمة ، التي لم نأخذ نحن منها سوى الفوضى و اختلاط المفاهيم و النظريات و الانطباعات الغائمة على أفكار و مقولات و مفاهيم و نظريات و حقائق و تجارب ، غنيّاً و حافلاً بهزالاتٍ تكاد تكون صارت ثابتة يقينيتها العملية و قوّتها التطبيقيّة ، بإثبات نجاحها و فاعليّتها على مرأى و احتقار من قبل جميع أمم و مجتمعات و دول العالم التي سبقتنا بعصور و عصور و أجيال و حضارات ، نقف أمامها وقفة الخنوع و التبعية و الدونيّة ، و نتسابق للتّعلّم السّطحي منها ، و الاستفادة المبتورة من منجزاتها ، و اقتفاء آثارها بانتقائية سرّيّة و تلفيقية و ترقيعية و همجية و رعونة و "محدوديّة فلّاحيّة".. و "جلافة رعوية" في كلّ غفلة و صحوة في التاريخ.
    4▪︎ " الثّورات الحضارية " ، كما عاصرناها في العالم و في الكتب ، لم تكن لتتجزّأ بانتقائيّة مزاجيّة تتْبعَ تقاليد و أمراض الشّعوب المهزومة حضارياً ، و إنما باعتماد منهج "الحريّة" الشّاملة القائمة على تفعيل مبدأ الإرادة الاجتماعية و السياسية إلى حده الأقصى الممهور بالإيمان بروح الشّعب الحيّة ، الذي يُبدع النظريّات و الأفكار و يُطورها و يتجاوزها هي نفسها في الممارسة و التطبيق.
    5▪︎ نحن نخطئ كثيراً و نجافي الحقيقة و الواقع إذا تصورنا أن الثورات الحضارية هي نتيجة رد فعل على ظرف أو واقع قائم أو حالة مستعصية تحتاج إلى خلخلة و انفراج.
    الثورة الحضارية فعل تراكم وجداني و معرفي و ثقافي و "فوقي" تظهر مقدّماتها في التّنظير الملح و الصادق من قبل أناس سبقوا عصرهم و كانوا رواداً في الحاضر و فاتحين للمستقبل ..
    و ما أداة الحريّة في الثورة الحضارية الشاملة سوى تلك المتمثّلة في طبقات و فئات شعبية أدركت موقعها المتخلف و المجحف حضارياً ، و أرادت أن تغيّر مُستلهمة أفكار التغيير ، باحثة لها عن موقع في خريطة العدالة الاجتماعية و تساوي الفرص أمام جميع القادرين.
    و بالمقابل فثمّة من الفئات الاجتماعيّة المنظوميّة و الهيراركيّة من هم لهم المصلحة المستمرة و الأبدية ، إن استطاعوا ، في أن يجعلوا محيطهم البشري في أدنى درجات بهيميّته على إيقاع معتقدات كاذبة ، و بتشغيل أحطّ ما عند هؤلاء من أسلحة هوجاء لمعاداة "الفكرة" ، التي هي وليدة العقل الإنساني الذي جعله الله سفيراً له في الإنسان ؛ و ذلك ليجعل "الأسياد" الهزليين في مواقع التحكم المُحكمةِ خنقاً على رقاب البسطاء الذي تأخذهم ، عادة ، أقاويل "العيب" و "الحلال" و "الحرام"، و ليست هي من ذلك بشيء.
    6▪︎ يخلط ، عادة، و بقصد و غرض و هدف و غاية ، هؤلاء "الأسياد" المزوّرون ، أمام عامة الناس و أمام كثير من المثقفين الذين لم يتمايزوا عن العامة بطرائق تفكيرهم أو بغبائهم أو بارتباط مصالحهم ، مباشرة، بمصالح "الأسياد" ؛ يخلطون بين " العقيدة " ( الإيمان ) و بين "العلم" أو "المعرفة" الإنسانية و الفلسفات المؤسّسة لها ، و التي جاءت ، كلها ، وظائفها ، عبر الإلهام الإلهيّ الذي يحدب بطبيعته على الإنسانيّة و يُلهمها طرق الانعتاق.
    و على رغم ذلك ، فما يزال بعض البشر من العامة و الخاصة و ملحقاتهم من المثقفين ، يُفاجئون الشّعوب الطّيبة بتهويلات و إرهابيات و تكفيريات و "أصوليات" و "سلفيات" و مُنغَلقات عقلية تُعمي البصيرة و البصر ، بمضامينها التي صارت بديهيّات في الرّعب من "الحضارة" التي تتقدم و تكاد ، وشيكة ، أن تكنس هؤلاء و أولئك من دربها ، حيث مجرى التقدم البشري هادر الأفكار و المؤونة و الأفعال و الأشياء ، و مُدمّر لمن يُخالفه أو يعترض عليه.
    7▪︎ و سِيان إن كان الخلط المقصود أو الغبيّ غير المقصود ، أو كلاهما معاً ، هو ما نعاصره اليوم في أمرٍ كنّا خضناه في مناسبات لا تُحصى ، و قد اتّصل في حينها أو في أحيانها بمفاهيم أخرى من مثال قبيل إثبات البديهيّات كمفهوم "عروبتنا" المُطلَقَة أمام من يُريد التعري الكامل أمام الحقيقة و قوى الحضارة الوطنية المعاصرة في عالم اليوم ، بعد أن باشر ، للحقّ ، مشروع التعرّي و العريّ ، إذ راح يخلع عنه ثيابه القومية في غابات العراة ، فيعلن أنه "سوريّ" فقط !! ، قبل و بعد كل شيء ؛ و هذا ما لا معنى أو قيمة له على درج الارتقاء.
    8▪︎ و إذا كان النّاس "يعتقدون" بتأثير العاطفةِ لا بتأثير "الدّليل"، وفق ( باسكال ) ، و بتأثير تجارب و خبرات شخصيّة محضة أخرى مقصورة الأثر و المفعول على أصحابها من "المؤمنين"، في إطار " الدّين" ؛ فلأنّ " الدّينَ" ممارسة وجدانيّة خاصّة و شخصيّة تتخلّلها عبادات و طقوس و عادات و سلوكات فردية ، قلّما تقبل التّعميم و التّأطير في منظومات عامة "صادقة" ، بدليل أن طرائق الإيمان عند البشر مختلفة و متنوعة و لا جامع فيها سوى العبادة الإلهيّة ، التي تتنوّع هي الأخرى بحسَبِ التّصوّرات الفرديّة و الشخصيّة حول "الله" و ما يتّصل بمبادئ الإيمان من صنوف و ألوان تتعدّد بتعدد "المخلوقات".
    فالدّين ( و بالأحرى " الإيمان " ) ليسَ " مؤسّسة " تنموية أو نظاماً وضعيّاً تحدّده القوانين الوضعية و الدّساتير السياسيّة و القرارات الرسميّة و المراسيم و اللوائح التنفيذية و الأوامر الإداريّة في معرض إجراءات التّطبيق.
    الدّين علاقةُ حرّيّة خالصة بين الخالق و المخلوق .. هذا ، ناهيكَ عن الممارسات الفرديّة للدّين و الطّقوس في الأبعاد القيميّة التي تتباين بين الأفراد ، حتّى لَيبدو للمراقب الحيادي الموضوعي و العادل أنّ لكل شخص من الأشخاص "دينه" المختلف عن "أديان الآخرين" ، على رغم ما يجمع الكثير من "الأديان" و طرائق "التّديّن" من العنف و التّنمّر ، و حسب ، ذلك الذي يوجّه عادة إلى غير "المتديّنين" ؛ و بالمقتضى إيمانه أيضاً و طريقة أو طرائق هذا "الإيمان"؛ و هذا إذا تجاوزنا بعض الاتفاقات و التّواضعات الشخصيّة التي تجمع زمر المتديّنين في بعض الطقوس الظّاهريّة ، التي لا تدخل عادة في صدقيّة "الإيمان" أو الإخلاص في "الدّين" و "التّديّن" الفرديّ، بحسب ما يُشاعُ، عادة، من مقتضيات "الإيمان".
     
    ● غدا: الحلقة الثانية "2 من 3"
    عدد الزيارات
    15521753

    Please publish modules in offcanvas position.