عاصفة من تطوّرات السّياسة العالميّة الأخيرة- 3 من 3

    أ بهجت سليمان في مكتبه[ عاصفة من تطوّرات السّياسة العالميّة الأخيرة ]
    [ مغزاها و مدلولاتها السّياسيّة المحلّيّة و الإقليميّة ، المباشرة ]
    ( الحلقة الثالثة والأخيرة " 3 من 3 " )
     
    ● د . بهجت سليمان
     
    ● الدّور الرّوسيّ :
    22▪︎ بدلاً من استثمار اللحظة السّياسيّة التّاريخيّة النّادرة ، فإنّه يبدو أنّ روسيا قد اكتفت - حتى الآن - بدور إقليميّ دفاعيّ ، قياساً بالهجوميّة الأميركيّة العلنيّة و العربدة "الإسرائيليّة" العسكريّة الحربيّة المتواصلة و التي تشكّل جزءاً جوهريّاً من العقيدة القتاليّة السّياسيّة "الإسرائيليّة" .
    لم تكن روسيا - أو حتّى الاتّحاد السّوفييتيّ - يوماً ، عدوّة ل ("إسرائيل") . و هذا باعتراف كبار المفكّرين السّياسيين الرّوس أنفسهم ، و ذلك بسبب الحضور اليهوديّ الضّاغط ، تاريخيّاً ، في روسيا ؛ هذا على الأقلّ..و من جانبها اعتبرت ("إسرائيل") ، بصراحة العبارة ، روسيا عدوّاً لها ينبغي مواجهته ، مهما تظاهرت بالعكس .
    و هنا لا بد من التساؤل : إلى متى سيستمر ترك سقوط الاتّحاد السّوفييتيّ المدوّي ، عقدة دونيّة روسيّة أمام ("إسرائيل") و أميركا؟
    وهل تجهل روسيا أن أميركا تعتبرها عدوا ، مهما أطلقت عليها تسمية " شريك "؟
    و هل تجهل روسيا بأن " إسرائيل " لن تكون إلا ذراعا أميركيا في مواجهتها ، عندما يستدعي الأمر؟
    فيما تنشغل الصّين بمشاكل التّنمية و الهندسة الاجتماعيّة و السّياسيّة لسكانها الذين قاربوا المليار ونصف من البشر؟ رغم الاستفزازات والتحرشات الأميركية الأخيرة المتصاعدة ..
    وإذا لم تتعظ الصين ب إيران ، وتعمل من منطلق ( لا يفل الحديد إلا الحديد ) فإن واشنطن لن تتوقف عن التصعيد تجاهها ، وبما يحد من حركتها ويضيق الخناق عليها ، لتدرك متأخرة أنها تأخرت في إظهار " العين الحمراء " لأمريكا التي لا تفهم إلا لغة القوة .
    23▪︎ من الصّعب حسم قضيّة أنّ الدّور الرّوسيّ قد اكتفى جيوبوليتيكيّاً بإطلالته على البحر الأبيض المتوسّط ، في الوقت الذي تغرينا فيه الوقائع المباشرة - (و هذا خارج إطار إحاطة السّياسات الدّوليّة و العالميّة بالألغاز و الإلغازات الأسلوبيّة في الأداء ) - لكي نقرأ هذه القراءة المغرقة بالواقعيّة ؛ في الوقت الذي أثبتت فيه سياسات الدّول " الجيوبوليتيكيّة " ، في القرن العشرين ، المنصرم ، أنّها غالباً ما تُنجز تناقضات حقيقيّة تؤدّي إلى خسارات استراتيجيّة في الهيمنة أو في الفاعليّة العمليّة بالحضور السّياسيّ ، في عالم يتواجه فيما بينه بسياسات القوّة الصّريحة من غير أسرار أو مخاتلات صعبة التّفسير ..
    الّلهمّ إلّا في حالة واحدة و وحيدة ، كما قد نوّهنا بها أعلاه ، من الاتّفاقات الضّمنيّة المقولة أو المتفاهم عمليّاً عليها ما بين "الأقوياء"(؟) على ما هو أبعد من النّفوذ العالميّ ، أي إلى الاتّفاقات و الاتّفاقيّات الاعتباريّة الدّوليّة الكبرى على توزع استثمار الأرض .
    24▪︎ في كلّ حال ، فإنّ علينا أن لا نقبل مقاربات البعض بأنّ لروسيا "مطامح" و "مطامع" إمبرياليّة معاصرة ، توازي "الأطماع" الإمبرياليّة الغربيّة - الأميركيّة التّقليديّة ..
    وعلينا أن لا ننظر إلى هذا الأمر نظرة سياسيّة تقليديّة ، في أن نقبل اتّهام روسيا بذلك ، على اعتبار أنّ روسيا في حالة مواجهة تاريخيّة و ثقافيّة و حضاريّة مع الغرب الأوربّيّ و الأميركيّ ، و هذا شأن معروف و مفهوم لدى الجميع .
    و لكنّنا في هذه الحالة علينا ، أيضاً ، أن ننظر إلى "الدّور" الرّوسيّ نظرة "متواضعة" ، بالمقارنة مع "المسؤوليّة" الأميركيّة العالميّة التي تنظر فيها أميركا إلى نفسها ، على طريقتها الإمبراطوريّة البربريّة ، و هو الأمر الذي يعقّد و سوف يعقّد على نحو أكبر الخَلاصَات و الخُلاصات النّهائيّة للحرب السّوريّة التي هي اليوم محور العالم المعاصر .
    25▪︎ إنّ الاصطفاف الرّوسيّ اليوم في الدّور الذي نتحدّث عليه ، هو ممّا يُضعف الفاعليّة الرّوسيّة الإقليميّة و العالميّة ، و نستطيع تلمّس هذا الواقع إذا قارنّا موقف روسيا من تركيا مع موقف روسيا من إيران و سورية ، في نسيان و تجاهل للدّبلوماسيّة الرّوسيّة التي نشطت في السّنوات القليلة الخالية في "أستانة" و "سوتشي" و ما إلى ذلك من قدرات موزعة في العلاقات المتوازنة في المنطقة الإقليمية ، بخاصّة ، و التي تحيط بالحرب السّوريّة في الجغرافيا و المكان .
    ● و أخيراً ، سورية :
    26▪︎ من الصّعب أن نبدّل أيّ مصطلح سياسيّ أو غير ذلك ، بمصطلح "الحرب السّوريّة" رغم استخدامنا لغيره ، وهو الذي أصبح واقعاً عالميّاً لا يخفى على أحد . و يكاد هذا المصطلح أن يضمّ إلى جانب "الحرب على سورية" ما من شأنه أن يكون "الحرب في سورية" و "حرب السّوريين" و "حرب العالَم" في سورية ، بوضوح .
    في هذا الإطار تبدو صورة الواقع القائم في سورية ، ضرباً من اختزالات الحرب العالميّة المعاصرة ، و "الأدوار" المتبادلة ، للجميع ، و الوظائف المختلفة ، أيضاً ، و ذلك من دون أن نغفل مطامع و أطماع الجميع بمصالح تجاوزت و تتجاوز المفهوم الاتّفاقيّ لبحث الدّول على متّسع لها من المصالح و المجالات الحيويّة ؛ في وقت تتّسع فيه الفجوة ما بين مصالح الآخرين ، و بين آلام و فظائع و خرابات و دماء و ضَياع السّوريين.
    27▪︎ تشكّل سورية اليوم نموذجاً تاريخيّاً فريداً للصّراعات الإقليميّة و الدّوليّة و العالميّة ، ضمن ما عرف ب "محور المقاومة" في المنطقة ، و الذي كان كافياً ، حتّى الآن ، للحفاظ على أمل و ضوء مستقبليين ، يمنعان محو الإنسان المشرقيّ - السّوريّ - الإقليميّ ، بفعل "المحور" المذكور .
    في المسائل الجديدة و المباغتة ، يحتاج القرار إلى الكثير من الشّجاعة التّاريخيّة التي تختزل العقلانيّة و الموضوعيّة و المعاليم و المجاهيل ؛ و في السّياسة ، فقط ، يغدو هذا المُعامِل ضروريّاً و يكاد يكون مطلقاً ، لما له من معانقة المطلق من جرأة على الإقدام .
    و حيث أنّه ليس ثمّة هنالك من لا يخاف ، فإنّ العبرة هي في تعميم "الخوف" الجدّيّ على جميع أطراف العلاقة الحاكمة في التّحدّيات و الصّراعات ، إنْ كان ذلك على مستوى الأفراد أو كان على على مستوى الدّول.
    28▪︎ من الطّبيعيّ أنّ الدّعوة إلى الإمعان في الحرب ، ليست دعوة مسؤولة ، في الرّأي ، و لا تنمّ عن الشّجاعة المطلوبة في مثل هذه الأحوال ؛ غير أنّ العكس ليس في الإذعان المجانيّ لنتائج حرب سدّدت فيها سورية و "محور المقاومة" الكثير ممّا تحبّه الذّاكرة أو ممّا تكرهه و تأنفه ؛ و على هذا الأساس فإنّ الصّمت السّياسيّ على الحقوق الوجوديّة للشّعوب و الأمم و الدّول ، لا يقدّم و لا يؤخّر في الحلول المطلوبة للمسائل المستعصية ، بقدر ما هو يُحدث المزيد من الآلام و الهوانات و لو كان ظهورها يأتي تباعاً في التّاريخ .
    لقد سدّدت سورية و حلفاؤها أثماناً كثيرة في الدّفاع عن المكان و عن المنطقة و عن العالَم ، لقاء الأمل في انتصار مشرّف و ليس في نهاية مؤلمة و مؤذية ، و لهذا كان على سورية أن تطوّر من أدواتها في النّظر إلى الوقائع و التّحدّيات ، هذا و لو كلّفها الأمر التفكير بإعادة صياغة لتحالفاتها و شراكاتها ، أو التّلويح بذلك في وضع جادّ و جِدّيّ .
    29▪︎ و أمّا و قد نشطت الدّبلوماسيّة الإقليميّة الجديدة بعُدّةٍ سياسيّة جديدة ، فإنّ خطر فرض تصوّرات الآخرين على حلول النّهايات ، تزداد فرصه ، تدريجيّاً ، و هو ما يجعل الموقف السّوريّ ؛ الذي هو - بحكم الواقع - جماع دور و وظيفة و تحدّ وجوديّ تاريخيّ ، في صراع غير متكافئ مع "العالَم" ؛ موقفاً يزداد في التّعقّد و التّأزّم يوماً بعد يوم ، و ذلك بسبب ما طرحته الحرب و مسيرتها المزمنة و مفرزاتها المؤلمة القابلة للدّيمومة لفترة ليست قصيرة ، و تحتاج إلى التّأمّل السّياسيّ الذي لا تخامره العادة و لا يصرعه التّعوّد .
    و عندما نكون مقبلين على حالة سوريّة ليست مضمونة و لا حتّى واضحة ، بعد ، فإنّ ما يتقدّم كلّ فكر إنّما هو واقعيّة المضمون و حرفيّة الحقائق ، مع العلم أنّ هذا الأمر لا يضرّ بأيّة دبلوماسيّة مفروضة على سورية ، و ذلك ليس بحكم التّقاليد ، فقط ، و لكنْ أيضاً بحكم مراكز القوّة العالميّة و الإقليميّة المباشرة.
    30▪︎ وأخيرا ، ليس من العدل أن ننظر إلى أنفسنا في سورية على أنّنا ، بواقعيّة و عموميّة شاملة ، على ما يرام . و لهذا فإنّ التفكير باجتراح حلول إنقاذية بات حقا وواجبا و شرطا حيويّا ، و يقابل بالنّسبة إلى الآخرين جميع ضروب "البراغماتيّات" التي تصلُ إلى حدّ تسويغ الكارثة و تجميل القبح و ترويض الضّمائر و حذف الشّعور و تسخيف ما تبقّى من أهمّيّات نوعيّة حالّة و محقّة ، من أجل تسوية كلّ شيء بكلّ شيء .
    ولا تعني السياسة ، في رأينا ، أنّها ترحالٌ دائمٌ في المتغيّرات ، و إنْ كان في ثوابتها شيء من الأمنيّات.
    و على هذا الأساس فقط ، فإنّ ما يبدو لنا في هذا الوضع السّياسيّ الإقليميّ خطِراً ، فإنّه ، أيضاً ، يجب أن لا يستمرئ الكارثة .. ، ليتحوّل إلى قدر مزيّف للمكان.
    عدد الزيارات
    15524990

    Please publish modules in offcanvas position.