د. عبد الله حنا: ما المقصود بأملاك الدّولة؟

د. عبد الله حنا: موقف الحكم في سورية من النقابجاء في الاحصاء الصادر عن المصالح العقارية عام 1945 ان مساحة أراضي أملاك الدولة في القسم من المعمورة بلغت.. 1815100 هكتارا أي 23% من مجموع الأراضي في المنطقة المعمورة. وفي احصاء آخر لوزارة الاقتصاد الوطني ان الأراضي المستثمرة المزروعة في الجمهورية السورية زهاء 3669180 هكتارا نصفها من أراضي أملاك الدولة. ولكن الأرض غير المستثمرة من أملاك الدولة هذه كانت أفقر الأراضي وأقلها أمطارا.
وفي إحصاء صادر عن وزارة الزراعة عام 1949 يتبين أن أراضي أملاك الدولة موزعة على المحافظات وفق النسب التالية: دمشق 3 بالمئة، حلب 22 بالمئة، حمص 29 بالمئة، حماة 44 بالمئة، دير الزور 25 بالمئة، الحسكة 34 بالمئة، اللاذقية 1 بالمئة، السويداء لا يوجد.
كما نشرت الوزارة في العام نفسه قائمة تبين عدد قرى أراضي أملاك الدولة المسجلة موزعة على المحافظات كما في الجدول التالي (3):
اسم المحافظة عدد القرى المساحة بالهكتار
دمشق 12 18856
درعا 15 10902
حمص 164 445216
حماه 188 192842
حلب 600 350000
دير الزور 36 32943
الحسكة 93 126000
اللاذقية 6 8025
المجموع 1114 1285362
واضح من هذا الجدول ان قرى أملاك الدولة المسجلة تركزت في وسط سورية وشمالها وشمالها الشرقي في محافظات حلب وحماه وحمص والحسكة.
ويتضح من احصاء وزارة الاقتصاد الوطني لسنة 1948 أن الدولة ملكت ربع مساحة الأراضي السورية، أما واردات هذه الأراضي فلم تكن تزيد في عام 1948 إلا قليلا عن مليون ليرة سورية.
وفي جلسة 12 شباط 1949 نقل نائب حماة محمد السراج عن احصاء الدوائر الرسمية أن عدد قرى أملاك الدولة 1114 قرية مساحتها 3143123 هكتار المؤجر والمستعمل منها بلغ 72% وغير المؤجر وغير المستعمل 28%.
***
*
ما المقصود بأملاك الدولة في هذا الاحصاء؟...
وزير الاقتصاد يجيب على ذلك في جلسة المجلس النيابي في 7 كانون الثاني 1948. ومن خلال اجابته يتضح أن المقصود بذلك هي الأرض المسجلة باسم الدولة في ذلك الحين. وهذا الرقم لا يشمل الأرض الخالية، التي هي ملك للدولة ويمكن استصلاحها وزراعتها مع تقدم الآلة ووسائل التقنية الحديثة.
***
في أواخر الأربعينات من القرن العشرين كانت أملاك الدولة نوعين:
1 – أرض خالية يفلحها الناس ثم يطلبون تسجيلها نتيجة لذلك، وفق مبدأ من أحيا أرضا فهي له. وقد اتخذت الدولة في السنوات الأولى بعد الاستقلال مبدأ يقضي بأن لا تباع هذه الأراضي الخالية التي يمكن احياؤها إلا بطريق المزايدة.
أما قبل 1945 فإن هذه الأرض كانت تفوض لمن أحياها ببدل المثل سواء استعملت أو لم تستعمل. وحسب شهادة وزير الاقتصاد في 7 كانون الثاني 1948 "فإن متنفذا كان يأتي ويقول بأنه أحيا (استعمل) أرضا مساحتها ظاهرا 2000 دونم بينما هي في الحقيقة 20 – 30 ألف دونم. وهو هنا لا يدفع إلا ثمن ألفي دونم. بينما استولى على مساحة بين 20 – 30 ألف دونم. ومن جهة أخرى اذا كان سعر الدونم يقدر بمبلغ 500 قرشا فيباع له بخمسين قرشا فقط". وهنا يقول وزير الاقتصاد: "اذا بعنا الأرض بالمزاد وأحيينا أراضي الجزيرة. فيمكن زيادة واردات الدولة..." ومن الطبيعي أن وزير اقتصاد الحكم "الاقطاعي – البورجوازي" لم يكن يخطر بباله أمر مساعدة الفلاحين في الحصول على الأرض، بل كان يرى من الطبيعي، و"المنطقي" تملك "أرباب الوجاهة" لتلك الأرض.
2 – أرض ملك للدولة ومسجلة باسمها يفلحها الناس بموجب ايجارات ثم تنتقل حسب القرارات السابقة التي طبقت إلى ايجار مع الموعد بالبيع، ثم تنقلب بالنتيجة إلى بيع لكل من استأجر أرضا مع الوعد بالبيع. وهكذا يصبح من استأجر أرض الدولة مالكا لها بعد دفع الأقساط السنوية التي تفرض عليه عند الاتفاق.
ويقول وزير الاقتصاد عام 1948 ان أملاك الدولة من هذا النوع الممكن فلاحتها أصبحت بمعظمها مبيعة بطريق الايجار مع الوعد بالبيع. واستنادا إلى القرار رقم 275 فإن اجراءات عمليات التصفية واستيفاء الأقساط تشمل مساحات واسعة من أملاك الدولة.
***
أملاك الدولة بنوعيها المسجل وغير المسجل (الارض الخالية) صارت في فترة الحكم البورجوازي – الاقطاعي (1943 – 1958) كما كان الحال في عهد الانتداب (1920 – 1943) نهبا مقسما بين أيدي المتنفذين وكبار الملاك وشيوخ العشائر. وقد جرى غزو هذه الأراضي وتسجيلها بأسماء هؤلاء، مما أدى إلى ازدياد حجم الملكية الكبيرة بسبب سرقة أملاك الدولة.
واستفحلت هذه الظاهرة في المحافظات الشمالية الشرقية وبخاصة في محافظة الحسكة، التي ازدادت مساحة الأراضي الزراعية المستثمرة من (323000) هـ عام 1947 إلى 1683000) هكتارا عام 1958 ذهبت بمعظمها إلى شيوخ العشائر والمتنفذين. وهكذا صار 90% من الأراضي القابلة للزراعة في محافظة الحسكة (الجزيرة) ملكا لأربعين اقطاعيا واردة أسماؤهم في الملحق المتعلق بأسماء المشمولين بالاصلاح الزراعي، في المجلد الثالث من كتاب تاريخ الفلاحين المُباد.
***
وهناك وسيلة استخدمها المتنفذون لتوسيع ملكيتهم عن طريق الاحتيال ورشوة جهاز الدولة.
فمثلا يملك أحد المتنفذين قرية مسجلة في السجلات التركية القديمة (الدفترخانة) معروفة بحدودها آنذاك: هضبة (كذا) من الشمال وتل (كذا) من الجنوب... الخ وعندما تحين الفرصة يلجأ المالك المتنفذ في أجهزة الدولة إلى اقامة دعوى لابدال السند القديم بسند جديد، وعندها يوسع المساحة بأن يطلق اسم الهضبة والتل على هضبة أخرى وتل آخر، يبعدان لمسافات كبيرة عن الهضبة والتل المعنيين بالسند القديم، فتتسع المساحة الجديدة. وقد ساعدت القوانين المطبقة على تكريس هذا الوضع وتدعيم الملكية الكبيرة على حساب أراضي أملاك الدولة.
هذه الأوضاع دفعت مديرية أملاك الدولة في عام 1951 إلى وضع مشروع قانون جديد اشارات في أسبابه الموجبة إلى أن احكام القرار رقم 275 أدخلت في أملاك الدولة الأراضي الخالية والموات والجبال وغيرها وأوجبت تحديد الأملاك بمعرفة لجنة خاصة غير أن اللجنة لم تقم بعملها، الأمر الذي سبب عدم تسجيل الأراضي باسم الدولة ، وبالتالي التجاوز على مساحات شاسعة منها ودخولها في حوزة بعض الأفراد بطريقة التفويض أو ببدل زهيد أو بطريقة وضع اليد والتصرف بها دون رخصة قانونية أو بموجب رخصة احياء لم تنفذ شروطها. كما أنه تم تسجيل أراض واسعة من أملاك الدولة بدون مسوّغ شرعي، ولهذا صاغت المديرية مشروعا تضمن احكاما لحماية أملاك الدولة الخاصة المسجل منها وغير المسجل من التعديات التي وقعت عليها في الماضي والتي تقع في المستقبل.
ودوافع وضع مشروع هذا القانون تعود إلى نص في دستور 1950، الذي "ترك المجال" كما ذكرت جريدة العلم "فسيحا لاسقاط حق التصرف بالأرض حينما تهمل الأرض. ومن هنا نشأت فكرة هذا المبدأ تنفيذا محددا إلى جانب اتخاذ كل التدابير لنسف أية محاولة من الاقطاعيين لتوسيع اقطاعاتهم". وهذا التعليق الذي أوردته جريدة العلم دل على وجود روح جديدة في أواسط البورجوازية الصغيرة المتصاعدة في سلم السلطة لتقليم أظافر كبار الملاك الإقطاعيين.
فقد نص القرار 275 الصادر أيام الانتداب الافرنسي في 5 أيار 1926 على أن الدولة لا تستطيع التدخل بشؤون أملاك الدولة وادارتها الا بعد تحريرها وتسجيلها باسمها. ولذا فإن أملاك الدولة أمست في عهد الانتداب، وفي مرحلة الحكم البورجوازي الاقطاعي 1943 – 1958 عرضة للنهب من قبل أصحاب النفوذ. وعلى الرغم من صدور عدد من المراسيم لحماية أملاك الدولة، الا أنها بقيت حبرا على ورق.
***
وعلى الرغم من ذلك لا يمكننا التقليل من أهمية هذه القوانين المشيرة إلى أن الصراع بين من يحرث ومن يملك المال والنفوذ والعصبية أخذ يتعمق ويشتد.فقد اتخذ توسيع الملكية الكبيرة (الاقطاعية) في فترة الحكم البورجوازي – الاقطاعي 1943 – 1958 شكلا جديدا. وكنا قد رأينا سابقا أن ذوي النفوذ السياسي والاقتصادي والديني والعشائري استثمروا سلطة الدولة في أواخر العهد العثماني وأيام الانتداب الافرنسي لامتلاك الأراضي الواسعة. وقد استمر هذا الأسلوب بعد الاستقلال الوطني عام 1943 وظهر أسلوب جديد قام على أساس تأليف شركات زراعية تقتطع أراضي واسعة ويحرم منها آلاف الفلاحين.
وقد أشار أكرم الحوراني في جلسة 12 شباط 1949 إلى أن استثمار السلطة من ذوي النفوذ لامتلاك الأراضي قد اتخذ في سنوات ما بعد الاستقلال شكلا مخيفا أكثر، مما كان في عهد الانتداب أو عهد العثمانيين.
 
الحلقة القادمة: أملاك الدولة في جلسة المجلس النيابي في 12 شباط 1949
عدد الزيارات
15139393

Please publish modules in offcanvas position.