جدليّة السياسة و الثقافة و (التّنوير).. نقد الممارسات قبل نقد النّظريّات.. 1 من 2

    كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في دمشق:

    1▪︎ من نتائج الفعل الحداثيّ العالميّ ، في "عصر التّنوير" في القرنين الثامن عشر و التّاسع عشر الميلاديين، في الغرب ، أن تجاوز الفعل الحلقة التّقليديّة النّمطيّة من سلسلة العلاقة التي شكّلت عقبة أمام "التّغيير الاجتماعيّ" و "السّياسيّ" المؤسَّس على قاعدة الثّقافة التي واجهت أزمة المشاركة العامّة في صناعة الحدث ..
    و كان بالتّالي على السّياسات الحداثيّة العالميّة التي انطلقت من حدّيّات "عصر التّنوير" ، العقلانيّة ، أن تتوجّه إلى الانعتاق من " رابوص " توزيع " السّياسة " على " الثقافة " في السّابق القريب في العهد الإقطاعيّ الدّينيّ ، حتّى حينه ، و هو ما جعل " السّياسات " نفسها مبنيّة على جذور ثقافيّة مباشرة ، فكانت الدّولة و صِفَتُها التي عرفت بالعدالة الاجتماعيّة بمفهومها المعاصر إلى جانب مفهوم الهويّة و القوميّة و الإنسانيّة.
    و على ذلك فرضَت " الثقافة " نفسها كتجاوز لعقبات ما قبل الحداثة من تناسق في التّطوّر المزدوج للثقافة و السّياسة معاً بشرطيّات لازمة و متبادلة ، لتتقدّم " النّظريّة السياسية النّقديّة " ، التي وصلت ذروتها مع " مدرسة فرانكفورت " النّقديّة في النّصف الأوّل من القرن العشرين الميلاديّ ، كتسوية بين الماركسيّة و العقلانيّة ، في سياق تأصيل الفكرة في إطار الثقافة من أجل إنضاج كلّ قابليّات السّياسة المشتقة من " الثقافات " الأكثر حضوراً و الأكثر قوّة عالميّة من " الطّراز الغربيّ " ، الذي أثبت تفوّق قوّته التّاريخيّة التي أنتجتها – بالتّعاون - تفوّقات أخرى لصيقة كالتّطور العالميّ المذهل ، في حينه ، لرأس المال و مبادئ و تطبيقات " رأس المال " العالميّ - و منها الاحتكار - الذي وجد في " الثّقافة " استثماراً عالياً و ريعيّاً عمليّاً و منتجاً في "السّياسة" ، بحيث استطاع هذا " النّموذج " ( الغربيّ ) أن يتفوّق لاحقاً ، مانعاً ما دونه ما يستطيع و بقدر ما يستطيع حتّى اليوم.
    2▪︎ مشكلة "التّغيير" ، هكذا ، و في الحقيقة التاريخية ، هي علاقة "مبهمة" و "غامضة"، و "واضحة" و "صريحة"، و متراكبة ما بين "الثّقافة" و "السياسة"..
    و في إطار هذا الفهم فإنّ ما نعنيه بالسياسيّ إنما هو جملة دائريّة من عوامل اقتصاديّة و اجتماعيّة و تاريخيّة أو تاريخانيّة، و هي إمّا أن تكون متخلّفة عن "الثّقافة" أو موازية لها أو متقدّمة عليها و متجاوزة لها ، و هي تجرّ أطراف الثقافات التي تقدّمت على جسد الثقافة المنحلّ في جسد المجتمع المعنيّ و المحدَّد على الحصر.
    و سواء قبلنا أم لم نقبل، في بدايات كلّ مساهمة نقديّة تهدف إلى اتفاق ما، فإنّ الواقع يؤكّد غموض علاقة الثّقافة و السّياسة في أذهان السّياسيين، كما يؤكّد تواطؤ الثّقافة و المثقّفين في توجّهاتهم السّياسيّة أو هو – في هذا الإطار – يُفصح عن تقدّم للثّقافيّ على السّياسيّ في عالمنا الحديث و المعاصر، و هذا لا يعني بطبيعة الحال أنّ السّياسة نفسها تابعة مباشرة للثقافيّ بقدر ما نرمي عبره إلى القول إنّ للسّياسة حدوداً أساسيّة هي في جوهرها ثقافيّة، بينما لا تحدّ الثّقافةُ السّياسةَ، و هي في طلب زائد عليها من أجل الارتقاء إلى مستوى الأفكار، في ما تقدّم لها، غالباً، الحلول لتكون سياسة معبّرة عن نفسها في شرطها الثّقافيّ نفسه.
    3▪︎ يعني "الشّرط الثقافي" جملة المقدّمات و الملازمات غير المباشرة و التي تحفّ بالفكر السّياسيّ و مطاليب السّياسة التي تضمر عادة ثقافات مختلفة و متناقضة، متخلّفة، و متقدّمة و شارطة، و ممتزجة، و لكنّها جميعها تباشر تأثيراتها المتغيّرة في عالم مفتوح و متحرّك، و كذلك المباشرة، في تحدّي المفهومات السّياسيّة المعاصرة التي غدت، بحكم الانعتاق، تحديدات ثانويّة بالنّسبة إلى محدِّدات الثّقافة.
    4▪︎ في التّطبيق، نادراً ما نولي الأهمّيّة اللازمة لعلاقة الثّقافيّ بالسّياسيّ. يزداد الأمر في مشكلاته عندما لا يتنازل "السّياسيّ" – كعامل و شرط - و لا يرتقي الثّقافيّ، بوصفه أيضاً كذلك. و في أثناء الظّرف الخاصّ الذي يبدي تحدّياته أمام كلّ من "الثّقافيّ" و "السّياسيّ"، فإنّ حصيلة "التّقدّم" تبدو ضئيلة و متواضعة في ظروف ما إذا كان التّحدّي يشترط علاقة تاريخيّة مستحدَثة و جديدة بين المقدّمات و النّتائج في التّغيير المشروط بالاستيعاب و الاستئناس و الاعتراف و القابليّة، و كذلك المشروط برقابات اجتماعيّة و سياسيّة فرضتها طبيعة ظروف و مناخ الانتقال، بحيث أنّ كلّ تجاهل لها أو قفز فوقها هو وضع غير عمليّ بالنّسبة إلى السّياسات بخاصّة، و هو بالتّاليّ غير ممكن في صدوعه كتحدٍّ آخر مستمرّ في وجه التّجاهل المتعمّد لشروط التّغيير المرافقة، في المبدأ، للتّغيّرات التّاريخيّة التي، و لسبب ما، بدأت و اتّسعت و صارت في قلب الرّقابة الثّقافيّة، كما صارت من جملة ما يعجز أن يطمح إليه "السّياسيّ" في تجاهل الواقع بصفاته و طاقاته و قواه و عوامله التي تناضدت وفق ظروف الثقافة و الاطّلاع.
    5▪︎ في ظروف تاريخيّة موصوفة، نحن إزاء حالة معاصرة نمرّ بها في سورية تثير مثل هذه الأفكار التي و إن لم تُطرح، بعد، أو لم يستطع فكر ما إثارتها، فإنّها ليست، بالمعنى و النّتيجة، غير موجودة؛ و إنّما ربّما على العكس، من جانب ما، فإنّ عدم نضوجها الفكريّ و المعرفيّ، قد يكون نتيجة لخطورة تحدّيها التي لا تجد لها حوامل ناضجة أو شجاعة.
    من الطّبيعيّ أنّ أحد أهمّ أسباب عجز "السّياسيّ" – كعامل – مثلما أنّ أحد أهمّ أسباب عجز "الثّقافيّ" – كذلك – سواءٌ في إحداث التّغيير أو في المساهمة فيه، إنّما هو عدم المبادرة السّياسيّة، أو تكاسل و استهتار و تواطؤ و انحلال القابليّات الثّقافيّة إلى رغبات.
    6▪︎ تفرز المقاطع العمليّة في ظروف التّغيّر الموضوعيّة التي خرقت كلّ ذاتيّ، أفكارها التي تلحّ على "النّظريّات النّقديّة" المعروفة منها و غير المعروفة، و بمضامينها على مرّ ظروف المقطع الاجتماعيّ الواحد أو المقاطع الانضماميّة بالجنس و النوع و المفرزات و المفردات، إلى أن يصل الأمر مع مواجهة الواقع الأكيد، و فيه، إلى ضرورة إعادة فحص الثّقافات و السّياسات، بحيث أنّ ما لم يُفهم من خلال "الثّقافيّ" فإنّ للسّياسات استعراضه من دون تحفّظات.. و أنّ ما لم تُحط به "السّياسة" هو خاضع بالضّرورة – و يجب أن لا تتخلّف السّياسة هنا عن الممارسة – لكي يكون من مسوّغات العمل الثّقافيّ المطلوب و دوافعه و رسم الإسهامات اليوميّة و غيرها في إيصال "السّياسيّ" إلى عتبة اليوميّات التي احتكرتها أو ادّعتها الثّقافة عن حسن نيّة أو عن سوء نيّة و إضمار.
    نشهد في كلّ مرّة يتخلّف فيها "السّياسيّ" المعاصر عن الضّرورة التّاريخيّة.. اندفاع كومة، مفهومة و غير مفهومة، من تعلّلات "الثّقافيّ" بالحقيقة و الحقّ، و هذا في الوقت الذي يعمل فيه "الثّقافيّ" على التّشكيك بمشروعيّة أو شرعيّة "السّياسيّ" سواء كان "الثّقافيّ" قائماً في قلب الحدث و "الحقيقة" أو مدّعياً لها ، لا فرق في هذا المشهد المألوف.
    7▪︎ من مفرزات "الحداثة" ما هو معروف من مفاهيم معاصرة كالإنسانيّة و ما يوازيها من مقاصد و مصطلحات. و من مفرزات "الحداثة" أيضاً، ما هو معروف في "الثّقافة" المعاصرة من رقابة على "السّياسات". و ممّا هو أيضاً معروف في هذه الأثناء، ذلك التشدّد "السّياسيّ" في "المنظومة" و "النّظام" أمام محاولات الابتكار الثّقافيّة التي توطّدت في اليوميّات. و على عكس "ما قبل الحداثة"، فإنّ ظروف العالم الذي جاء محمولاً على أكتاف "الحداثة" قد تغيّرت كثيراً من جانب السياسات، بحيث أنّ "السّياسة" قد فقدت قدرتها على "التّوزيع" الممكن الذي كان سائداً في العصور غير الحداثيّة السّابقة على التّنوير، و تخلّت، مرغمة، للثّقافة نفسها عن هذا الدّور؛ هذا و لو أنّ السّياسات تعمل باستمرار على ممارسة طقوسيّة محاولات إحياء ذكريات التّسلّط و المِلكيّة و الاستئثار ، مشدودة بذلك إلى ذكريات و قوى "التّكوين" التي ابتعدت عميقاً عن جدول النّسيان و الذّاكرة في آن.
    8▪︎ يبدو على سطح الفكرة التي تمثّل دافع هذا الحديث أنّ هنالك "واقعاً" آخر يحجب كلّا من واقع "الثّقافيّ" و "السّياسيّ" عن الاندماج في علاقة آمنة. غير أنّ الأمر ليسَ في هذا الجانب من التّخمين.
    المشكلة التي تعترض علاقة "الثّقافة" و "السّياسة" في إطار المنظومة و النّظام، هي تلك المعبَّر عليها في واحدة من أكثر الأفكار المعاصرة إثارة و عدم تقدير، و أعني بها "مشكلة التّنوير".
    9▪︎ ترتبط "مشكلة التّنوير" و الحداثة في مجتمعنا أو مجتمعاتنا بجملة من الظّروف و الأفكار و المفاهيم التي لا تقدّم عزاءً للعقل في حدود المجتمعات الهلاميّة، و لكنّها و بكلّ تأكيد لا تثير إلّا الإضافات من المشكلات الأخرى شديدة الصّلة بالواقع و التي لا يمكن تجاهلها في مثل الظّروف الضّاغطة التي نعيشها اليوم.
    و بطبيعة الحال يتوازع الواقع المباشر هذه المشكلات بحيث أنّ النّصيب الأكبر منها هو ما يجري تمثّله الصّعب من قبل كلّ من "الثّقافيّ" و "السّياسيّ". و حيث يدعي كلا الطّرفين غيرته على الحداثة و التّنوير، فإنّ تقسيمنا الفكريّ للكتلة الملقاة على رؤوسنا جميعاً من النّظائر المنتظَرة لنتائج مباشرة، تبدو و كأنّها مشدودة إلى طرفيّ صورة ممزّقة يقع في أحد قطبيها "الثّقافيّ" بما هو اجتماعيّ و اقتصاديّ و معيشيّ و أخلاقيّ و غير أخلاقيّ في طرف، بينما يقع "السّياسيّ"، و قد تداخل و اخترق المجتمع بسلبيّاته الممكنة في المنطلق و الغاية و الأداء، في طرفها الآخر.
    المشكلة غير المفهومة هي أنّنا نعالج أطراً حداثيّة للواقع و الإنسان في ظروف محلّيّة مجملها قروسطيّ ، و هي تضيق عليه ، و ظروف عالميّة أوسع منه و قد تجاوزته و هي اليوم في منأى عنه.
    10▪︎ ننظر إلى كلّ من "السّياسيّ" و "الثّقافيّ" في التّجربة النّظريّة النّقديّة، و نكتشف سريعاً مع بعض الخبرة المعرفيّة، أنّ الجدال الحداثويّ في ما بيننا، في أوساط الشّأن العام الأكثر تعبيريّة، ما يزال يتنازعه فصام كبير بين "الثّقافيّ" و "السّياسيّ"، بحيث أنّ الفارق الزّمنيّ للتّجربة، و الذي يفصلنا عن الغرب، يمثُلُ أمام "الثّقافة" بوصفه جهلاً مطبّقاً على الأدوات و الحاملين ، بينما يمثُلُ أمام "السّياسيّ" بما هو فارق ذهبيّ تطوّر فيه "السّياسات" برامجها التّرفيهيّة.. و ألوانها بما يتناسب مع خطاب العالم الإعلاميّ ، و بما يشكّل بالنّسبة إلى "السّياسيّ" عاملاً من عوامل الإنكار. إنكار الضّرورة و احتقار الزّمان. لا يجري في ما يجب أن يجري ما نعتقده من إعادة نظر في "السّياسيّ" لكي يكون مسؤولاً بالضّرورة عن "الثّقافيّ"، طالما أنّ الثّقافيّ مضطرٌ إلى "التّسليم" الصّعب، بذلك، للسّياسيّ، كما أنّه لا يجري بالنّسبة إلى الثّقافيّ ما هو من متطلّبات فاعليّته بواسطة تقدير، و التّفاعل في، جدليّة الثّقافيّ و السّياسيّ.
    ● غدا : الحلقة الثانية والأخيرة " 2 من 2 "
    عدد الزيارات
    15156148

    Please publish modules in offcanvas position.