د. عبد الله حنا: أبو الدستور مدحت باشا

مدحت باشا وإصلاحاته في العراق (3-4) – صلاح عبد الرزاق | AZZAMAN الزمانيعتبر مدحت باشا من أشهر الإصلاحيين العثمانيين الذين تبنوا فكرة الإصلاح على الطريقة الأوروبية ولقب بـ "أبي الدستور" و"أبي الاحرار"، وكانت له اليد الطولى في إعلان القانون الأساسي وظهور البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) عام 1876م.
ومدحت باشا (1822 – 1883) هو أحد الذين يسميهم أحمد أمين بـ"زعماء الاصلاح في العصر الحديث الذي جاء إلى الدولة العثمانية وحاول اصلاحها والدنيا مدبرة عن هذه الدولة, فالمملكة تنقص من أطرافها، ويدب الفساد في داخلها".
كان والد مدحت باشا الحاج حافظ معروفا بالاستقامة والنزاهة والميل إلى التجديد, فسماه أحمد شفيق. وكان له أستاذا لقّنه القرآن وعلمه مبادئ الانشاء وأدخله إلى الديوان الهمايوني فتعلم الخط الديواني الخاص بهذا القلم. وكانت العادة جارية بتسمية من يتخرج من هذا الديوان باسم جديد، فأطلق على أحمد شفيق اسم مدحت الذي عرف به. ومع ملازمة مدحت لأقلام الحكومة اهتمّ بزيادة معارفه فتردد على جامع الفاتح ليدرس في حلقاته. وقد تعلم هناك اللغة العربية، كما أتقن لغة الفرس وقرأ أدبهم وتاريخهم. ومن أساتذته المشهورين شيخ الاسلام عارف بك، وهو عالم مستنير من نخبة علماء الدولة في ذلك العهد، و من الزعماء المصلحين الداعين إلى المبادئ الدستورية الحرة. وكان يقول من أعلى المنابر إن هذه المبادئ ليست مخالفة للديانة الحنيفة او مضرة كما يزعم أنصار الاستبداد.
توظف مدحت في بداية عمره في قلم ديوان في الباب العالي، وبدافع من تشجيع رشيد باشا صاحب فكرة حركة التجديد في الدراسة على النمط الأوربي تعلّم مدحت اللغة الفرنسية فحذقها.
عام 1860عُيّن واليا على نيش فأظهر كفاية فيها، ثم عيّن واليا على الطوفة عام 1864م لمدة ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى إسطنبول ليشغل منصب رئيس شورى الدولة لمدة عام واحد، نُقل بعدها سنة 1870 واليا على بغداد. و يبادر هناك إلى توطيد دعائم الأمن وإخضاع القبائل العابثة بالأمن باللين او بالضرب ويصلح الطرق وينشئ مكتبا للصنائع ويصلح إدارة الحكومة وينظم المحاكم، ويشترط ألا يكون أحد من الموظفين من صنائع الوجهاء. وقد عاقب الحكام الظالمين وفتح أبوابه للمتظلمين.
وبعد ان علا شأن مدحت باشا في الاصلاح عيّنه السلطان عبد العزيز صدرا أعظم عام 1872 مكان خصمه المعادي للاصلاح محمود نديم. قصة العلاقة بين السلطان عبد العزيز ومدحت باشا نقرؤها في كتاب قدري قلعجي على النحو التالي:
عاش السلطان عبد العزيز في "القفص الذهبي" عشرين سنة كاملة قبل أن يجلس على العرش. فقد كان السلاطين، كما رأينا، في خوف دائم من أولياء العهد، فكانوا يضعونهم في أقفاص ذهبية يتمتعون فيها بما يشاؤون من متارف وملذات ولا يغادرونها إلا إلى العرش أو القبر, ولا يعاشرون فيها إلا الجواري والخصيان والدراويش. فلما تسلم عبد العزيز إدارة الملك سنة 1861 بعد وفاة أخيه عبد المجيد، كانت له هذه العقلية الفريدة: عقلية رجل قضى في القفص شطرا كبيرا من حياته، ثمّ غادره ليصبح فجأة حاكم أعظم امبراطورية في عهده, فإذا به يثأر لنفسه فيجعل من هذه الامبراطورية المترامية الأطراف سجنا كبيرا لملايين السكان, ولكنه سجن من حديد لا سجن من ذهب, وليس فيه إلا البؤس والشقاء. ولم تنقض سنوات على صعوده العرش حتى بنى على شقاء تلك الامبراطورية أفخم قصر عرفته القسطنطينية، مدينة القصور الباذخة. أورث عبد المجيد الدولة خمسة وعشرين مليون ليرة انكليزية من الديون فرفع عبد العزيز هذه الديون بإسرافه إلى مائتين وخمسين مليون ليرة عدا ما جمعه من عرق الكادحين... النقمة تتعاظم... تزعم مدحت باشا الحركة الثورية... أراد عبد العزيز ان يطفئ الشرر المتطاير قبل أن يتحول إلى نار فعزل محمود نديم وعهد بالصدارة إلى مدحت باشا كما رأينا...
ولكن الخلاف سرعان ما دبّ بين السلطان عبد العزيز والصدر الأعظم مدحت باشا. وفي خضم الخلاف ما بين السلطان عبد العزيز ومدحت باشا بادر الأخير للاتصال بولي العهد الأمير مراد بن عبد المجيد. وكان هذا الأمير ليّن العريكة مطبوعا على المسايرة، و يعيش في قصر جراغان محروما من المطالعة والدراسة، ولكنه أحيط وهو شاب بجيش من الجواري الفاتنات. فكان يقضي أوقاته في ذهول متنقلا بين موائد الخمر ومخادع الجواري الحسان. أثرت في مراد المفاجأة التي نقلته من القفص إلى العرش وظهرت عليه عوارض مرض عصبي كانت حياته المتهتكة قد أعدته له، فلما بلغه خبر انتحار عمه اشتد عليه المرض وبدت عليه إمارات الجنون... كان مدحت يتصل سراً بعبد الحميد مذ بدا مرض السلطان لمعرفة شروطه لاعتلاء العرش مكان أخيه، فاستقبله عبد الحميد بوجه باش لا مثيل له في النفاق والتلون وخُدِع مدحت... فقد اشترط مدحت باشا على عبد الحميد ثلاثة شروط: إعلان القانون الأساسي.. استشارة الوزراء في أمور الدولة.. تعيين ضياء بك وكمال بك كاتبين خصوصيين للمابين (ديوان القصر السلطاني) وسعد الله بك باشكاتبا لأنهم من الأحرار الحريصين على اجراء احكام القانون الاساسي..
ولكن السلطان عبد الحميد سرعان ما عزل مدحت باشا، وجمّد الدستور وأغلق أبواب مجلس المبعوثان وشرّد مدحت باشا ثم أجرى له محاكمة بتهمة الضلوع في اغتيال عمه السلطان عبد العزيز وحكم عليه بالإعدام، إلا إن الحكم خفف إلى المؤبد و نفي إلى الطائف حيث مات فيها مخنوقا في ظروف غامضة عام 1884.
***
لعل أفضل تقويم لأبي الدستور مدحت باشا هو تقريره عام 1879 حول أحوال سورية عندما كان واليا عليها. جاء في هذا التقرير، الذي يلخص وجها أساسيا من وجوه الدولة العثمانية، ما يلي:
"...فالأوامر التي ترسل من الأستانة قاصرة على طلب المال والجند. وهذه الحالة تفتح للأجنبي باب الاستعمار وخصوصاً بعد أن اشتغل موظفوا الولاية بمصالحهم الشخصية وتركوا المصلحة العمومية، فأخلوا بواجباتهم وفسدت أخلاق الأهلين بسبب أعمالهم وكثر القتل والنهب واختل الأمن العام.. ويوجد في سجن طرابلس "الشام" قوم قد سجنتهم الحكومة إحدى عشر سنة بلا حكم قانوني وقد أخلينا سبيلهم. وأن ضريبة الاعشار قد خرّبت بيوت الأهالي...".
***
ستتناول في الحلقات القادمة الدولة العثمانية في مراحلها الاخيرة وصولا الى السلطان عبد الحميد وثورة الاتحاد والترقي 1908 وإزاحة الاستبداد السلطاني ليحلّ استبداد آخر.. ثم مجئ اتاتورك والآن يتربعّ على عرش العثمانية الجديدة الحالم بالخلافة أردوغان... وهكذا يمكننا فهم الأوضاع التركية المؤثرة في العالم العر بي سلباً و إيجاباً.
الحلقة القادمة: مدحت باشا بين خصومه ومؤيديه
عدد الزيارات
15189043

Please publish modules in offcanvas position.