خرافة المُثقّفين.. و ”نظامُ” تَهالُك دوافع الفكر- ح1

كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في دمشق:

(الحلقة الأولى)
1▪︎ في كلّ دور تاريخيّ تعاود قضيّة الثّقافة و المثقّفين مشروعيّتها النّموذجيّة من بين سائر مختلف المشروعيّات التّاريخيّة السّياسيّة لارتباطها العضوي، الحيويّ، بالنّهضة الاجتماعيّة في المفاصل الكبرى لحركة التّاريخ العامّ أو ذلك المرتبط بظروف محدّدة تمرّ فيها الأمّة كاستثناء على المشروع التّاريخيّ العام، الذي يفصل بين اتّصال حركة المنظومة الكلّيّة لمجتمع أو شعب في غضون أحداث كبيرة مفارقة، تؤسّس للانعطافات السّياسيّة المفصليّة في الحقب النّوعيّة التي تكثّف من طبيعة و طرق الانتقال الحضاريّ للدّولة و المجتمع من واقع محدّد، إلى أفق جديد لواقع مختلف يؤسّس لانتقالة شاملة على مستوى المنظومة الاجتماعيّة - السّياسيّة في حياة التّجمّعات الكبرى، بأسمائها المختلفة، التي تدخل في تشكيلة الأوطان و مستقبل الأفراد و الشّعوب.
2▪︎ الظّاهرة الثّقافيّة عبارة عن بقعة الوعي التي تُفشيها ”الموضوعيّة” في جسم الوطن، و هي لهذا، و بسببه، تكتسب أهمّيّتها و خطورتها الاجتماعّية و السّياسيّة عندما تعي ذاتها في دورها ”المنظّم”، فتخلق بذلك إطاراً عامّا للوعي الاجتماعيّ، كما تتقدّم بذاتها باستمرار في السّياسات العامّة، فلا تترك مكاناً، بحكم طبيعتها - تلقائيّاً - و بحكم ممارساتها الموجّهة و المنظّمة؛ و من هنا اكتسبت ”الثّقافة” و اكتسب ”المثقّف” دوره الطّليعيّ، سلباً و إيجاباً، على مرّ التّاريخ المعروف، مع أنّ مصطلح ”المثقّف” هو مصطلح أو ”مفهوم” محدّد حديث النّشوء، حيث يُرجعه التّقليد السّياسيّ و الفكريّ إلى أواخر القرن التّاسع عشر في (أوربّا)، و على التّحديد في (فرنسا)، بمناسبة قضيّة (دريفوس) الشّهيرة (١٨٩٤- ١٩٠٦م)، حيث اشترك فيها للدّفاع عن (دريفوس) أسماء كبيرة في تاريخ السّياسة و الفكر و الأدب، من مثل (إميل زولا) و (مارسيل بروست) و (أناتول فرانس) و (ليون بلوم).. إلخ؛ الذين وقّعوا على “عريضة” عرفت لأوّل مرّة، لفظاً، بِ”بيان المثقّفين”، تأييداً لإعادة محاكمة الفرنسّي - اليهوديّ، (ألفريد دريفوس) (١٨٥٩- ١٩٣٥م)، الضّابط في الجيش الفرنسيّ، بعد أن اتّهم بالخيانة العظمى و التّجسّس لمصلحة (ألمانيا)..
إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ مشكلة ”الثّقافة” و ”المثقّفين” غير معروفة قبل هذا التّاريخ، إذ بإمكاننا أن نَعُدَّ (سقراط) العظيم أوّل شهيد من شهداء ”الثّقافة” و الفكر و السّياسة، في التّاريخ الاعتباريّ للثّقافة و الفكر و المعرفة.
3▪︎ اتّخذت صفة ”المثقّف” في مرحلة ”الحداثة” العالميّة، حالة المهنة الاجتماعّية التي تمايزت باستقلالها العمليّ عن باقي النّشاطات الاجتماعّية والاختصاصات العلمّية، هذا مع أنّ هذه الصّفة ليست وليدة ”الحداثة” إذا أخذنا بالاعتبار واقع التّقسيم الاجتماعيّ التّاريخيّ للعمل منذ فجر التّاريخ، عندما اختصّت بالثّقافة طبقة الّلاهوت التي استقّلت مبكراً عن مزاولة العمل العضليّ المنتج للقيمة الزّائدة في اقتصادات التّاريخ و التّبادل السّلعيّ المباشر في إطار السّوق، لتعتاش على الهبات ”المقدّسة” المزعومة.
و في التّالي من التّاريخ توضّحت فروقات خاصّة بين الطّبقة الثّقافيّة و مثيلاتها من أصحاب العمل الذّهنيّ، عندما استقرّ اختراع جديد لانفصال المثقّفين عن المتعلّمين، بحيث اتّجهت فئة المتعلّمين إلى التّخصّص ”التّكنوقراطيّ”، فيما انصرفت فئة المثقّفين إلى التّعضّي الصّريح بالنّشاطات الرّاديكاليّة في إطار الوعي المجتمعيّ، الذي أظهر تمايزات متزايدة منذ ”المجتمع الحديث” الذي نميل إلى تحديد بداياته مع الثّورة الصّناعيّة في (أوربّا - و بريطانيا على الخصوص)، منذ القرن الثّامن عشر، هذه ”الثّورة” التي أسهمت مباشرة في تكريس و إظهار تقسيم العمل ما بين العمل العضليّ و العمل الذّهنيّ، ما أتاح هامشاً واسعاً للسّاسة و السّياسيين و المثقّفين؛ و هو ما ساعد بإسهام فعّال في التّعجيل بثورات الحداثة و الفكر الحداثيّ (في بريطانيا الصّناعيّة، و صعود ”الطّبقة الثّالثة” - البورجوازيّة)، ثم في (فرنسا) بخاصّة (ثورة ١٧٨٩م)، ثمّ في انتشار تقاليد الثّقافة و الحداثة على مستوى العالَم.
4▪︎ يمكن أن نضيف إلى هذه التّخطيطة المجرّدة السّريعة و المختزلة، فكرة تباين ”الثّقافة” الرّاديكاليّة بين دول ”المركز” و دول ”الأطراف” في النّظام ”الكولونياليّ” العالميّ، بحيث تحدّد دور المثقّف في دول و مجتمعات ”الأطراف” بتقليد دور ”الثّقافة” و ”المثقّف” في دول ”المركز الكولونياليّ”، بحيث مثّل ”مثقّفنا” (في دول الأطراف في النّظام الاستعماريّ الكولونياليّ) تلك النّسخة المقلَّدة و المشوّهة عن ”الأصل” الغربيّ - الأوربّيّ، و ذلك مع اعتبار ”الأصالة” التّاريخيّة التي أنتجت ثقافة الحداثة في ”الغرب”، و التّصدير الممسوخ و التّآمريّ على الشّعوب و الدّول الضّعيفة لتلك الثّقافة في نموذج مطبوع و غريب عن واقع مجتمعاتنا، التي لم و لا تمتلك تلك البنى الحضارّية و المؤسّساتيّة و الاقتصادّية و الاجتماعّية و السّياسيّة ، التي توفّرت للغرب في إفراز ”الثّقافة” المناسبة و المطابقة لبناها التّحتيّة المتمثّلة في حقول العمل و النّشاط و السّلوك، و الحاجات التّاريخيّة، التي تفرض فيها البنى التّحتيّة المادّيّة و الاجتماعيّة الثّقافة كبنية فوقيّة مناسبة و مكافئة.
5▪︎ من المفترض أنّ الوقائع و الظّواهر الاجتماعيّة و السّياسيّة الصّغيرة منها و الكبيرة أن تحدّد موقع المثقّفين في مجتمعاتهم و في العالَم، و هذا ما يطرح مسألة طليعيّة المثقّف و خروجه على النّسق العقليّ السّائد في المعطى اليومي للفكر؛ و عند هذه الحدود يتحدّد الموقع الكونيّ للمثقّف، بوصفه متفوّقاً على ذاته و على التّقاليد التي تعرقل التّفكير الحرّ غير المقيّد بأيّ انتماء محدود له، ليستطيع تسويغ نوعه من حيث هو ينتمي إلى طبقة أو فئة، أحرزت تفوّقها السّيكولوجيّ في القابليّات الحضاريّة التي تسمح للثّقافة أن تكون قائدة لمعالم التّفكير الاجتماعيّ و السّياسيّ، عندما يدخل المجتمع بدوافعه و غرائزه في وضعيّة التّشابه الظّاهريّ للرّواية التّاريخيّة في سياقها العُنفيّ الذي يُغري الكثيرين بالارتداد إلى مستوى ما قبل الطّبيعة التّلقائيّة في الوعي الضّامر، بعدُ، و الفعل و السّلوك.
6▪︎ إنّ من الطّبيعة الأساسيّة للمثقّف أن يتموضع في الأمكنة الحدودّية التي لا يستطيعها الآخرون في المجتمع، و هي الأمكنة ذاتها التي يحتاج إليها هؤلاء ليشّكلوا ”المُتّحدَ” البشريّ، خروجاً من الحالات المجتمعّية الانفصالّية التي تشجّع عليها ظروف سياسيّة و تاريخيّة تتجاوز مغزاها نحو إغراق الجميع في وهم الانتماءات المتباينة الكفيلة بصناعة الاقتتال المسّلح عند توفر ظروف ذلك؛ على عكس ما قد أبداه المثقّف السّوريّ، في غالبيّته، عندما سمح لنفسه بالانجرار وراء المواقف البدائيّة المجتمعيّة في انتماءات مُعلّبة و جاهزة جاهزيّة التّخلّف السّياسيّ التّاريخيّ، الذي تُبديه المجتمعات في ظروف أفولها الحضاريّ المبنيّ على ركود زمنيّ متكلّس و متحجّر في مفاصل حركته و دوافع التّقدّم.
أثبتت الحرب السّوريّة عقم معظم الطّبقة الثّقافيّة السّوريّة في جملة من الممارسات التي لم تعد خفيّة و لا خافية على أحد؛ و لكنّه، هنا، أيضاً، جرى انزياح اجتماعيّ سياسيّ تاريخيّ للمثقّف، كانت نتيجته خلخلة و تنافر ما بين البنى الهيكليّة المتلازمة للظّاهرة الواحدة - الظّاهرة الثّقافيّة - فيما انقلبت المفاهيم السّياسيّة بجملتها تلك التي شكّلت تقاليد الثّقافة منذ عهد الحداثة العالميّة و حتّى اليوم.
7▪︎ و لئن شكّلت ”الحساسيّة” السّياسيّة (الذّائقة السّياسيّة) في القرن الماضي، العشرين، نمطاً من ”التّقاليد الثّوريّة” إلى وقت متأخّر من هذا العصر، و التي أخذت بالانقراض منذ النّهايات المبكّرة للقرن العشرين، و المتعلّقة بتهمة ”المثقّف” بتخادمه مع ”السّلطة السّياسيّة”، و خضوع ”المثقّف” للسّلطة و انتهازيّته في علاقته بالّدولة كطبقة سياسيّة منفصلة عن المجتمع؛ فإنّ ما شهدته الحرب السّوريّة من انقلابات نوعّية جذريّة لمواقف غالبيّة المثقّفين، قد جعل علوم السّياسة و الاجتماع تدور دورة عكسّية تامّة، في اتّجاه معاكس بالضّبط، لتنظر إلى ما قد خلّفته خلفها من نقص منهجيّ و عجز علميّ، نظريّ و تطبيقيّ، و تسرّعٍ تاريخيّ بالأحكام النّاجمة عن ”استقراءات” فاشلة و استنتاجات مزيّفة، و لتعيد النّظر بالكثير من قوانينها الرّاديكاليّة التي تصوّرتها، في لحظة تاريخيّة مبادئ ثوريّة لا يفتّ من صحتها أيّة مراجعة لأيّ حكم أو برهان.
8▪︎ هكذا ارتهن ”المثقّف” السّوريّ، المُتَوَّج.. لأحطّ و أخس و أسقط السّلطات الاجتماعيّة التّاريخيّة السّياسيّة تخلّفاً و عصبيّة و قبَليّة و رجعيّة، و تحالف مع أكثر أقوى القوى السّلطويّة العالميّة عنصريّة في الثّقافة و احتقاراً للشّعوب و اضطهاداً للإنسانّية و ساديّة و تجبّراً؛ فكان أن قدّم نموذجاً بشريّاً ضالعاً في الجهل و الخيانة و الحقد و الانعزالّية الاجتماعّية, فيما كان عليه أن يقف إلى جانب اتّجاه حركة التّاريخ في نزوع الشّعب العربيّ السّوريّ إلى التّحرّر من الهيمنة الكولونياليّة الغربيّة، و السّلطات الاجتماعّية السّياسيّة الرّجعيّة المحلّيّة و العربيّة و الإقليميّة، و السّطوة الأميركّية على القرار الوطنيّ المستقلّ.
لقد انقلب ”المثقّف” على نفسه و على طبقته و على مجتمعه و على وطنه، حتّى عاد مهزلة تاريخيّة من مهازل السّياسات العالميّة في عالم يُتيحُ، و يجب أن يُتيحَ، موقعاً للمثقّفين يمكّنهم من أن يكونوا قادة اجتماعيين و سياسيين كما هو الأمر حاصل، و حصل، مع المثّقف العالميّ الذي كان له السّبق الفلسفيّ في المنافحة عن قضايا الشّعوب العادلة؛
و تحضر، هنا، أسماءٌ ثقافيّة و فلسفيّة و سياسيّة، في وقت معاً، من أمثال (جورج لوكاش) و (أنطونيو غرامشي) و (ألبير كامو) و (جان بول سارتر) و (تشي جيفارا) و (فيديل كاسترو).. و غيرهم من هذا ”النّموذج” كثيرون.
9▪︎ في هذا الفراغ الذي خلّفه وراءَهُ ”المثقّف” - و مثالنا في المثقّف السّوريّ - كان لا بدّ، و بحكم طبيعة القانون الفيزيائيّ - السّياسيّ، أن يطفو على سطح ”الحدث” السّوريّ الجَلَلِ نمط هزيل من ”المثقّف” الوطنيّ غير المؤهّل لقيادة الطّليعة الاجتماعيّة - السّياسيّة نحو الأهداف الوطنيّة الكبرى، في تحدّياتها المرحليّة و أدوارها التّاريخيّة الوجوديّة، فإذا به يشكّل عبئاً على هذه الّلحظة التّاريخيّة الحاسمة، في ممارسات انتهازيّة و مختلطة التّضمين من الحماسة و العجز و الانخراط في قضّية الدّولة و المجتمع و الحرب، وفق اجتهادات إعلامّية و أيديولوجيّة في خطاب ذي صفات بعضها منقرض و بعضها الآخر اجتهاديّ فرديّ و فاشل، لم يؤدِّ دوره الرّياديّ في التّوسّع في طبيعة الحرب و تاريخانيّتها و تأويلها تأويلاً فكريّاً جريئاً، كانت الّلحظة الانعطافّية في أشدّ الحاجة إليه كمقدّمة لتعرية الكابح التّاريخيّ و الجمود الحضاريّ و التّردّد السّياسيّ و الخجل الرّسميّ و الخوف من الاقتراب من روح التّاريخ السّوريّ المتعفّن في محرّماته القبليّة الثّقيلة، و هو ما أثبتت الأحداث السّياسيّة التّالية صواب هذه الفكرة، عندما استعادت الكثير من السّلطات الاجتماعّية و العرفيّة و التّقاليديّة تنظيم مواقعها من جديد على خلفيّة معاصرتها الّلحظيّة العميقة لمفرزات ”الحدث”، فيما تخلّفت ”الثّقافة” و ”المثقّفون” عن مواكبة ”الحدث” في استعادتهم لمراوحة كلاسيكّية في محدوديّة الشّعار الأيديولوجيّ، الذي أبدى معه الزّمن مكوثاً مؤسفاً في ثقافة السّتينات و السّبعينات من القرن العشرين، عندما كان يُبرّرها، آنذاك، نقص الموارد الثّقافيّة و السّياسيّة و العالميّة و المعلوماتيّة، و دوران الفكر في انغلاق ثقافة عصر ”الحرب الباردة”.
10▪︎ ثمّة ما يُثير الرّيبة الفكريّة مع تدنّي مستوى ثقافة الخطاب السّياسيّ غير القادر على الارتفاع و الارتقاء إلى مستوى الحدث التّاريخيّ السّوريّ، كما أثبتت السّنوات الطّويلة الماضية و التي أرّخت للحرب السّوريّة على مستواها المتواضع، حتّى الآن. لم يشهد الفكر السّياسيّ السّوريّ أيّ تحوّل مفهوميّ في المصطلح و المفهوم الّلذين يرتقيان إلى مستوى هذا الحدث التّاريخيّ المؤسّس أو الذي كان يُفترض به أن يكون، كذلك، مؤسّساً. لقد شكّلت الكثير من مفردات و تفاصيل ”الحدث”، إن لم تكن قد شكّلت جميعها، سابقة تاريخيّة على مستوى الثّقافة المحلّيّة و الإقليميّة و العالميّة، و تالياً على مستوى الثّقافة السّياسيّة و السّياسة نفسها، بينما تعثّر تناول الحدث نفسه بطاقم من المفاهيم و المصطلحات التي أجهضت، في قسم كبير منها، دلالات الحدث بالذّات، و جعلت منه - أو تكاد - حدثاً طبيعيّاً و عابراً و مألوفاً، و ربّما معتاداً و مجرّباً أيضاً.
● غدا: الحلقة الثانية والأخيرة
عدد الزيارات
14375596

Please publish modules in offcanvas position.