أوراق تاريخيّة "اجتماعيّة" و سياسيّة علنيّة و مُتجَاهَلَة.. لمشروع "حرب" طويلة- ح 5

         
كتب الدكتور بهجت سليمان:أ بهجت سليمان في مكتبه
 
     [أوراق تاريخيّة، "اجتماعيّة" و سياسيّة، علنيّة و مُتجَاهَلَة.. لمشروع "حرب" طويلة]
 
                             (الحلقة الخامسة، و الأخيرة)                     
 
41▪︎ بسبب كلّ ما رأيناه في "الحلقات" السّابقة، من جاهزيّة داخليّة، ثقافيّة و اجتماعيّة، عالية، عجزت معها القوى الإمبرياليّة العالميّة عن إخضاع "القرار" السّوريّ المعاصر، في الاستهداف؛ و في سياق ما تبقّى من تنفيذ مباشر لمضمون "النّظام العالميّ الجديد" (بالمفهوم الأميركيّ – "الإسرائيليّ") و بالعنف المباشر في تصوّرات جديدة لأجيال الحروب المعاصرة، يتحقّق بإنهاك الدّول من "الدّاخل"؛ و لإقصاء سورية من ساحة العداء و التّهديد المباشر للكيان الصّهيونيّ، بعد أن كان قد جرى تحييد "المنطقة" و عزل ("إسرائيل") عن المخاطر التّاريخيّة التي تتهدّدها تهديداً موضوعيّاً من قبل أطراف "احتماليّة"، أو غير ذلك، بواسطة جملة من الإخضاعات العسكريّة و الجغرافيّة للمنطقة عُرفتْ باتّفاقيّات "كامب ديفيد" و "وادي عربة" و "أوسلو" و إسقاط العراق..
 
42▪︎ و بسبب "موسوعة" واسعة من الدّراسات و التّحقيقات السّرّيّة الخاصّة للمخابرات الغربيّة و الرّجعيّة في "المنطقة" و نتائجها الفعالة؛ و بسبب معرفة أميركيّة و "إسرائيليّة" عميقة بالقابليّات الاجتماعيّة و السّياسيّة في ثنايا الأيديولوجيا التّاريخيّة لما يُدعى "المجتمع السّوريّ"؛ و بسبب تفاصيل أخرى و تجارب ثقافيّة و أيديولوجيّة إمبرياليّة مباشرة في عمق "الثّقافة السّوريّة" كانت قد أجرتها القوى الإمبرياليّة المختلفة على نسيج هذا "المجتمع" في العقود الفائتة.. و بسبب طائفة واسعة من الضّرورات المُلحّة.. كانت "الحرب". 
 
43▪︎ شكّلت، هكذا، "الحرب على سورية، تلاقياً منسجماً للمشاريع التّفتيتيّة الدّاخليّة مع المشروع الأميركيّ – الصّهيونيّ، فدخل المجتمع السّوريّ و الدّولة السّوريّة، كلاهما، في مواجهة خطر بدأ و دام و مخططا له ليكونَ، بالنّسبة إلى سورية، خطر القرن الواحد و العشرين الدّائم و الطّويل.
     عندما بدأت "الحرب"، وحدهم الذين بدأوها كانوا يعلمون أنّها حرب طويلة؛ غير أنّها لم تشكّل بالنّسبة إليهم أيّ فارق جوهريّ أو مأخوذ بالاعتبار طالما أنّها الحرب بواسطة الآخرين و بواسطة "المكان" نفسه و تضحيّة بالجميع في "المكان"، إذ لم يتهيّبوا التّضحيّة بأدوات بشريّة من الشّرق و الغرب، أو بأموال الرّجعيّات العربيّة، و كذلك بمن سوف يلفّه الفناء من أصحاب "المكان". حرب غريبة عليهم، و هم في كلّ الأحوال، مع طليعتهم المتقدّمة في الكيان الصّهيونيّ، رابحون؛ هذا في بيئة عرفوها و خبروها، سلفاً، على أنّها البيئة المُناسبة لهذا الحريق. 
 
44▪︎ يمكن للملاحظ الواقعيّ الإقرار ببساطة بعودة كثيرين من السّوريين إلى تموضعات تاريخيّة قَبَليّة و عناصريّة، ثقافيّة و سياسيّة مباشرة، هي ما دون مستوى "الحداثة" التّاريخيّة المعروفة منذ مئات السّنين، ناهيك عن الانكفاء من ساحة "المعاصرة" العالميّة، اجتماعيّاً و ثقافيّاً و اقتصاديّاً.. 
     و وَحدَها بقيتْ "السّياسة" الرّسميّة، السّياسة العامّة للدّولة، في السّاحة السّوريّة تقاوم هذا الانحسار و التّفكّك و الدّمار. 
     و لكن عادتْ الكثير من عناصر الدّولة، بما فيها الفرد و المجتمع و الجماعات و الفئات و "الطّبقات" إلى ما دون مرحلة "الهويّة" الجامعة، و إلى ما دون مفهوم "المدنيّة". حتى بات من الصعوبة بمكان، البحث في تحليل عناصر "المواطنة"..
     وكم نخدع أنفسنا ونعيش في الأوهام، عندما لا نرى ذلك.
 
45▪︎ صار كلّ تقوّل على ذلك ضرباً من "البلاهة" المزيّنة بشهادات و محفوظات سمجة و دعيّة. ارتدّت صلابات "المكان" إلى ما ينوف على قرن من الزّمان؛ بفارق أنّ الواقع الحاضر هو واقع قلق و خائف و متردّد و مغامر و مقامر.. و منسوف الرّوابط و الثِّقات و العلاقات و الممكنات.
     حتّى "الدّولة" نفسها، دخلت في طور التّحرّي الجديد عن الإرادات السّياسيّة و التّاريخيّة أمام خلخلة البنى و تخلخل المفردات. فكيف لنا، إذاً، أن ندعو التّاريخ إلى "محاسبةِ" و فَتْشِ و "مُفاتشةِ".. عناصر المجتمع و الدّولة و المواطنة و الهويّة، و التّلويح أمامهم بمحفوظاتنا و نحن متربّعون على نفايات الثّراء؟
     و من هي هذه المراكز البحثيّة و معاهد الدّراسات التي تزعم على التّجرّؤِ على أن تتخطّى حدود واقع الحرب إلى هذا و ذاك؟!
 
46▪︎ توطّدتْ "الحرب" و توطّنتْ. صار لها "مثالها" الاجتماعيّ المُحاكى و الصّريح. و إذا كنّا "نناضل" في ما قبل هذه الحرب من أجل التّقدّم و التّطوّر، فنحن مدعوّون اليوم للنّضال من أجل البقاء و الحفاظ على الهويّة السّياسيّة للدّولة نفسها، بالدرجة الأولى؛ هذه التي ينبغي ألّا تُمسُّ بعد كلّ هذه الخسارات و التّضحيات.
     عادت مع الحرب، بثورتها المُضادّة، مشاريع الاستقطاب التي كنا قد ظنّنا بأنّها انقرضتْ، و عادت معها الانقسامات الجوانيّة و الولاءات و التّفتيتيّات و العُنصريّات المختلفة من كلّ نوع و من كلّ جنس. 
 
47▪︎ حوصرت الدّولة في سورية، بوصفها "النّظام السّياسيّ" الحيّ.. داخلياً و إقليميّاً و دوليّاً، و كان لذلك آثار و نتائج غير خافية على أحد. اتّسع نطاق "الجريمة" بكلّ نعوتها و أنواعها المدمِّرة. أُضعفَ الجميعُ و تقدّمت إلى الواجهة أنماط عيش و أنماط "اجتماع" و أنماط تموّل و ثراء و أنماط ثروة.. و أنماط فساد و إفساد جاوزت الحدود.. و معها ظهرت على البشر.. أنماط جوع و فقر غير مسبوقة في سورية منذ قرن. 
     صار للحرب أخلاق ماليّة ريعيّة خاصّة بها و جديدة و "جاذبة!!".. هي خليط من السّرقة المباشرة و احتكار أقوات النّاس و المضارَبَات الموجعة التي لم تعرفها سورية من قبل، في محيط عالميّ يدخل "العولمة" القاهرة بثبات.
     و بقيت "الدّولة" تقاوم محاولات التهامها من قبل أصحاب "المشاريع" الشّخصيّة و الخاصّة، و هي عديدة وناشطة. 
 
48▪︎ تُحطّم الحروب المعاصرة، بواسطة حجم الكمّيّات و الكيفيّات المسخّرة لتنفيذها، جميع الأفكار المُجرّبة و تطلب تجريبيّات جديدة، في الوقت نفسه. و في هذا تفلس كلّ النّظريّات التّقليديّة في الفكر و السّياسيّة و الاقتصاد. 
     نحن في الحرب أمام أقصى ما يُمكن أن يكونه الإنسان.. و هو كثيرٌ و فوق أن يُحصى في الإدراك . يكفي أن تشكّل الحرب نمطاً غير تاريخيّ و لا معياريّ لأنواع الفوضى التي تغزو البنيات و المؤسّسات و الإدارات و السّياسات و الأفراد و الجماعات... إلخ؛ و معها تتحلّل العناصر التّقليديّة للوطن و المواطنة إلى عوامل غريبة عليها و من خارج المنظومات و المصفوفات و المفاهيم و التّعريفات و المصطلحات.
و مع هذا، أيضاً، تغدو معظم اجتهادات "المحلّلين" و البحّاثة المُجتهدين وحتى الكُسالى، قرقعات في إناء.
 
49▪︎ و أمام إفلاس "النّظريّة" أو "النّظريّات"، لا يمكن تكرار المقول الذي أصبح فارغاً من المعنى.. كما لا يُمكن تجريب المجرّب؛ هذا و لا بدّ في مثل هذه الظّروف التّاريخيّة العصيّة من وقفة و مراجعة شاملة للثّقافات و المعارف و المخزونات المتكلسة و مختلف السّياسات.. كما أنّه لا بدّ، كذلك، من "جِراحات" عميقة تبحث في الاستئصال على أعمق مكامن الدّاء التّاريخيّ الذي تورّم إلى كلّ هذه القابليّات.. من الحرب! 
 

50▪︎ و الأهمّ في الأمر اليومَ، قبل أيّة أهمّيّة أخرى، ليس اجترار النّظريّات و الأقوال المأثورة.. و إنّما الإعداد لظرف تاريخيّ، تمتنع معه عودة مثل هذه الحرب؛ إذ أنّ الظّرفَ ، ما زال قائماً و مناسباً و غير آمنٍ بما فيه الكفاية، طالما أنّ "الثّقافات" قائمة، و النّاس موجودون، و احتماليّة تفجير المكان مستمرّة بوجود ("إسرائيل")، و دول الغرب موجودة، و المموّلون موجودون.. و الوحوش كثيرة و كاثرة.. و طالما أيضاً أنّ "المشاريع" لا تنتهي.. و طالما أخيراً.. أنّ الموهوبين و المبادرين مغيبون.

عدد الزيارات
15066445

Please publish modules in offcanvas position.