أوراق تاريخيّة "اجتماعيّة" و سياسيّة علنيّة و مُتجَاهَلَة.. لمشروع "حرب" طويلة- ح4

    كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه:

    31▪︎ كان لضمور مفهوم المجتمع و الفرد التّاريخيّ السّوريّ في ظلّ الاستقطابات التي وقفنا عليها في " الحلقات السّابقة "، دور مباشر في ضمور "المشروع الوطنيّ" نفسه، كمشروعٍ في "دولة"، و في "مجتمع". 
         غير أنّ مجرّد "الوصف" الخارجيّ لهذه "الظّاهرة" لا يُقدّم لنا أدوات الفهم الّلازمة لميكانيزمات التّحوّلات المتردّدة في المعاصرة السوريّة حتّى نهاية القرن العشرين، إذْ يلزمنا لذلك المزيد من التحليل الذي يبدو أنّه يمضي و ينقضي، بينما هو "يتمترس".. في الثّقافة و المجتمع و السّياسة و الدّولة، غير تارك مواقعه العنيدة ، إلى أن يشكّل من جديد أبعاده كظاهرة "جديدة"، أو "ظاهرات" مؤثّرة في مجرى الأحداث.
     
    32▪︎جملة من " المشاريع " الطّاردة للمجتمع و الدّولة و الهويّة و النّظام العامّ و الفرد الاجتماعيّ و المواطن و الموَاطَنة ، التي كانت تنطلق دوماً من الماضي ، كما رأينا ، سابقاً ، تعقّدت مع سير " التّطوّر " و خلقت لها أدواتها و وسائلها و قواها التي استطاعت التّراكب مع دولة " البعث " ، فيما أفرغت أمكنة استراتيجيّة لها في جسد الثّقافة و الإدارة و " القيم " ، على نحو ثأريّ ، كانت لها أهدافها المغايرة بالمطلق للخطاب السّياسيّ الرّسميّ الذي سار على طريق " موضوعيّة " محضة.. كمعبّر عن دولة المعاصرة. 
     
    33▪︎و على رغم جميع النّظريّات و التّنظيرات المتعالية ، و التي كان جزء كبير منها يُعبّر عن غسل دماغ الثّقافة و الطّليعة النّظاميّة في المجتمع و الدّولة ، تمكّنت من الحلول سرّاً محلّ الخطاب الأيديولوجيّ الرّسميّ ، فيما اكتفى هذا الأخير بمساحات سطحيّة على ظاهر الواقع و المؤسّسات ، و ترك التّفاصيل الكثيرة و الغزيرة و التي هي بمجملها تشكّل جسد " النّظام العامّ " ، نهباً لعطالتها الذّاتيّة التي بدت على أنّها تحمل مخزوناً من الطّاقة حماها من الوصول إلى مرحلة " القصور " و النّهايات. 
         أثبت الواقع شيئاً فشيئاً أنّه أكبر من كلّ الأيديولوجيّات و الشّعارات ، لا بل استغلّت قوى الواقع الكابحة للنّظام العامّ و " التّقدّم " و " التّنمية "، و التي تعضّتْ في الكلمات و الممارسات ، مفردات الخطاب السّياسيّ الأيديولوجيّ نفسه الذي تستخدمه نواة الدّولة ، و اشتغلت كذلك عليه ، في محاولة لتفريغه عمليّاً من كلّ أثر.
     
    34▪︎ كان لا بدّ للخطاب الموازي المؤثّر ، بوصفه معارضة مباشرة و غير شريفة و خفيّة.. للدّولة المعاصرة ، من أن يصنع له في " دولة المعاصرة " ، و اعتباراً من " ثمانينيات " القرن العشرين ، آليّاته و مؤسّساته و أدواته و " موظّفيه " و حقوله و فضاءاته و ثقافاته ، مع تدنّي نتائج التّنمية و التّطوّر و التّقدّم ، مُريديه و عصاباته الدّاخليّة شديدة التّنظيم و التّنكّر و التّمويه بواسطة إغراءات و مُشجّعات ، استغلّت واقع القدرة المتواضعة على التّعويض المكافئ للأفراد و الفئات و الطّبقات المتدنّية و المرفق العامّ ، بما هي أدوات حقيقيّة للدّولة و " البعث " ، إلى الدّرجة التي صنعت معها تلك القوى الموازية ، واقعاً جديداً ، و تغلغلت في ثنايا اادولة ، بخطط بديلة انتقاميّة و ثأريّة ، و مغرية.. 
     
    35▪︎ أيضاً ، تراجعت درجة المسؤوليّة الأخلاقيّة – المسلكيّة و السّياسيّة ، في مؤسسات " الدّولة " ، و أصاب ذلك معظم التّحوّلات المنتظرة في " مقتل " ، إلى أن دخلت " الدّولة " من جديد في " العنف " بوصفه أحد ذكريات التّأسيس. 
         وأثبت الواقع مرّة أخرى عدم صوابية نظريّات كالعقد الاجتماعيّ للدّولة و أكّد مرّة أخرى مبدأ " العنف " الذي دخلت فيه سورية منذ النصف الثاني من " سبعينيات " القرن الماضي ( بل و منذ منتصف السّتينيات ) ، الذي لم يُنههِ ( ظاهراً ) إلّا محاولات القوى الرّجعيّة و الإقصائيّة استعادة الأنفاس من أجل جولات جديدة.
     
    36▪︎ لم تتيقّن " دولة البعث " ، عمليّاً ، من خطورة الإيقاع " التّلفيقيّ " ( التّهجينيّ ) لمشروع " الدّولة " ، و بدلاً من وضع الأمور ، و قد أصبحت سافرة بلا أقنعة و لا ثياب.. في نصابها الواقعيّ و الحقيقيّ ، و الاعتراف بمبدأ " الواقع " ، و معالجة هذا الواقع على أساس هذا " المبدأ " ، قبلت " الدّولة " ، حتى من أعدائها السّياسيين ، التّحوّل من مبدأ العزل إلى مبدأ " الولاء " و " الولاءات " ، بغض النظر عن الكفاءة والقدرة والموهبة . 
         كان الأمر يبدو أنّه حلٌّ على المستوى النّظريّ ، بل و حتّى على المستوى العمليّ المنظور ، لولا أنّ " مشروع الدّولة " في المعاصرة ، لا يقبل هذه الأحاديّة أو " الثّنويّة " في "التّصنيف".
         اليومَ ، نحن قادرون على الحكم بهذه " المبدئيّة " ، بدليل التّاريخ من الماضي القريب ، و بدليل الحاضر المباشر أيضاً.
     
    37▪︎ على هذا " النّمط " القلق و غير النّهائيّ استعرت في داخل " الدّولة " المشاريع الانقساميّة المختلفة ، في عصابات و عصبويّات شكّلت مضادّات اجتماعيّة و " ماليّة " و إداريّة أرهقت جسد الدّولة و عطَبَتْ بنية الأفكار التي جاءتْ بالدّولة و حرمتْ الدّولة من مشروعها الذي كان في الأصل مشروعاً قوّيا في "المبدأ الوطنيّ"..
         إلّا أنّ جميع المبادئ الوطنيّة لا تصمد في الواقع خارج إطار " المشروع " الاجتماعيّ و السّياسيّ و الاقتصاديّ للدّولة ، فهذا الأخير رافعة أساسيّة للأوّل ، في إطار مبدأ العدالة الاجتماعيّة و " التّنمية المستدامة". 
     
    38▪︎ حضرتْ بشدّة "بورجوازيات مشوّهة " غير منتجة و استثماريّة و ريعيّة و تموّليّة ، و أصبحت ضاغطة على مستوى قرار " التّنمية " و " التّطوّر " ، فيما كانت تزداد تبعيّتها إلى " الخارج ".. بوصفها " أسلوب اقتصاديّ " انتقاميّ و ثأريّ في مواجهة الدّولة نفسها ، بعد أن أيقنت أنّ هذا " الأسلوب " هو وحده الكفيل بهدم الدّولة من داخلها. 
         و في هذه الأثناء بدأت منجزات دولة البعث بالتّراجع في إجهاضاتٍ كانت من ضمن الخطّة نفسها تلك التي تأسّست عليها قوى الدوران الاقتصاديّ ، و هو ما جعل صيغة " المجتمع " نفسها تُصاب بارتكاسة تاريخيّة مهّدت الطّريق إلى خلاعات عصبويّة و فرديّة سوف تُنتج و تحقّق أهدافها بالتّدريج.
         في هذا الواقع كان من المفترض أن تتلمّس " النّظريّة ".. أنّ سورية في " حالة حرب شاملة " ( تشبه تلك التي قال بها هوبْز ) ، و لو أنّها ليست ، بعد معلنة . 
         تبدأ الحروب الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة في الدّول النامية ، أوّلاً ، بإضعافٍ أكبرَ للدّولة ، و تعمل لتنتهي ، إن تمكّنت قواها السّياسيّة الرّجعيّة و صاحبة المصلحة.. بإسقاط الدّولة. 
     
    39▪︎ مع بداية " الألفيّة الجديدة " كانت المدّخرات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و الثّقافيّة و السّياسيّة لمشروع " دولة بديلة " ، و مهما كان شكلها و نوعها طالما أنّها بديل عن دولة البعث.. قد حقّقت رصيداً اجتماعيّاً و ثقافيّاً عالياً ، و كان الرّصيد السّياسيّ من هذه المدّخرات جاهزاً في " الظّلّ " التّاريخيّ مهمل الأهمّيّة.. و كان الرّصيد الماليّ و الرّصيد البشريّ الإرهابيّ جاهزاً في " الخارج " و " دول الجوار " ، و كان يكفي للشّرارة أن تستهدف الرّصيد الاقتصاديّ الذي هو القلعة شبه الأخيرة في جسد الدّولة الاجتماعيّ ، في دولة البعث ، فكان استهدافه من بين أوّل الخطوات التي بدأت بتنفيذها " الحرب ".
     
    40▪︎ و سوف نرى لا حقاً كيف أنّ " الحرب السّوريّة " التي عصفت بالدّولة و المجتمع ، قد كانت على أوسع نطاق من التّخطيط الخارجيّ و الدّاخليّ على حدّ سواء. فالحرب السّوريّة ليست حرباً غيبيّة أو نظريّة ، و لذلك لن يقدّم لها " التّحليل الوصفيّ" أيّ أداة أو وسيلة أو منهج للفهم.
    عدد الزيارات
    14342315

    Please publish modules in offcanvas position.