أوراق تاريخيّة "اجتماعيّة" و سياسيّة علنيّة و مُتجَاهَلَة.. لمشروع "حرب" طويلة - ح3

كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه:

21▪︎ حكم "البعث" سورية على أثر جملة من الخيبات السّياسيّة التي رافقت المعاصرة السّوريّة في مرحلتها الأولى ("الاستقلال"؛ "ولادة الأحزاب"؛ "الانقلابات"؛ "الوحدة"؛ "الانفصال") و التي عكست واقعاً اجتماعيّاً و تاريخيّاً محدّداً و شديد التّناقض للوعي السّياسيّ السّوريّ.
في ذلك الواقع لم يمضِ الوقت طويلاً لنجد ردود الفعل المختلفة و المتباينة نتيجة وصول أفكار " الحداثة العالميّة " التي مثّلتها نخبة من المثّقفين و السّياسيين السّوريين ، بما في ذلك ، أيضاً ، المخططات الخاصّة ، " الاستشراقيّة "، بالمنطقة العربيّة الخارجة لتوّها من المظلّة العثمانيّة..

22▪︎ و التي اعتبرت في حينه منطقة مُستباحة أمام " الأوربّي" الغربيّ ، تفعل فعلها في واقع لا يزال مشدوداً إلى الخلف ؛ و كردّ فعل سياسيّ متناقض على تلك " الخيبات " ؛ ليجد " البعث " نفسه أمام حالة إشكاليّة اجتماعيّة و اقتصاديّة شديدة التّعقيد ، عمل على أن يجد لها " واقعيّاً " مكافئاتٍ نظريّة " وضعيّة " في أفكار عانت من جملة من " التّناقضات " ، هي الأخرى ، ما جعله يدخل الصّراع على مستوى الدّولة و الجماعات و الأفراد ، في وقت واحد.

23▪︎ هكذا حملت أفكار "البعث" بعدها الاجتماعيّ و الوطنيّ التّحرّريّ و القوميّ و الاقتصاديّ الاشتراكيّ ، في ظلّ المدّ الاشتراكيّ " السّوفييتيّ" العالميّ في "ستّينيات " القرن العشرين ، و في الوقت نفسه كان الصّراع المحلّيّ في سورية يعكس درجة ملموسة من صراع قطبيّ الحرب الباردة ، و الذي كان على أشدّه في حينها ، إذ مثّل الجانب المواجه لأفكار " البعث " ، اجتماعيّاً و اقتصاديّاً ، جملة من المشاريع الدّينيّة و الاقطاعيّة الرّجعيّة الحادّة التي كانت لها طليعتها السّياسيّة و العسكريّة المسلّحة متمثّلة في " الإخوان المسلمين ".
كان ذلك الواقع الجديد ، في الدّولة، يحمل أيضاً في حمولاته تجديداً ، أو محاولات تجديد ، في الخطاب الاجتماعيّ و السّياسيّ و خطاب الدّولة و المعاصرة و " الهويّة ".

24▪︎ قضى التّاريخ ، سريعاً ، مواجهة مسلّحة بين دولة " البعث " ، و بين " الرّجعيّات " السّوريّة المختلفة ، بحيث نشأت ، و لأوّل مرّة في تاريخ سورية الطّويل ، و الذي يعود إلى " قرون " ، نماذج متعدّدة و متناقضة من الوعي الاجتماعيّ ، الفرديّ و الجماعيّ ، تحت ضربات المعاصرة بتهديدها للموروث الصّلب ، كانت جميعها ، و كلّ منها على انفراد ، تطمح إلى شكل مستمرّ أو جديد ، من أشكال مفاهيم الانتماء و الهويّة و الدّولة و المجتمع ، و ذلك في تناقضات صريحة وصلت إلى تحدّياتٍ مسلّحة مورست بالعنف و العنف المتبادل ، منذ ما قبل منتصف " ستّينيات " القرن العشرين . لقد كان التّحدّي صُلباً أمام دولة " البعث ".

25▪︎ في سياق الصّراع الاجتماعيّ و السّياسيّ، في ذلك الحين ، " استطاع " البعث.. أن يُبقي على " العنف " الاجتماعيّ ، دون مرحلة " الحرب الأهليّة " ، و كان لا بدّ لذلك من " استيعاب " الأفكار المتصارعة و القوى المتناقضة و المتحاربة ، في " خطاب مواطَنَةٍ " توفيقيّ ، جعل من " المواطنة " نفسها ، بالمفهوم ، وعياً بالخلاف و الاختلاف ، بدلاً من أن يكون وعياً جذريّاً بالمعاصرة.
هنا يتوجّه بعض النّقد المهمّ إلى من يدّعون بالبعث ، و منذ تولّيه " السّلطة " ، خطاباً جذريّاً و إقصائيّاً ، في مقابل محافظة " الخطاب الرّجعيّ " على جذريّته بالعنف المباشر.

26▪︎ و في تلك الأثناء ، لم يكن من الممكن ، إذاً ، التّوجّه الإجماليّ إلى " خطاب الدّولة " المجرّد و النّظريّ ، لأنّ ذلك كان محفوفاً بخطر الانتكاسة الرّجعيّة ، بما يتناسب مع ثقل الخطاب " الماضويّ " النّقيض لخطاب " الدّولة " ؛ بحيث غلب على خطاب الدّولة ، السّياسيّ.، أمران كانا من مفتّتات مشروع " الدّولة " المعاصر ، نفسه، من جهة " التّنمية " ، و هما الحدّ من آفاق " العنف " ، و المواجهة " المفروضة " مع العدوّ " الإسرائيليّ " التّوسّعيّ .
و قد طبع هذان التّحدّيان تاريخ سورية المعاصر ، بجملته ، و حتّى اليوم ، هذا إذا أضفنا أخيراً إليهما المشكلات الأخرى بأدواتها المستجدّة ، و النّاجمة عن "التّطوّر"!

27▪︎برزت في تلك الفترة من تاريخ سورية مجموعة من " المشاريع " الفرديّة و " الجماعيّة " ، و السّياسيّة و الاقتصاديّة ، استطاعت التّخفّي في " خطاب البعث " ، في الدّولة ، و التّسلّق فيه ، و عليه ، حتّى نضجت ، و بهدوء تاريخيّ ، و سلميّ – مع تخلّله " العنف " و " العنف المضادّ " ، باستمرار – و قد استطاعت ، و في مشاغلات ظرفيّة مختلفة و مستمرّة ، أن تعمل على " مشاريعها " المناوئة أو البديلة ، و أن تطرح " ثقافاتها " بكلّ " ليبراليّة " محميّة بخطاب دولة البعث ، " العلمانيّ "..

28▪︎ و أن تشكّل إحراجاتٍ داخليّة مستمرّة للجذريّة التّطوّريّة السّياسيّة ، بما فيها " الخطاب العلمانيّ " حتّى أقصاه الممكنة و الواقعيّة ، تبعاً لحجم تأثيرها و اتّساع رقعة جماهيرها الاجتماعيّة ، فيما تعذّر الأمر نفسه على القوى و النُّوى الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و الأفكار الأكثر تقدّميّة و جذريّة و راديكاليّة ، الأخرى ، نتيجة لعدم توفّر الأرضيّة الاجتماعيّة و الجماهيريّة المناسبة ، و هو ما خسره " البعث " نفسه من رديف اجتماعيّ تاريخيّ ، لم يكن ممكناً أن يقبله حتّى وقت متأخّر يُقارب عقداً من الزّمن على دولة " البعث ".

29▪︎ و أمّا إذا أدخلنا في حسابات تلك الفترة ما هو قائمٌ دوماً ، و حتّى اليوم ، من تربّص " الخارج " بالدّاخل.. فيمكننا أن نضيف إلى المشهد ، ذلك القلق المستمرّ في " التّكوين " الاجتماعيّ و السّياسيّ ، و الذي من شأنه أن يجعل فكرة الدّولة نفسها فكرة غير ناجزة من حيث بعدها الاجتماعيّ ، ناهيك عمّا يتركه هذا البعد الاجتماعيّ غير الحاسم و لا المحسوم.. من أثر في السّياسة و الاقتصاد و التّنمية ، بواسطة فراغات الانتماء إلى وطن يُعبَّرُ عنه في مجتمع و دولة ، و التّخلخل الدّائم للبنى السّياسيّة الدّاخليّة للدّولة و الهدر الوطنيّ الكبير ( بالمعنى الأعمّ ) الذي يُعانيه الواقع في مثل هذه الظّروف.

30▪︎ لقد كانت " الحرب " التي نعيشها اليوم ممكنة فقط على " أرضيّة " محدّدة من انخفاض مستوى الالتصاق بالهويّة و نقص في التّجاوز التّاريخيّ للانقسام الذي خلقه فقدان " المشروع " الوطنيّ الجامع ، بكلّ أبعاد هذه الكلمة ، و بكل ما لها من مدلولات حصريّة ، و ذلك سواءٌ منه الفقدان التّاريخيّ و الواقعيّ في آن واحد.
و هذا ليس كلّ شيء..

عدد الزيارات
14375646

Please publish modules in offcanvas position.